في الحب والحرب: البحث عن ثوب زفاف أبيض
فرّقت الحرب بين سارة وعلي وجمعهما الحب، فبعد أن بخّرت الحرب أحلام "سارة" قررت أن تخوض رحلتها الشاقّة إلى تركيا حيث توجد روحها الثانية "علي" حالمة بزفاهما الموعود.
علي وسارة في يوم زفافهما في حديقة يلديز في منطقة بشكتاش في إسطنبول (Others)

إسطنبول، قبل غروب الشمس بقليل، انعكست أشعة الشمس على المياه العكرة التي تشكل مجموعة من البرك الصغيرة في مدخل منزل سارة الصغير الذي يضم غرفة نوم واحدة والكائن في حي فيري كوي في إسطنبول.

واجهت النساء اللواتي فررن من سوريا للالتحاق بأزواجهنّ بعد أن باعدت بينهم الحرب العديد من التهديدات على طول الطريق: العزلة والاعتداء الجنسي والهجمات العنيفة والاستغلال المالي والترهيب أو الإكراه من قبل مسؤولي الأمن. هؤلاء النساء يعانين من الصراع بشكل مختلف عن الرجال. فقد يلجأن إلى الفرار من وابل القنابل والأسلحة الكيميائية بحثاً عن حياة جديدة، ليتعثرنّ في معاناة أكبر رغم أن أغلبهن لسن مقاتلات.

لكن خطط سارة الحالمة تبخرت، وتحولت قصتها إلى رواية مؤسفة خطَّتها الحرب السورية، التي شردت 5.6 ملايين شخص خارج البلاد. كان أكثر من 44% من هؤلاء اللاجئين نساءً حيث بلغت أعدادهن 1.11 مليون، وتتراوح أعمارهن بين 18 و59 عاماً.

منذ حداثة سنِّها، كانت سارة تحلم، مثل العديد من الفتيات في سوريا، بفستان زفاف أبيض. قبل الحرب، تخيلت سارة أنّ يوم زواجها من عليّ سيكون يوماً مثالياً، حيث ستكون محاطة بأحبائها ليحتفلوا معها ببداية حياتها الجديدة. في المجتمع السوري، يبدأ التخطيط لحفلات الزفاف عندما يعبّر العريس عن رغبته في الزواج من خلال معارف متبادلة بين عائلته وعائلة العروس ثم يجتمع بوالديها لطلب يدها للزواج.

تقول سارة لمجلة TRT World: "لقد ضحينا بالكثير من الأشياء لإتمام زفافنا، لم تفسح لنا الحرب مجالاً لإتمام الأمور الأساسية في حفل الزفاف، فقد ذهبت كل التقاليد المعتادة أدراج الرياح، كان من المفترض أن يأتي عليّ ويلتقي أبي، لكن كان من الصعب أن يحدث أي من هذا".

"لقد ضحينا بالكثير من الأشياء لإتمام زفافنا، لم تفسح لنا الحرب مجالاً لإتمام الأمور الأساسية في حفل الزفاف، فقد ذهبت كل التقاليد المعتادة أدراج الرياح، كان من المفترض أن يأتي عليّ ويلتقي أبي، لكن كان من الصعب أن يحدث أي من هذا".

سارة

استمرت خطبة سارة وعليّ  لمدة عامين وخططا سوياً لإقامة حفل زفاف مبهج على الطريقة السورية عندما اندلعت الحرب في مارس/ آذار عام 2011. هرب عليّ من البلاد في نفس العام والتحق بجامعة في إسطنبول لمواصلة تعليمه.

هربت الفتاة ذات الخمسة والعشرين ربيعاً من سوريا التي تشهد حرباً طاحنة عام 2015 كي تلحق بخطيبها عليّ في إسطنبول في تركيا وتتزوجه.

تجلس سارة على أريكة بيضاء نظيفة متهالكة في ردهة منزلها، وتتسلل على أطراف أصابعها من حين إلى آخر لتطمئن على ابنتها الرضيعة، لينا، النائمة في الغرفة الأخرى. تقول سارة وهي تصب أكواب الشاي السوري الساخن الموضوعة على منضدة صغيرة، إنَّ هذه الغرفة كانت غرفتها الخاصة قبل أن تلد طفلتها لينا قبل ثلاثة أشهر، والآن تنام سارة وزوجها عليّ على فراش كبير يبتلع معظم مساحة الردهة.

لم الشمل بعيداً عن الأسرة

تشرُد سارة بنظرها بعيداً وهي تستجمع ذكريات رحلتها إلى إسطنبول لتنضم إلى عليّ بعد انفصال دام ثلاث سنوات، يلوح على وجهها شبح ابتسامة تارة وتكتسي ملامحها بالحزن تارةً أخرى، مما يعكس حالة اضطراب المشاعر التي عانتها.

