آراء
سياسة
8 دقيقة قراءة
استراتيجية فرنسا الجديدة في إفريقيا.. رؤية مختلفة أم إعلان هزيمة؟
تأتي الخطط الفرنسية الجديدة في خضم تحولات كبيرة تشهدها علاقات باريس بمجموعة من الدول الإفريقية، وما يصفه العديد من المراقبين "بانهيار نفوذ فرنسا في مناطق عُدت تقليدياً من حدائقها الخلفية كالساحل الإفريقي"، في مقابل صعود متنامٍ لأدوار دول منافسة.
استراتيجية فرنسا الجديدة في إفريقيا.. رؤية مختلفة أم إعلان هزيمة؟
#KPD00 : Visite du président français Emmanuel Macron / صورة: AFP / AFP

قبل انطلاقه في جولة إفريقية أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخطوط العريضة لاستراتيجية بلاده الجديدة تجاه القارة السمراء في مؤتمر صحفي عُقد بقصر الإليزيه في 27 فبراير/شباط الماضي.

وتمثل الاستراتيجية الجديدة مراجعات لرؤية باريس المتعلقة بكيفية إدارة علاقاتها مع إفريقيا، حيث دعا ماكرون في خطابه إلى "التحلي بالتواضع" وإلى ضرورة "بناء علاقة جديدة ومتوازنة ومسؤولة مع دول القارة الإفريقية"، ومعلناً انتهاء "عصر فرنسا الإفريقية".

ماذا وراء استراتيجية ماكرون الجديدة؟

تأتي الخطط الفرنسية الجديدة في خضم تحولات كبيرة تشهدها علاقات باريس بمجموعة من الدول الإفريقية، وما يصفه العديد من المراقبين "بانهيار نفوذ فرنسا في مناطق عُدت تقليدياً من حدائقها الخلفية كالساحل الإفريقي"، في مقابل صعود متنامٍ لأدوار دول منافسة كروسيا والصين وتركيا.

وفي هذا الصدد يرى البروفيسور بوحنية قوي، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة ورقلة الجزائرية أن "تصريحات ماكرون تأتي في سياق عام مرتبط بالتطورات في القارة الإفريقية وفي سياق الصراع بين اللوبيات في فرنسا"، مضيفاً في تصريح لـTRT عربي "لاحظنا أن هناك صراعاً خفياً ظهر في مجموعة من السلوكيات التي ميزت الإليزيه وميزت أيضاً أجهزة الاستخبارات وأداءها في فرنسا".

تهاوت جاذبية فرنسا في أعين الأفارقة وذلك أمام فشلها في جلب الاستقرار لمناطق انتشارها بالقارة

- نبيل زكاوي

ووفقاً لقوي،"فإن السياسة الخارجية الفرنسية الآن تتخبط يميناً وشمالاً، وهي متناقضة بين أكثر من رؤية"، موضحاً أن ثمة رؤية كولونيالية سابقة تعتقد بأن السياسة الخارجية الإفريقية ملحقة وتابعة لفرنسا.

في حين يرى الأستاذ الباحث في الدراسات السياسية والدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس المغربية، الدكتور نبيل زكاوي أن المحركات الرئيسية الكامنة وراء إطلاق باريس لهذه الاستراتيجية تتمثل في مجموعة من الدوافع، منها " نزيف النفوذ الفرنسي أمام الممانعة الداخلية للدول الإفريقية، حيث تهاوت جاذبية فرنسا في أعين الأفارقة وذلك أمام فشلها في جلب الاستقرار لمناطق انتشارها بالقارة"، مبيناً أن هذا كان ممَّا "فرض على فرنسا الانسحاب من مجموعة من المواقع تحت ضغط المعارضة المحلية الرسمية وغير الرسمية".

ويضيف زكاوي أن دخول قوى جديدة على الساحة الإفريقية أدى إلى مزاحمة فرنسا في مناطق نفوذها التقليدية، حيث عقدت الدول الإفريقية شراكات مع قوى بديلة لباريس سواء أكانت "شراكات أمنية كما مع روسيا، أو اقتصادية كما مع الصين".

وبالنظر إلى ما سبق يذهب الدكتور زكاوي في تصريحه لـTRT عربي إلى أن استراتيجية باريس الجديدة تمثل "رغبة فرنسا في استعادة صورة القوة العظمى المرتبطة بنفوذها في القارة الإفريقية، فهذا هو ما يغذي القوة الرمزية الفرنسية أو رأسمالها الاجتماعي كأساس للمكانة في المجتمع الدولي".

