تصعيد وتعليق اتفاقيات.. لماذا تأزمت العلاقات بين الجزائر وإسبانيا؟
تتجه العلاقات الجزائرية الإسبانية نحو منحدر من التصعيد، عقب قرار الجزائر تعليق العمل باتفاقية الصداقة والجوار مع مدريد، رداً على تغيير موقفها بدعم مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب حلاً لقضية الصحراء.
قررت الجزائر تعليق العمل باتفاقية "الصداقة والجوار" مع إسبانيا.  (AP)

فصل آخر من فصول التوتر بين الجزائر العاصمة ومدريد، ذلك بعد إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعليق بلاده معاهدة الجوار والصداقة التي تربطها بمدريد. معللاً ذلك القرار بكونه رداً على التقارب المغربي الإسباني الأخير، وتغيير إسبانيا موقفها إزاء ملف الصحراء.

وتشهد العلاقات المغربية الإسبانية، منذ شهر مارس/آذار، دفئاً بعد شهور من جليد الأزمات الدبلوماسية. وفي سابقة من نوعها، كانت الحكومة الإسبانية أعلنت دعمها مقترح الحكم الذاتي الذي تطرحه الرباط حلاً لملف إقليم الصحراء. فيما اعتبرت الجزائر تلك الخطوة مفاجئة وعدائية.

الجزائر تصعد

وفي وقت سابق الأربعاء أفاد التلفزيون الرسمي الجزائري نقلاً عن تصريح لرئاسة الجمهورية، بأن "السلطات الإسبانية باشرت حملة لتبرير الموقف الذي تبنته إزاء إقليم الصحراء، والذي يتنافى مع التزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية كقوة مديرة للإقليم".

وأعلنت الرئاسة الجزائرية تعليقها "اتفاقية الصداقة والجوار" مع مدريد، مبررة ذلك بأنه رد على "موقف الحكومة الإسبانية الذي يعتبر منافياً للشرعية الدولية التي تفرضها عليها صفتها كقوة مديرة (لملف الأزمة)، ولجهود الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي الجديد للأمين العام، وتساهم بشكل مباشر في تدهور الوضع في إقليم الصحراء وفي المنطقة".

وتأتي الخطوة الجزائرية في أعقاب تصريحات لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث أمام أعضاء البرلمان، جدد فيها دعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط في إقليم الصحراء المتنازع عليه مع جبهة البوليساريو.

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي لموقع صحيفة الشروق الجزائرية الأربعاء إن إسبانيا بقيادة بيدرو سانشيش "لم تعد شريكاً موثوقاً للجزائر، وإن قرارات قادمة بعد إعلان تعليق معاهدة الصداقة" دون الإفصاح عن طبيعتها.

مدريد: نحن ندافع عن مصالحنا!

عقب هذا القرار، ردَّت مدريد في بيان لخارجيتها، قالت فيه إن حكومتها "تعتبر الجزائر جاراً وصديقاً وتؤكد استعدادها الكامل لمواصلة الحفاظ على علاقات التعاون الخاصة بين البلديْن وتطويرها لصالح شعبيْهما".

وأكدت الحكومة الإسبانية استمرار "التزامها الكامل محتوى المعاهدة ومبادئها، وبنود ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي عناصرَ أساسية، والحفاظ على السلام والأمن والعدالة في المجتمع الدولي، ولا سيّما مبادئ السيادة المتساوية للدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام حق الشعوب غير القابل للتصرف في أن يقرروا بأنفسهم".

وفي ذات السياق صرح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الخميس، بأن حكومة بلاده "ستدافع بقوة" عن مصالحها الوطنية في ضوء قرار الجزائر بإلغاء معاهدة الصداقة والتعاون بينهما والمبرمة منذ 20 عاماً.

مضيفاً بالقول: "نحن نحلل نطاق وعواقب ذلك الإجراء على الصعيدين الوطني والأوروبي بطريقة هادئة وبناءة ولكن أيضاً بحزم في الدفاع عن إسبانيا ومصالح المواطنين الإسبان والشركات الإسبانية".