تتذكر وهي على متن الطائرة، التي توقفت في أنطاكيا لاستكمال رحلتها لاحقاً، تلك القشعريرة التي سرت في جسدها والهدوء الذي انتابها عندما تذكرت أنها ستملأ عينيها بوجهه في غضون ساعات قليلة: "لم أستوعب أن عليّاً ينتظرني، كنت أشعر بتصلب في أطرافي وخدر يسري في عروقي، كنت عاجزة عن تصديق أنني سأراه مرة أخرى وأننا سنحيا معاً للأبد".

تعترف سارة ضاحكة أنَّها غادرت سوريا فقط حتى تتمكن من الزواج.

"كانت رغبتي في الزواج من عليَّ هي دافعي للقدوم إلى هنا، ولو لم يكن هناك من ينتظرني في تركيا ليدعمني، لضعت فيها. سمعت عن بعض الفتيات اللائي قدمن إلى هنا وحدهنّ دون وجود عائل أو خطيب ينتظر، وكانت حياتهنّ بالغة القسوة".

التأم شمل سارة وعليَّ في إسطنبول، غير أنَّ حفل الزفاف الذي حلما به تلاشى فجأة، وبات وراء ظهورهما في ما بقي من سوريا التي عرفاها قبل الحرب.

والأشخاص الوحيدون الذين عرفوهم في إسطنبول كانوا أصدقاء علي، وهم ثلاثة فتية، ووالدته فاطمة .ولكنّ سارة لم يكن لديها من تعرفه في إسطنبول، فعائلتها لا تزال في دمشق.

وقد تناسيا كذلك عادة أن تكون العروس محاطة بأقربائها المقربين والبعيدين كي يحتفوا بها مهللين فرحين.

لم تحظ  سارة برفقة أي نوع من أنواع النسوة اللائي يصاحبن العروس عادة، من الأم الحنون المرهقة والصديقة الحميمة إلى العمّات والخالات وبناتهن اللاتي يساعدن العروس على اختيار ثوب الزفاف المناسب أو يحتفلن معها بزفافها، لم تحظ برفقة أحد منهن سوى حماتها.

معاناة ثوب الزفاف

كان فستان الزفاف الأبيض هو الخيال بعينه. كانا يعانيان من أزمة مالية، قالت سارة: "أذكر ذهابي إلى متجر، كان فيه ثمن الفستان 1000 ليرة تركية [200 دولار]، لم يكن لديّ الكثير من المال فقد كنت عاطلة عن العمل، وحتى عليّ كان لا يعمل، ولذلك فقد تكفل والده بمعظم نفقات الزواج".

كانت أم زوجها تتخيل مثلها كذلك أن عُرس الزوجين الشابين سيكون يوماً مميزاً تغمره السعادة كما جرت العادة. قبل الحرب، كانت فاطمة تخطط لحفل زفاف ابنها.

تقول فاطمة ودموعها تغرق وجهها: "لطالما ظننت أنني سأحتفل بزواج علي مع الجميع وأن أقيم حفلاً منفصلاً للنساء، مع عروس ابني وهي ترفل في ثوب زفاف أبيض جميل. لكن لم يكن هناك نساء أو احتفالات. لقد كنت أنا وسارة فقط".

ولعلمها أنه لن يكون هناك الكثير من الناس للاحتفال بيومها الكبير، قررت سارة أن تخطط لإقامة حفل بسيط في حديقة يلديز في حي بشكتاش النابض بالحياة في إسطنبول في 8 أغسطس/ آب عام 2015.

ورغم ذلك لم تكفُفْ سارة عن محاولاتها لإيجاد ثوب الزفاف المناسب. استمرت سارة في البحث عن متاجر تبيع أثواب الزفاف بأسعار معقولة. اقترح صديق عليّ أن تطّلع على مجموعة Istanbul Laleleri (توليبات إسطنبول)  وهي مجموعة على الفيسبوك تتبرع من خلالها النساء السوريات ويؤجرن فساتين الزفاف للسوريات الأخريات اللائي يحتجن إليها. ولكن الحظ لم يحالف سارة مرة أخرى.

تقول سارة: "عندما كتبت منشوراً على المجموعة، راسلتني بعض الفتيات، ولكن كانت معظم الفساتين التي عرضنها كاشفة ولم يرق لي هذا، شعرت بانزعاج وارتباك شديدين".

ووجدت سارة ثوب الزفاف في نهاية المطاف. ولكن من المنقذ هنا يا تُرى؟ الإمام الذي عقد قرانها.

كان الإمام صديقاً لأحد أصدقاء عليّ وعندما عرف بمشكلة سارة، تبرع بثوب زوجته إلى سارة قبل ليلة العمر. كان هذا هو ثوب الزفاف الذي يناسب حجابها والذي تستطيع ارتدائه بارتياح.

تقول فاطمة: "لم يكن الثوب في أفضل حالاته، لذا بذلت قصارى جهدي في تنظيفه وتهيئته لسارة".

تقول سارة: "كان حاجز اللغة الذي واجهته في المدينة يعوقني كثيراً عندما أحتاج إلى شراء شيء جيد".