وخلال السنوات الأخيرة تعرض النفوذ الفرنسي في إفريقيا لتحديات كبيرة، حيث خرجت المظاهرات المنددة بفرنسا في شوارع مدن كباماكو وإنجامينا وواغادوغو، وتجاوز السخط الشعبي الشارع الإفريقي إلى النخب مع بروز جيل جديد من العسكريين الذين تولوا مقاليد الحكم في مالي وبوركينا فاسو وغيرهما وقوضوا الوجود العسكري الفرنسي في بلادهم، في أكبر تهديد واجهته باريس لمعاقل نفوذها التقليدية في القارة الإفريقية.

هل هي خمر قديمة في أوعية جديدة؟

"يمكن وصف هذه الاستراتيجية بأنها خطوة أولى للقطع مع سياسة "فرنسا إفريقيا" وفق ما عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أثناء أول زيارة له إلى إفريقيا عقب الإعلان عن الاستراتيجية"، هكذا أجاب الباحث المهتم بالشأن الإفريقي سيدي ولد عبد المالك عن سؤال TRT عربي حول ملامح الرؤى الفرنسية الجديدة.

من جانبه يذهب الدكتور نبيل زكاوي إلى أن "استبدال استراتيجة بأخرى لا يشكِّل فعلاً انفصالاً حاسماً عمَّا سبق، ما دام لن يسمح بتلاشي العادات الاستعمارية القديمة في ظل استمرار المصالح الفرنسية في إفريقيا".

ومن خلال وصفها بأنها "استراتيجية قديمة متجددة" يمضي زكاوي إلى القول إنها من حيث "جوهرها هي إعادة التموقع في إفريقيا وذلك بإعادة تدوير النزعة الانخراطية في شؤون القارة، وإعادة هيكلة العلاقة الإمبراطورية بين القوة الاستعمارية الفرنسية ومستعمراتها السابقة في إفريقيا".

أما عن الخطوط المميزة لاستراتيجية ماكرون الجديدة فيعتقد زكاوي في تصريحه لـTRT عربي أن من أهمها "إعادة النظر في التأثير العسكري لتدخلات فرنسا في إفريقيا من خلال التخطيط لتفكيك قواعدها العسكرية الدائمة على أراضي القارة، وإعادة انتشار عناصرها وإبقائها في الحد الأدنى لمهمات التدريب العسكري".

وهو ما يوافقه فيه الباحث الموريتاني سيدي ولد عبد المالك موضحاً أن هناك محاولة لتأسيس "منطق شراكة جديدة يقوم على الحد من الغبن في مجال الاقتصاد والتجارة البينية"، واستشهد في ذلك بدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشركات بلاده العاملة في إفريقيا إلى "تبني منطق شراكة جديد قائم على احترام الالتزامات في مجال الشراكة، ويعزز فرص استفادة القارة السمراء من تدخل هذه الشركات".

إعلان هزيمة أم استراتيجية جديدة؟

احتلت التطورات المتتابعة في القارة الإفريقية ودور فرنسا فيها مكانة هامة في أجندة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قام خلال سنوات حكمه بثماني عشرة زيارة إلى دول إفريقية، في حين تكشف رؤيته المعلن عنها مؤخراً إصرار باريس على أن ترمي بثقلها الدبلوماسي في مواجهة التحديات التي تعصف بنفوذها في إفريقيا.

استبدال استراتيجة بأخرى لا يشكِّل فعلاً انفصالاً حاسماً عمَّا سبق، ما دام لن يسمح بتلاشي العادات الاستعمارية القديمة في ظل استمرار المصالح الفرنسية في إفريقيا

- نبيل زكاوي

وحول قراءته للخطط الفرنسية الجديدة استدل البروفيسور بوحنية قوي بتغير المزاج الإفريقي خلال الأعوام الأخيرة وصولاً إلى الرفض الرسمي والشعبي الإفريقي للوجود الفرنسي، ليستنتج أن "تصريحات الرئيس الفرنسي أو ما أسماها سياسة جديدة تجاه إفريقيا هي عبارة عن مُخرَج من مخرجات ما جناه من خلال تخبطه يميناً ويساراً خلال فترة حكمه، والتي يمكن أن تصنف ضمن فشل التعامل مع مختلف الملفات بخاصة مع الملف الإفريقي".

ويؤكد أن هذه الاستراتيجية إعلان عن "تراجع في الدور الفرنسي في إفريقيا وعن انسحاب لصالح قوى جديدة صاعدة".