تداعيات القرار الجزائري

وبعد القرار الجزائري، قررت حكومة البلاد تجميد عمليات التصدير والاستيراد مع إسبانيا، ابتداءً من يوم الخميس. وحسب مراسلة اطلعت عليها وكالة الأناضول، عممت جمعية البنوك (حكومية) قراراً على مسؤولي المؤسسات المالية في البلاد، يفيد بتجميد عمليات التصدير والاستيراد من وإلى إسبانيا.. ووقف أي عملية توطين بنكي لإجراء عمليات تجارية مع إسبانيا.

ونصت المعاهدة الموقعة عام 2002 على دعوة الجانبين إلى "تعميق تعاونهما في السيطرة على تدفقات الهجرة ومكافحة الاتجار بالبشر"، حسب النص المسجل في الجريدة الرسمية الإسبانية.

كما أكدت المعاهدة على تعزيز الحوار السياسي بين البلديْن على جميع المستويات وتطوير التعاون في المجالات الاقتصادية والمالية والتعليمية والدفاعية.

وبلغت صادرات إسبانيا إلى الجزائر عام 2020 ملياريْن و107 ملايين دولار، والواردات ملياريْن و762 مليون دولار. وفق تقرير لصحيفة "إلبايس" الإسبانية

وتكشف البيانات الصادرة عن معهد التجارة الخارجية الإسباني (ICEX) أن الاعتماد متبادل بين إسبانيا والجزائر، إذ إن 47 في المئة من الهيدروكربونات التي اشترتها إسبانيا مصدرها الجزائر، ويمثل الغاز نسبة 92 في المئة من إجمالي الواردات.

أما الصادرات الإسبانية إلى الجزائر فمتنوعة ومنها الحديد والصلب، والأجهزة الميكانيكية، والورق والكرتون، والوقود المعدني. وتركز الاستثمارات الإسبانية في الجزائر على قطاعات الطاقة والبناء والمياه.

فيما يأتي هذا القرار في وقت تتأرجح فيه أوروبا تحت وطأة أزمة طاقة خلقتها الحرب في أوكرانيا، وتسارع دول الاتحاد لوقف وارداتها من الغاز والنفط الروسيين، وتقع الجزائر على رأس خيارات أوروبا من أجل تعويض واردات موسكو. يضاف هذا إلى كون نصف واردات إسبانيا من الطاقة تأتي من الجزائر.

وفي هذا الصدد، قالت وزيرة الطاقة الإسبانية تيريزا ريبيرا الخميس إنها واثقة من أن شركة الغاز الجزائرية المملوكة للدولة "سوناطراك" ستحترم عقودها التجارية لتوريد الغاز الطبيعي إلى المرافق الإسبانية، على الرغم من الخلاف الدبلوماسي.

واستبعدت الوزيرة الإسبانية "إمكانية مخالفة العقود بشكل أحادي بقرار من الحكومة الجزائرية"، لكن لم تخفِ مخاوفها من أن يلقي الخلاف بظلاله على مفاوضات البلدين حول عقود إمدادات الغاز، التي تخضع حالياً لمراجعة الأسعار.

ودخلت بروكسيل على خط التوتر الناشب، معلنة على لسان مفوض خارجيتها جوسيب بوريل دعمها لمدريد، ودعوتها إلى عودة الحوار بين البلدين وإعادة التجارة بينهما.

وقال بوريل، يوم الخميس، بأن "قرار الجزائر بتعليق اتفاقية الصداقة مع إسبانيا مقلق للغاية بالنسبة إلينا. ونطلب من السلطات الجزائرية مراجعة قرارها، لأن الجزائر شريك مهم في البحر المتوسط، ولاعب رئيسي في استقرار المنطقة". مضيفاً أن المفوضية "تدرس تأثير هذا القرار وتسعى "لإيجاد قنوات دبلوماسية والعمل مع اسبانيا لإيجاد حل".

TRT عربي