مراحل انتقال الثوب

أدركت سارة بعد حفل زفافها أن النساء في ظروف مماثلة قد يواجهن نفس العقبات أثناء بحثهن عن أثواب زفاف في ذلك اليوم المميز، خاصة اللاجئات اللائي تركن كل شيء وراءهن.

وطلب الإمام منها أن تعطيه بعد انتهاء حفل زفافها إلى فتاة أخرى قد تكون بحاجة إلى فستان زفاف. لكن ذلك الثوب استقر في خزانة سارة لمدة سنة بعد يوم الزفاف. تقول سارة: "بعد أن تزوجت، تذكرت أنني لا أعرف أحداً هنا، كيف لي أن أثق بأحد؟".

"بعد أن تزوجت، تذكرت أنني لا أعرف أحداً هنا، كيف لي أن أثق بأحد؟".

سارة

على الرغم من بقاء سارة في مجموعة الفيسبوك "توليبات إسطنبول"، لكنها لم تكن تولي ثقتها لأي شخص على الشبكات الاجتماعية بسهولة. تقول سارة: "لقد أسدى لي شخص ما معروفاً كبيراً، هذه الثياب باهظة الثمن ولم أرغب في إعطائها لشخص قد يسيء استخدامها عن طريق بيعها أو تأجيرها لكسب المال".

في نهاية المطاف بعد أن استقر بها المقام وبدأت العمل، عَثَرت على مؤسسة دعم اجتماعي تديرها نساء في إسطنبول لمساعدة اللاجئات.

تقول سارة: "أذكر أنني أعطيتهم الثوب وأخبرتهم أن يحتفظوا به [لشخص قد يحتاجه]. اكتشفت في الآونة الأخيرة أنَّ إحدى النساء في المنظمة تزوجت وارتدت ذلك الثوب. لقد غيروا شكله تماماً، يا للروعة! يبدو جميلاً الآن!".

لكن سارة تعرف أيضاً النساء اللواتي كن يعقدن قرانهن دون ارتداء ثوب زفاف مستعار أو أزرق ( السطور الأولى من أغنية شعبية تفصل ما يجب أن ترتديه العروس يوم زفافها حيث يرمز الثوب المستعار إلى الحظ السعيد واللون الأزرق إلى الوفاء). تروي سارة قصة صديقتها التي لم تستطع التصرف كما فعلت سارة في ذلك الوقت.

تقول سارة: "عندما عقدت إحدى صديقاتي في فيري كوي قرانها، لم يكن لديها أي ثوب مميز لترتديه ولم تقم أي حفلات، أتت هنا لاجئة مثلي".

تردف سارة قائلة: "ولكنها استقرت الآن وأنجبت طفلاً، لذلك أقامت حفلاً وارتدت ثوب زفاف أبيض، وكأنها تخبرنا "انظروا أنا ما زلت عروساً حتى بعد أن أنجبت طفلاً".

غالباً ما تكون التجارب التي مرت بها النساء اللاجئات بعيدة عن الأنظار، ولا يوليها أحد اهتماماً طالما أنها لا تتضمن عنفاً، ربما لأنها غير مفهومة للبعض. إن الخسائر الشخصية التي تلحق بحياة الأشخاص في غمار الحرب تضيع في ثنايا عناوين الأخبار التي تجيد أفضل ما تجيد صياغة أخبار عن القنابل الخطِرة وطلقات الرصاص.

ومع ذلك، فإن تأثير النزوح يظهر جلياً في الرحلة الشاقة التي خاضاها بحثاً عن أشياء يراها البعض أمراً مفروغاً منه، مثل الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية السعيدة، التي لم يعد ضحايا الحرب مثل سارة وعليّ قادرين على إقامتها.

بالنسبة لسارة، فإن الهروب من الحرب كان يعني حياة جديدة، ولكنها حياة تتضاءل فيها الأحلام والآمال بجانب السعي إلى الحصول على أساسيات الحياة. بالنسبة لزفافها، فقد حظيت سارة بالرجل الذي أحبته والقليل من الأشخاص الذين يمكنها أن تقول إنهم يشبهونها وتشعر بالانتماء إليهم؛ لم تلتقِ سارة بعائلتها منذ مغادرتها سوريا ويساورها الشعور بالقلق عليهم كل يوم.

قد يكون غياب ثوب الزفاف الأبيض والبحث عنه هو البلسم الذي يسكّن آلامهما حيال غياب كل شخص أرادا أن يكون معهما.

"لقد ضحينا بالكثير من أجل حفل الزفاف، من تخيل نفسي كعروس بطريقة معينة إلى وجود عائلتنا وأصدقائنا بجوارنا. لقد ضحينا بالكثير".

تم تغيير الأسماء للحفاظ على خصوصية الأشخاص الحقيقيين
سارة في فستان زفافها تبرع به الإمام الذي أشرف على زفافها. (TRT World)
نساء سوريات تحملن حقائبهن أثناء عبورهم البوابة الحدودية السورية التركية (AA)
TRT عربي - وكالات