من جانبه يذهب الدكتور زكاوي إلى أن الرؤية الفرنسية الجديدة هي "استراتيجية تحاول التكيف مع الظروف الحالية التي تجتازها إفريقيا"، مضيفاً أنها "استجابة لسلسلة التطورات التي أدت إلى ركوع الإدارة الفرنسية أمام محدودية الخيارات المتاحة لها من أجل إبقاء القارة الإفريقية تحت التأثير الفرنسي، وبالأخص الحفاظ على موطئ قدم مهيمن في المجال الفرونكفوني منها".

وماذا عن مستقبلها؟

وفي رؤيته للمستقبل المتوقع لهذه الاستراتيجية يتوقع سيدي ولد عبد المالك أن لا يكون لها تأثير على الحراك الرافض لفرنسا في القارة، مُرجعاً ذلك إلى أن مستوى تنازلات فرنسا لا يزال ضعيفاً.

ويمضي الباحث الموريتاني في شرح قراءته قائلاً في تصريحه لـTRT عربي إن "فرنسا تعتبر من القوى الاستعمارية التي لا تزال ترفض الاعتذار الصريح عن الحقبة الاستعمارية، وترفض التعويضات لصالح ضحايا هذه الحقبة".

أما على المستوى السياسي، ووفقاً لولد عبد المالك، فإن مسار "تعاطيها مع الإشكال السياسي والديمقراطي في إفريقيا لا يزال يطبعه الكثير من الالتباس وازدواجية المعايير".

ويضيف موضحاً أنه "في الوقت الذي تتطلع فيه الأفارقة إلى أنظمة حكم ديمقراطي تضمن الاستقرار والتناوب، تشجع فرنسا الأنظمة السياسية الموالية لها على خرق الدساتير المتعلقة بتحديد المأموريات، هذا بالإضافة إلى سياسات الهجرة الداخلية التي باتت تضيق ذرعاً بالمهاجرين القادمين من إفريقيا".

من جانبه يرى الدكتور نبيل زكاوي أن هذه الاستراتيجية "قد تفلح في ترميم جزئي لتآكل نفوذ فرنسا في إفريقيا وتمكينها من مواصلة دورها المركزي في القارة".

ويكمل زكاوي مؤكداً "أن مردود هذه الاستراتيجية لن يتيح لها استعادة تأثيرها في القارة بالزخم المعهود، وذلك أمام واقع كونها لم تعد اللاعب الرئيسي على المسرح الإفريقي، كما لن تمكنها من مضاهاة أو احتواء النفوذ الأجنبي المتعاظم بالقارة".

وبالتالي يخلص زكاوي في تصريحه لـTRT عربي إلى أنها "لن يكون بمقدورها إحداث فرق ملحوظ في مناطق ضخمة من قارة مضطربة".

مصدر:TRT عربي
اكتشف
الحجاج يبيتون بمزدلفة عشية رمي الجمرة الكبرى بعد أداء الركن الأعظم
واشنطن تؤكد إجبار 108 سفن على تغيير مسارها ضمن إجراءات حصار إيران
بزشكيان لأمير قطر: إيران مستعدة لاتفاق مشرّف لإنهاء الحرب والتوترات بالمنطقة
إيران تعلن إسقاط مسيّرة أمريكية فوق الخليج وتتوعد بالرد على “انتهاكات” واشنطن
عشية عيد الأضحى.. شهداء وجرحى بغارات إسرائيلية على غزة وحصيلة الإبادة في ارتفاع
أردوغان: تركيا واحة استقرار رغم أزمات المنطقة ونجني ثمار سياساتنا منذ 23 عاماً
خامنئي: شعوب المنطقة وأراضيها لن تبقى معاقل للقواعد الأمريكية بعد اليوم
ارتفاع عدد قتلى غارات مشغرة شرقي لبنان إلى 12 وسط تصعيد إسرائيلي متواصل
زلزال بقوة 6.9 درجة يضرب شمالي تشيلي بلا خسائر أو تحذيرات من تسونامي
وسط أجواء من الخشوع والسكينة.. الحجاج يتوافدون إلى صعيد عرفات لأداء ركن الحج الأعظم
تراجع سعر النفط الخام الأمريكي بأكثر من 5% بعد ضربات جديدة ضد مواقع إيرانية
إسرائيل توسّع هجماتها على لبنان وتفرض قيوداً في الجليل وسط تصعيد متبادل مع حزب الله
رغم الضربات الأمريكية.. روبيو: التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يزال ممكناً وهرمز يجب أن يظل مفتوحاً
جدل متواصل حول وضعه الصحي.. نتنياهو يجري فحوصات طبية في مستشفى "هداسا"
إعلام إيراني يؤكد وقوع انفجارات في بندر عباس وواشنطن تتحدث عن قصف قوارب ومنصات صواريخ