تكثف القوات الأوكرانية، خلال الشهور الأخيرة، هجومها على القرم. آخرها كان هجوماً باستخدام المسيّرات طال قاعدة تدريب تابعة للبحرية الروسية قرب مدينة سيمفيروبول، وإنزال بحري لقوات كوماندوس بالساحل الغربي لشبه الجزيرة أسفر عن تدمير منظومة دفاع جوي S-400 روسية.
ويؤشر هذا النهج إلى تحول في العقيدة العسكرية الأوكرانية إزاء استهداف الأهداف الروسية في القرم، بعد أن جهدت لتفادي ذلك طوال الأشهر الأولى من الحرب. بيد أن هذا التحول يطرح أسئلة حول جدوى تكثيف هذه الهجمات، كما عن أهدافها الاستراتيجية والسياسية.
ضرْب منشآت ورفْع العَلم الأوكراني
أعلنت وكالة الاستخبارات العامة الأوكرانية، الخميس، أن قوات كوماندوس تابعة لها قامت بعملية نوعية في شبه جزيرة القرم. إذ جرى إنزال أفراد الفرقة على الساحل الغربي لشبه الجزيرة، قرب بلدتي أولينيفكا ومايك، حيث "اشتبكت " القوات الأوكرانية "مع العدو".
وذكر بيان الوكالة الأوكرانية أن العملية أسفرت عن "تكبيد العدو خسائر في صفوف أفراده، وتدمير معداته"، كما "رُفع علمنا الوطني خفّاقاً مرة أخرى فوق أراضي القرم". وأضاف أنه منظومة دفاع جوي روسية S-400 كانت مرابطة في شبه الجزيرة دمِّرت، ما مثَّل "ضربة موجعة لدفاعات العدو".
وبعد هذا الإعلان بساعات قليلة، شن الجيش الأوكراني "هجوماً واسعاً" باستخدام المسيّرات على قاعدة تدريب تابعة للبحرية الروسية قرب مدينة سيمفيروبول في القرم. وحسب عمدة ميليتوبول الموالي لروسيا، فقد جُرح 300 جندي روسي خلال هذا الهجوم ونُقلوا إلى المشفى.
كانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت، فجر الجمعة، أنها أسقطت 42 مسيّرة أوكرانيّة في القرم، متحدّثة عن هجوم هو "الأوسع منذ شهور" على شبه الجزيرة التي ضمّتها موسكو عام 2014.
وكثفت أوكرانيا خلال الأسابيع الأخيرة من استهدافها الأهداف الروسية في القرم. وفي 22 يوليو/تموز المنصرم، شنّت هجوماً بالمسيّرات على مخزن ذخيرة في مقاطعة كراسنوغفارديسكي، ما أدى إلى انفجاره، ودفع السلطات إلى إجلاء السكان ضمن نطاق 5 كلم، وتعليق حركة السكك الحديد، وفق ما أعلن حاكم شبه الجزيرة.
أتى ذلك الهجوم بعد أربعة أيام فقط من استهداف جسر كيرتش الاستراتيجي، الذي يربط البر الروسي بشبه الجزيرة، وهو ما أسفر عن سقوط قتيلين وتعطيل حركة السير على الجسر. واعترفت كييف بذلك الهجوم في منشور لوزير التحول الرقمي في الحكومة الأوكرانية ميخايلو فيدوروف، تحدث فيه عن مسيّرات بحرية أوكرانية قرب الجسر.
وقبل هذا، في 16 يوليو، استهدفت القوات الأوكرانية باستخدام طائرات مسيّرة عدة مواقع في شبه جزيرة القرم. ووفق ما أعلنه ميخائيل رزفوزاييف، حاكم القرم الموالي لروسيا، نجحت الدفاعات الجوية وأسطول البحر الأسود الروسيين في صد 6 مسيّرات جوية وتدمير قاربين مسيّرين في مياه شبه الجزيرة.
ماذا يعني تكثيف كييف هجماتها على القرم؟
بالموازاة مع تكثيف أوكرانيا هجماتها على القرم، عمد المسؤولون الأوكرانيون مؤخراً إلى التصريح بنيّة البلاد استرداد شبه الجزيرة. بعد أن كان هذا المطلب أحد تابوهات النزاع العسكري خلال الشهور الأولى من اندلاعه، بل سبق أن أعرب الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، في لقاء صحفي مع قناة "ABC News" الأمريكية في شهر مارس/آذار 2022، عن انفتاحه على التفاوض بشأن شبه الجزيرة.
وفي فبراير/شباط الماضي، كشف الرئيس الأوكراني عن بدء استعدادات وخطوات عسكرية وإرسال مقاتليه للتدريب في الخارج على السيطرة على شبه الجزيرة. وقال زيلينسكي: "هناك خطوات عسكرية تُتخذ ونستعد لها. نحن جاهزون عقلياً. نجهّز فنياً السلاح والقوات ونشكّل الألوية ووحدات هجومية بمختلف أنواعها، ونرسل أشخاصاً للتدريب ليس فقط في أوكرانيا، كما تعلمون، ولكن أيضًا في بلدان أخرى".
وحسب ماثيو كروينغ، نائب رئيس معهد "مجلس الأطلسي" للدراسات السياسية، فإنه "أمر جيد أن يهاجم الأوكرانيون الأراضي التي تعدها موسكو جزءاً من روسيا. إذ لم يكن من المنطقي على الإطلاق أن يمتنع الأوكرانيون عن ضرب القوة العسكرية الروسية في روسيا فيما كانت روسيا تهاجم أوكرانيا بنشاط".
ويضيف الباحث أن "هذا الأمر إيجابي أيضاً بالنسبة إلى المجهود الحربي الغربي. وحسبما ورد، فقد الروس ثماني طائرات على الأقل. ولن يكون من السهل على روسيا استبدال هذا القدر الكبير من المعدات العسكرية في أي وقت قريب".
وعلى الأرض، أوضح تقرير لشبكة "CNN"، أن الغرض من تكثيف كييف هذه الضربات هو تعطيل القدرات اللوجيستية والدفاعية للقوات الروسية، التي تَتخذ القرم قاعدة في هجومها على الأراضي الأوكرانية. وحسب مصدر أوكراني مطلع على الاستراتيجية، فبالنسبة لأوكرانيا تعد هذه الهجمات جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيتها الهجومية المضادة، التي تهدف إلى محاولة عزل شبه جزيرة القرم وجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى روسيا لمواصلة عملياتها العسكرية في البر الرئيسي الأوكراني.
غير أن نفس التقرير أشار إلى تشكك في أوساط المسؤولين العسكريين الأمريكيين إزاء هذه الاستراتيجية، ونقلت الشبكة عن مسؤول كبير في وزارة البنتاغون، قوله إن هذه الضربات "أفقدت روسيا توازنها بعض الشيء، لكنها لم تفعل أي شيء حاسم (...) وربما يكون من الأفضل للجميع أن يركزوا فقط على الهجوم المضاد".



















