مقهى بدران.. إرث فلسطيني يقاوم التهويد
مقهى بدران هو أول مقهى افتُتح في مدينة الخليل، وربما في فلسطين كلها، ليكون شاهداً على تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية حلّت بالمكان. مقهى بدران تاريخ عريق من الأصالة والنضال منذ زمن المماليك وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي القائم إلى يومنا هذا.
مقهى بدران في مدينة الخليل الفلسطينية (Others)

قبل 120 عاماً وبمساحة لا تزيد على 50 متراً مربعاً، افتتح جميل بدر بدران وابن عمه سلمان المقهى وسط البلدة القديمة في مدينة الخليل، وهي واحدة من أبرز حواضر فلسطين. وذاع صيته في المكان لوقوعه أمام "ساحة بدران" الشهيرة ولقربه من الحرم الإبراهيمي الشريف.

حين يدخل الزائر من باب المقهى الوحيد المؤدي إلى "مسجد القزازين" يستقبله الحاج محمد التلبيشي بالتأهيل والترحيب، فهو مديره منذ 1998 إلى يومنا هذا. تراه دائماً وراء طاولته يحضّر طلبات الزبائن الذين غالباً ما يكونون من المتقاعدين وكبار السنّ الذين يقصدون المقهى للعب الورق وطاولة الزهر. تارة يصبّ الشاي بالنعناع في كاسات شفافة والقهوة بفناجين عربية تقليدية وتارة أخرى يحضّر النرجيلة العجمية وأصنافاً أخرى حسب رغبة الزبون.

حكايا عريقة على الجدران

ينقل التلبيشي ما سمعه عن يوميات مقهى بدران من صاحبه جميل، الذي كان مقصداً للزبائن من أنحاء فلسطين كافة، وبعض الدول العربية لا سيما السعودية. يقول في حديث لـTRT عربي: "المقهى كان مقصداً لوجهاء العشائر والشيوخ وكبار السن والسياح، فشكّل ملتقى للناس يتبادلون داخل جدرانه أحوالهم اليومية ويتشاركون الأفراح والأحزان ومناقشة أهم قضايا البلاد، لذا اكتسبت القهوة أهمية كبيرة لديهم للعبها دوراً مهمّاً في مختلف مجالات الحياة العامة للسكان".

مقهى بدران في مدينة الخليل ويظهر جانب من زبائن المقهى (Others)

ويستذكر "كيف استخدمت القهوة أول راديو يعمل على بطارية الكهرباء في مدينة الخليل، وكيف كان مركوناً على الشباك ومستهجَناً للناس. وحين يقدّم الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر أحد خطاباته التي لا تقلّ عن سبع ساعات كان الرجال يجتمعون في المقهى ويستمعون إلى خطاباته بانسجام وحماسة على ضوء القنديل. ومع استحداث اثنين من وجهاء البلدة الكهرباء على شكل لمبات صغيرة كل 200 متر، أصبح الرجال يتهافتون أكثر إلى المقهى لسماع خطابات عبد الناصر".

ويوضح التلبيشي أنه "منذ تَسلُّمه المقهى إلى يومنا هذا توُفّي أكثر من 130 من كبار السن في البلدة من الذين كانوا يقصدون مقهى بدران دائماً، وهم من كبار مدينة الخليل، حتى إنهم كانوا يلجؤون إليه حين تقع مواجهات مع الاحتلال في المدينة بهدف الاحتماء داخلها".

ويتابع: "تَحوَّل مقهى بدران إلى مَعلَم من معالم البلدة، ليس لكونه أول مقهى فيها فحسب، بل لشدة إعجاب السكان والسياح به أيضاً. والأهم في ذلك أن كبار الشخصيات العربية زارته أمثال ملك الأردن الراحل الملك عبد الله والقيادي الفلسطيني الحاجّ أمين الحسيني، كما أن أصداءه وصلت إلى فرنسا لشدة إعجاب السياح الفرنسيين بما رأوه بأم أعينهم من عراقة داخل جدرانه".

