وذكر المتحدث باسم هيئة "أونيا" المستقلة المعنية بمكافحة التمييز وتعزيز المساواة في بلجيكا، أوليفييرو أسيليو، في مقابلة نشرتها وكالة الأناضول الاثنين، أن المسلمين والأشخاص المنحدرين من أصول مهاجرة يواجهون أشكالاً متعددة من التمييز في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية، تبدأ من التقدم للوظائف، وقد تستمر بعد التوظيف، وصولاً إلى الترقية أو الفصل من العمل.
وأوضح أن اختبارات أُجريت بالتعاون مع جامعات في مناطق مختلفة من بلجيكا أظهرت أن المرشحين الذين يحملون أسماء إسلامية تقل فرص دعوتهم إلى مقابلات العمل مقارنة بغيرهم، لافتاً إلى أن التمييز قد يحدث قبل أن يلتقي المرشح بمسؤول التوظيف أو تتاح له فرصة عرض مؤهلاته وخبراته.
وأشار إلى أن هيئة "أونيا" تلقت نحو 2500 بلاغ يتعلق بحالات مرتبطة بالعنصرية خلال عام 2025، وفتحت أكثر من 700 ملف بشأنها، تتناول وقائع تمييز في مجالات عدة، أبرزها الحياة المهنية والأماكن العامة والحصول على السلع والخدمات.
العمل في صدارة ملفات العنصرية
وبيّن أسيليو أن الملفات المرتبطة بالعنصرية تشكل 31% من إجمالي الملفات التي تتولاها الهيئة بشأن مختلف أسس التمييز الداخلة ضمن اختصاصها، فيما تمثل القضايا المتعلقة بالعمل 26% من ملفات العنصرية التي تتعامل معها.
وأوضح أن هذه القضايا تشمل مختلف مراحل المسار المهني، من التمييز على أساس لون البشرة أو الأصل عند التوظيف، إلى التحرش من الزملاء، وانتهاءً بالفصل من العمل.
ولفت إلى أن الجاليات ذات الأصول المغربية والتركية والكونغولية تواجه التمييز العنصري بصورة خاصة في الحياة المهنية، رغم حضورها الملحوظ في المجتمع البلجيكي.
وأضاف أن التمييز لا يقتصر على بيئة العمل، بل يمتد إلى الحياة اليومية، بما في ذلك الأماكن العامة ووسائل النقل والعلاقات بين الجيران، فضلاً عن الحصول على السلع والخدمات، حيث تتلقى الهيئة بلاغات عن رفض تقديم خدمات لأشخاص بسبب كونهم من ذوي البشرة السوداء أو مسلمين أو عرباً أو من شمال إفريقيا أو من أصول تركية.
وأشار إلى أن التشريعات البلجيكية تحدد أسس التمييز المرتبط بالعنصرية، وتشمل العرق ولون البشرة والأصل الإثني أو القومي والنسب والجنسية، إلى جانب حالات أخرى ينظمها القانون.
وحذر أسيليو من أن بعض الممارسات في أماكن العمل يجري تقديمها على أنها مزاح، رغم أنها قد ترقى إلى التحرش، ومن ذلك التعليقات الساخرة المتعلقة بشعر الشخص أو أسرته أو دينه.
التعليم مدخل لمواجهة العنصرية
وأكد أسيليو أن مكافحة العنصرية تتطلب تعزيز التوعية منذ المراحل الدراسية الأولى، معتبراً أن المؤسسات التعليمية البلجيكية لا تشرح بالقدر الكافي أسباب العيش المشترك، ولا تعرّف الطلاب بما يجمعهم من تاريخ وتجارب رغم تنوع خلفياتهم القومية والدينية والثقافية.
وأشار إلى أن بلجيكا، ولا سيما العاصمة بروكسل، تضم مجتمعات متعددة الأصول والثقافات، وهو ما يمثل ثراءً للبلاد، لكنه يتطلب جهداً أكبر لترسيخ قيم المساواة واحترام الاختلاف.
وأوضح أن العنصرية لا تقتصر على الكراهية الشخصية أو الخلافات بين الأفراد، بل ترتبط، بحسب تعبيره، بـ"أيديولوجيا ترسخت عبر قرون من الأفكار والنصوص التي رسخت تصورات نمطية عن جماعات مختلفة".
وأضاف أن هذه الأفكار أسهمت في تكوين صور نمطية عن السود والعرب والبيض، وكرست تصورات عن تفوق فئات على أخرى، مشدداً على ضرورة مواجهة هذه الموروثات من خلال التعليم والتوعية في مختلف مجالات الحياة، وخصوصاً في أماكن العمل.
