المغرب وشركاؤه الأوروبيون.. بين الشراكة الاستراتيجية والتوترات المؤقتة.
العلاقات المغربية-الأوروبية بخاصة مع الشركاء المحورين مثل ألمانيا وإسبانيا، رغم ما تعرفهُ من توتر، فإنه آني ومحدود مقارنة بعمق الشراكة التي تربط الجانبين بفعل أهمية الطرفين بعضهما لبعض بملفات عديدة كالاقتصاد والأمن والهجرة.
العلاقة بين المغرب و الاتحاد الأوربي  ستظل متينة رغم التوترات  (Euronews)

وكلها ملفات تؤرق الطرفين بخاصة الأوروبي، ما يجعل العلاقات المغربية-الأوروبية استراتيجياً ستتجاوز كل الأزمات النابعة من ظرفية سياسية محدودة متأثرة أساساً بالحزب والشخص الذي يقود حكومة هذه الدول الأوروبية، لكن طبيعة المصالح متجاوزة هذه التجاذبات المتغيرة، والمغرب حقق مصالح عديدة وفق سياسته الواقعية، وحتى يستمر بمكاسبه عليه أن يظل كما عهده المجتمع الدولي شريكاً استراتيجياً لنظرائه الأوروبيين.

إحياء العلاقات المغربية-الألمانية

أعربَ المغرب نهاية السنة الماضية عن نيته إحياء العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا التي تجمدت فعلياً منذ شهور بعدما أن علقت الاتصالات مع السفارة الألمانية في المملكة المغربية بسبب "سوء تفاهم عميق" بشأن "قضايا تهم ثوابت المغرب"، وتعنى أساساً بقضية الصحراء، إذ انتقدت ألمانيا سلفاً اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بالسيادة المغربية على الصحراء المتنازع عليها، ما جعل المغرب يعلق علاقاته مع شريكه الألماني رغم ما يجمعهما من شراكة تجارية قوية، ورغم الدور المحوري الذي تلعبه ألمانيا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والذي يعدُ أهم شريكٍ للمغرب تجارياً على الأقل، إلا أن هذا الموقف بدأ يتغير إلى الأفضل بفعل مستجدات يعرفها المشهد السياسي الألماني-المغربي، أبرزها بلوغ أولاف شولتس منصب المستشار بدل سلفه ميركل، وتعهده بإنشاء تحالف يقدم "بداية جديدة" لألمانيا في مختلف الملفات بما فيها الملفات المرتبطة بالسياسة الخارجية.

هذا الأمر جعل المغرب يرحبُ بإعادة العلاقات الثنائية بين البلدين عبر بياناته الرسمية، وهو ما يسمح بإحياء التعاون الثنائي وعودة العمل الطبيعي للممثلين الدبلوماسيين للبلدين في الرباط وبرلين.

وفي الواقع لم يقدم المغرب هذه المرة تنازلات لإعادة المياه إلى مجاريها مع ألمانيا، لأن المغرب كان يرى نفسهُ في موقف قوة بملفات عديدة تؤرق أوروبا بعامة وألمانيا بخاصة، وأحد هذه الملفات الهجرة الذي لعب المغرب فيه دوراً محورياً، فكبح الهجرة الإفريقية الرامية إلى عبور البحر الأبيض المتوسط لبلوغ الضفاف الأوروبية. بالإضافة إلى ملف الهجرة نجدُ الدور المهم الذي يلعبهُ المغرب في تأطير الشأن الديني في أوروبا عموماً وألمانيا خصوصاً وهو ما يحدُّ من تمدد التشدد، وكذا يجفف منابع خطاب التطرف الديني في السياق الألماني بشكلٍ ملموسٍ تقرُ به ألمانيا في كل مناسبة.

هذا الأمر الناجم عن إدراك ألمانيا أهمية المغرب باعتباره جسراً يربطُ الشمال بالجنوب سياسياً وثقافياً واقتصادياً وإدراكه دور المغرب باستقرار المنطقة، جعل ألمانيا تقِّرُ بأهمية المقترح المغربي المرتبط بالصحراء والمتمثل بالحكم الذاتي باعتباره "مساهمة مهمة" في تسوية النزاع على حد تعبير الألمان أنفسهم.

وحقيقةً فإن الدولة الوحيدة التي قدمت تجربة يستفاد منها بخصوص التعامل مع الكيان الأوروبي هي تركيا المعاصرة، إذ قدمت تركيا للعالم العربي كيف تكون السياسة البراغماتية والواقعية مع الاتحاد الأوروبي، سواء فيما يخص الشراكة الاقتصادية والملفات السياسية والأمنية المشتركة. والمغرب يمضي قدماً بهذا النهج الواقعي في تعامله مع أهم دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها ألمانيا.

شد وجذب في العلاقات المغربية-الإسبانية

أما بخصوص الشأن المغربي-الإسباني فيمكنُ أن أضيف على ما قلتهُ في مقالي السابق حول النزاع الحدودي المغربي-الإسباني أن المصالح المغربية-الإسبانية وتضاربها تحركها ثلاث دوائر حسب تعبير الخبير سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، التي يمكنُ تلخيصها بالآتي: دائرة القضايا الآنية، ودائرة القضايا متوسطة المدى، ودائرة القضايا الاستراتيجية.