حضارة تتعرض للتهويد

عراقة مقهى بدران لا تكمن في كونه ملتقى حوارياً جامعاً للسكان والزائرين فحسب، بل تلعب ميزاته العمرانية دوراً كبيراً في أهميته التاريخية، إذ يتميز المقهى ببناء عمراني من الطراز المملوكي يعتمد على نوافذ مقوسة تعلوها بيوت فلسطينية ذات قيمة تاريخية عريقة أقل عمراً من المقهى.

أما السقف من الداخل فحجارته القديمة بارزة للعيان، وقد عملت لجنة إعمار الخليل على صيانتها مؤخراً. أما الفناء الخارجي المطل على "ساحة بدران" فتعلوه مظلة تقي الزبائن الذين يفضلون الجلوس في هذه الزاوية حَرَّ الصيف ومطر الشتاء. ويحتوي المقهى على طاولات بيضاء قديمة، وكراسي خشبية مصنوعة من خيوط بلاستيكية خضراء أو صفراء متصل بعضها ببعض يناهز عمرها أكثر من 60 عاماً.

مقهى بدران في مدينة الخليل (Others)

حال مقهى بدران، كحال مدينة الخليل عامة، يعاني محاولات تهويد وطمس للتراث الفلسطيني وفرض السيطرة الإسرائيلية عليه لتمتُّعه بمكانة جوهرية وسط البلدة القديمة في المدينة، إذ تمنع سلطات الاحتلال إجراء الفاعليات أمام ساحة القهوة، كما وضعت حجراً على مدخل بناية قرب المقهى بهدف تهويد البلدة وتغيير معالمها، وعمل الشبان على كسره عدة مرات، فوضعت سلطات الاحتلال كاميرا بجانبه. كما تعمل السلطات جاهدة لتضييق الخناق على سكان البلدة وتهجيرهم منها، فباتوا مُجبَرين على استئجار متاجر جديدة في أماكن جديدة بحثاً عن قوت يومهم بعيداً عن مضايقات الاحتلال.

"حماية مقهى بدران كواحد من أهم معالم البلدة القديمة واجب وطني علينا كسكان المدينة أولاً وعلى لجنة إعمار مدينة الخليل بالدرجة الثانية"، هذا ما يؤكده ابن مدينة الخليل، عديّ بنات، لـTRT عربي.

يقول بنات: "المقهى ليس جدراناً قديمة فقط، بل حَكايا كبار الشخصيات والشيوخ والمتقاعدين كُتبت على كل زاوية في المكان لتبقى شاهداً حياً على تاريخ عريق لأهمّ المناسبات والمحن السياسية والاجتماعية والشعبية التي شكلت نقطة تحول في البلدة".

ويتابع: "بسبب هذه الأصالة الفلسطينية المتوارَثة منذ أكثر من 120 عاماً يسعى الاحتلال لطمس الهوية الفلسطينية وإخفاء معالم المقهى وإغلاقه أحياناً أو محاولة الادّعاء أنه مَعلَم يهودي. من هنا يجب أن نعمل جاهدين بكل الطرق والسبل للدفاع عنه كشبان وشيوخ من خلال زيارته باستمرار والحفاظ على العادات الشعبية السائدة به من ألعاب ورقية ولعبة الطاولة، بالإضافة إلى الأحاديث النقاشية داخله، بخاصة بين جيلَي كبار السن والشباب".

ويختم بنات بالقول: "لن تفلح كل محاولات التهويد البائسة في طمس معالمنا، فلسطين بكل تفاصيلها قضية تَحدٍّ وصمود".

يتلاشى عدد زبائن مقهى بدران يوماً بعد يوم بفعل عوامل عدة، أهمُّها القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال في مختلف أماكن وأحياء مدينة الخليل، بما فيها الطرق المؤدية إلى المقهى، لكن بقاءه مشروع الأبواب أمام رواده يبقى هدفاً أساسياً لأبناء المدينة لحمايته من أطماع الاحتلال وخطط الاستيلاء على كل ما هو ثمين في المدينة المقدسة. المقهى جزء من حكايات البلد وإرثها وعبق القهوة العربية فيها.



TRT عربي