كما دعا إلى تعريف الأفراد بحقوقهم القانونية، موضحاً أن كثيرين لا يدركون أن التحرش العنصري محظور بموجب القانون، وقد يتعاملون معه باعتباره أمراً لا مفر منه.
وأكد أن معرفة الحقوق تتيح للمتضررين المطالبة بالحماية القانونية بدلاً من التسليم بالتمييز باعتباره جزءاً طبيعياً من حياتهم.
قضية تكشف التمييز بسبب لون البشرة والعمر
واستعرض أسيليو قضية امرأة تقدمت بطلب عمل في منطقة بروكسل خلال العام الماضي، وأرسلت سيرتها الذاتية ثم شاركت في مقابلة توظيف، قبل أن تتلقى عن طريق الخطأ رسالة إلكترونية داخلية من جهة العمل.
وأوضح أن الرسالة أشارت إلى أن أداء المرأة كان جيداً جداً، لكنها تضمنت في الوقت نفسه وصفاً لها بأنها "سوداء وكبيرة في السن"، ما دفعها إلى اللجوء إلى هيئة "أونيا".
وأضاف أن الهيئة اعتبرت المراسلات دليلاً في القضية، وطلبت توضيحات من جهة العمل، التي ردت بأن ما حدث كان خطأً، من دون تقديم معلومات إضافية.
وبعد ذلك، لجأت الهيئة والمرأة إلى القضاء، وتمكنتا، وفق أسيليو، من تحقيق سابقة في بلجيكا عبر كسب القضية على أساسين منفصلين للتمييز في دعوى واحدة، هما لون البشرة والعمر.
وأشار إلى أن المحكمة أقرت بتعرض المرأة للعنصرية والتمييز على أساس السن، ومنحتها تعويضاً عن كل من السببين، لافتاً إلى أن القضية حظيت باهتمام واسع في البلاد، وأن المرأة وافقت على التحدث إلى وسائل الإعلام بشأن تجربتها.
كما تحدث عن قضية الممثلة والكوميدية سيسيل جونغا، المنحدرة من أصول كونغولية، التي تعرضت لتعليقات عنصرية خلال عملها في التلفزيون، بينها اتصالات من أشخاص أعربوا عن رفضهم ظهور امرأة سوداء على الشاشة.
وقال إن الهيئة رفعت دعوى قضائية بالتعاون معها ضد أصحاب التعليقات العنصرية، وتمكنت من كسب القضية.
قضية الحجاب تفتح نقاشاً بشأن قواعد المؤسسات
وتطرق أسيليو إلى قضية طالبة في مؤسسة للتعليم العالي أرادت ارتداء الحجاب، وسط غموض بشأن القواعد المنظمة لذلك داخل المؤسسة.
وأوضح أن بعض العاملين رأوا أن الحجاب غير مسموح به، فيما اعتبر آخرون أن القواعد لا تتضمن نصاً واضحاً يحظره، ما استدعى توضيح المسألة.
وأضاف أن القضية انتهت لصالح الطالبة، وأصبح من حقها ارتداء الحجاب، كما عدلت المؤسسة قواعدها للسماح بذلك.
لكنه حذر من أن المطالبة بتوضيح القواعد لا تؤدي دائماً إلى نتائج مماثلة، إذ قد تدفع بعض المدارس أو أماكن العمل إلى فرض قيود أكثر تشدداً.
التمثيل السياسي مصدر إلهام للشباب من أصول تركية
وفي حديثه عن الجالية التركية في بلجيكا، أشار أسيليو إلى الحضور الملحوظ للأشخاص من أصول تركية في الحياة السياسية، ولا سيما في بروكسل، معتبراً أن وصولهم إلى مواقع سياسية على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية يوفر نماذج يحتذي بها الشباب.
وقال إن وجود سياسيين معروفين من أصول تركية يمثل مصدر إلهام للشباب البلجيكيين المنحدرين من هذه الجالية، مضيفاً أن تعزيز التمثيل والمشاركة في الحياة العامة يشكل جزءاً من الجهود اللازمة لمواجهة التمييز.
واختتم أسيليو بالتأكيد على أهمية الجمع بين مكافحة العنصرية، والتعريف بالحقوق القانونية، وتوسيع فرص المشاركة والتمثيل، بما يسهم في بناء مجتمع يشعر أفراده بالاحترام والانتماء، ويتمتعون فيه بفرص أكثر مساواة في العمل والحياة العامة.




