الدائرة الأولى حسب الصديقي تتمحورُ حول تأثيرات المشهد السياسي الداخلي الإسباني، بخاصة حينما يهيمنُ اليمين أو التيار الشعبوي على مفاصل الحكومة. فبلوغ هذا التيار يسمحُ بتمرير بعض المواقف المرتبطة بالهجرة والصحراء وكذا النزاع الحدودي المغربي-الإسباني التي تعكسُ في العمق التحول السياسي الظرفي الذي تعرفهُ إسبانيا ويأخذ مظاهر سياسية تنعكس على طبيعة علاقة البلدين، وأزمة 2002 مثال لذلك، إذ كان الجفاء بين الطرفين مردهُ هيمنة اليمين على الحكومة. مثل هذه الأزمات التي تنتمي إلى الدائرة الأولى تحل خلال شهور أو سنوات قليلة وتُتجاوز تداعياتها تدريجياً.

أما الدائرة الثانية حسب تعبير الصديقي فهي المهمة، وينبغي استثمارها بُغية تعزيز علاقات التعاون بين البلدين بسبب ما تضمهُ من مصالح اقتصادية متبادلة، وكذا الانخراط بقضية الهجرة والتعاون الأمني ومراقبة الحدود المشتركة، وهو ما يجعل هذه الدائرة العمود الفقري للعلاقات بين البلدين، وتتأثر عادة بدرجات متفاوتة بالتحولات التي يشهدها المشهد السياسي الداخلي الإسباني، لكن هذا التأثير يكون ظرفياً لأن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية المتبادلة تجعل الدولتين تتعاملان بحكمة وحذر في تدبير ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد.

أما الدائرة الثالثة فتتجسدُ بالقضايا الاستراتيجية التي يفرضها الإرث التاريخي والجغرافي بين البلدين بملفات كقضية سبتة ومليلة والجزر الحدودية وقضية الصحراء ونظرة كل دولة إلى الأخرى.

وعادة لا تُحرَّك هذه القضايا بين الدولتين حتى لا تتأثر المصالح الاقتصادية والأمنية بين البلدين إلا ببعض المناسبات التي يثير بها المغرب القضايا الحدودية ليذكر العالم بأن هذه الحقوق التاريخية لا تسقطُ بالتقادم. إلا أن هذه الدائرة الاستراتيجية بعيدة المدى لن يتغير المشهدُ فيها في القريب العاجل، فتحتاج إلى عامل الزمن وتغير بنية النظام الدولي والتحولات المفصلية في ميزان القوى بين البلدين حتى يتمكن أحدُ هذين البلدين من حسمِ هذه الملفات الحدودية.

وانطلاقاً مما سبق فإن أزمة العلاقات المغربية-الإسبانية خلال الشهور الماضية مرتبطة بالقضايا الآنية بشكلٍ أساسي، ما يجعلها أزمة ظرفية، لذا شهدنا مؤخراً مؤشرات متبادلة لتجاوزها.

إلا أن الذي تغير هذه المرة وانطلاقاً من سياسة المغرب الواقعية إعادة رسم الخطوط الحمراء بين البلدين وفق المستجدات التي تشهدها موازين القوى بخصوص قضية الصحراء المتمثلة أساساً باعتراف الولايات المتحدة بمغربيتها، وهو بذلك يحاول إخراج قضية الصحراء بالتحديد من دائرة التجاذبات السياسية الإسبانية الداخلية. إن إعادة رسم الخطوط الحمراء عليه أن يوازي تأكيد المغرب دوره شريكاً موثوقاً بملفات الأمن والاقتصاد والهجرة، هذا الملف الأخير تعلم منه المغرب أن فتح الحدود للمغاربة والأفارقة للمرور إلى الضفة الأوروبية خطأ سياسي كبير يسمحُ للجانب الأوروبي بأن يوظفه ضد المغرب إنسانياً، رغم ما يمكنُ أن يحدثه ذلك من ضغط على الجانب الأوروبي.

علينا أن نكون صرحاء ونقول إن المغرب حقق مكاسب كبيرة من شركائه الأوروبيين، بخاصة في الجانب السياسي المرتبطِ بملف قضية الصحراء، لكن المكاسب قد تتبدد إذا لم يظهر المغرب بشكلٍ حقيقي نفسه شريكاً موثوقاً للشركاء الأوروبيين الذين لا يعرفون سوى لغة المصالح والمنافع، وفي الحقيقة المغرب يجيد لعب دور الشريك المفيد والعقلاني للجانب الأوروبي، هذه العقلانية هي ما مهد لدول الاتحاد الأوروبي الغربية لتجعل المغرب أحد شركائه الكبار، وجعل المغرب يعتبر الاتحاد الأوروبي شريكه الاستراتيجي، بل جعل إسبانيا تدافع رغم توتر العلاقات عن الاتفاق التجاري الذي يجمعُ المغرب بالاتحاد الأوروبي رغم قرار محكمة العدل الأوروبية.

وهو ما يظهر طابع الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بشركائه الأوروبيين، التي وجب الحفاظ عليها رغم ضرورة تجويدها من أجل تجنيب إقحامها مستقبلاً بنفس الأزمة القائمة على التوجس المتبادل الذي يطفو أحياناً، وهو ما لا يمكن تحققه سوى بحل بعض الملفات ذات طابع أمني حدودي كقضية الصحراء.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي