أضحت تركيا في السنوات الأخيرة وجهة تجذب الكثير من الطلاب المغاربة وأولياء أمورهم، لاستكمال دراساتهم في الجامعات والمعاهد التركية الحكومية والخاصة، بعدما كان المغاربة يفضّلون سابقاً فرنسا أو روسيا وأوكرانيا قبل الأزمة الأخيرة.
وتعدّ تركيا من البلدان التي توضع خياراً أساسياً للطالبات والطلبة في المغرب، سواء بعد حصولهم على شهادة البكالوريا (شهادة الثانوية العامة)، أو بعد حصولهم على شهادة الإجازة (البكالوريوس)، للسفر بغرض الدراسة العليا خارج المملكة.
ويبحث الطلاب في تركيا عن تكوينات أكاديمية ومعرفية جيّدة، مع وضعية عيش تناسب القدرات المالية لأسرهم وأوليائهم؛ وهو ما توفره الجامعات والمعاهد العليا التركية، التي تستقطب عدداً متزايداً من الطلبة المغاربة سنة بعد أخرى.
كما أنّ العلاقات الجيدة المتبادلة بين أنقرة والرباط، تُشجّع الطلبة والطالبات المغاربة على خوض تجربة الدراسة في تركيا، خصوصاً أنّ الطلاب المغاربة، وحتى أولياء أمورهم، يستطيعون دخول تركيا دون الحاجة لتأشيرة لمدة 90 يوماً.
منح مُحفّزة
في عام 2021 التحقت الطالبة المغربية حنان داعلي بجامعة إسطنبول الحكومية لاستكمال دراستها العليا في مجال الصحافة والإعلام، مباشرةً بعد حصولها على شهادة الإجازة (البكالوريوس) في الصحافة والإعلام من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط (حكومي).
وتقول داعلي في حديثها مع TRT عربي، إنّه بعد حصولها على منحة من الحكومة التركية، اختارت مواصلة دراستها في سلك الماجستير بجامعة إسطنبول بتركيا، لكونها "من أعرق الجامعات التركية وأرقاها، وتأتي غالباً في المراتب الأولى على المستوى التركي، وتُصنّف من بين أفضل 500 جامعة في العالم بأسره".
وتضيف أنّ "ما حفّزها على الدراسة في تركيا على المستوى الثقافي، هو التقارب الثقافي بين تركيا والمغرب بحكم الدين الإسلامي المشترك بين البلدين، علاوةً على أنّ تركيا دولة لها طابع سياحي مهمّ تجمع ثقافات وجنسيات مختلفة من العالم، الشيء الذي يمنح الشباب مثلي تجربة متميزة".
وتشير الطالبة المغربية بإسطنبول إلى أنّ "التعليم عموماً يتميز بجودته في أي جامعة حكومية في تركيا، وأنّ الدراسة لا تقتصر على ما هو نظري فقط بل ترتكز أيضاً على التطبيقي بشكل كبير"، لافتةً إلى أنّ "منح الحكومة التركية الجيّدة تُشجّع على استكمال الدراسة هنا بالجامعات التركية".
والمنحة التركية التي يُفتح باب التسجيل بها عادة منذ 10 يناير/كانون الثاني من كل عام، تكون ممولة بالكامل من الحكومة التركية طوال سنوات الدراسة، وتشمل جميع التخصّصات الدراسية تقريباً، وتقدّم كثيراً من المميزات للطلاب الحاصلين عليها.
وتُخصّص هذه المنحة، بعد النظر في الطلبات اعتماداً على شروط ومعايير، رواتب شهرية للطلبة والطالبات حسب مجال الدراسة، إذ توفّر 1000 ليرة تركية (تقريباً 38 دولاراً أمريكي) لطلاب الإجازة أو البكالوريوس، و1400 ليرة (تقريباً 53 دولاراً أمريكياً) لطلاب الماجستير، ثم 1800 ليرة (تقريباً 69 دولاراً أمريكياً) للطلبة المسجلين بسلك الدكتوراه.
تعليم جيّد وشهادات معترف بها
وتؤكد وكالات الاستشارة للدراسة خارج المغرب، أنّ الطلاب المغاربة يرغبون في الدراسة بتركيا للمزايا الكبيرة التي تُوفّرها الجامعات التركية الخاصة والحكومية؛ وعلى رأسها شهاداتها المعترف بها في المغرب والدول العربية خصوصاً، إضافةً إلى أنّها جامعات ومعاهد تتيح للطالب المغربي دراسة التخصّص الذي يريده بغضّ النظر عن معدل شهادته الثانوية.
وأفادت صاحبة وكالة استشارة تعليميّة في مدينة الصويرة (جنوب)، بشرى المكاوي، أنّ "أهمّ ما يتساءل عنه الآباء وأولياء أمور الطلّاب، هو الاعتراف بالشهادات ودبلومات التخرج من الجامعات التركية ومعادلتها في المغرب".
وتقول المكاوي في حديثها مع TRT عربي: "دورنا ترشيد وتوجيه الطالب إلى التخصصات الأكاديمية والتعليمية الموجودة في تركيا وآفاقها، علاوة على الاعتراف الأكاديمي بالدبلومات (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه) في تركيا والمغرب بعد التخرج".
وتوضح أنّ "الطلاب المغاربة يختارون استكمال دراساتهم في تركيا في عدة مجالات؛ منها أساساً طب الأسنان، والتمريض، والهندسة المدنية، ثمّ التجارة وإدارة الأعمال، وعلم النفس والإرشاد النفسي".
وتشدّد المستشارة التعليمية على أنّ "تركيا توفّر ظروفاً تجعل الطالبات والطلبة المغاربة يدرسون بجودة عالية على غرار الجامعات والمعاهد في الدول الأوروبية"، مشيرةً إلى أنّ "تكاليف المعيشة والدراسة تكون مناسبة لأولياء الأمور، مع تعدّد أنواع السكن الذي يستطيع الطالب اختياره".
مشروع استقطاب الطلاب الكبير
وتسعى تركيا لتحقيق عوامل جاذبة للطلاب الأجانب، خصوصاً في السنوات الأخيرة، من خلال تسهيلات مثل افتتاح جامعات تعتمد اللغة غير التركية، كالإنجليزية والعربية، علاوة على أنها جامعات تتوفر على كوادر أكاديمية وكفاءات عالية في مختلف المجالات، إضافةً إلى لوجيستيات متطورة.
وسجل رئيس جمعية الأندلس للعلم والتبادل الثقافي (أسّسها مغاربة في تركيا، وتهدف إلى نشر ثقافة العلم والمعرفة)، رضوان يوسفي، أن "الجامعات التركية منظّمة، ويدرّس بها أساتذة أكْفاء يلتزمون بالتدريس دون غيابات أو توقفات، زيادة على أنها تعتمد برامج إيراسموس (برنامج الاتحاد الأوروبي للتبادل التعليمي)، ولها تعاقدات مع دول أوروبية وغيرها".
ورأى يوسفي، في حديثه لـTRT عربي، أن "الطالب المغربي يعيش تجربة مميزة في أثناء استكمال دراسته في تركيا؛ إذ يعيش إلى جانب التكوين والتحصيل العلمي تجربة نُموّ بلد، ويشاهد كيف تتطور تركيا وتنمو".
وأضاف اليوسفي الذي يقيم في تركيا، أنه "منذ 2011 بدأنا نشهد تطوراً ملحوظاً في عدد الطلاب المغاربة القادمين إلى تركيا للدراسة".
ولفت رئيس جمعية الأندلس للعلم والتبادل الثقافي أن استقطاب الطلاب لاستكمال دراستهم في تركيا يرتبط بـ"سياسة البلد المدروسة في مجال الاستثمار بميزانيات ضخمة في التعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب سياسة الحكومة للترويج لتركيا في الخارج".
وأطلقت تركيا عام 1992 "مشروع الطلاب الكبير"، إذ بدأت لأول مرة اعتماد سياسات وخُططاً وتسهيلات لزيادة عدد الطلاب الأجانب في البلاد، ثم ازداد الاهتمام خلال العقد الأخير بعد تأسيس رئاسة شؤون أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى الحكومية (YTB) عام 2010.
وفي غياب أرقام رسمية حول عدد الطلاب المغاربة والعرب عموماً في تركيا، تسعى تركيا إلى زيادة عدد الطلاب الأجانب في جامعاتها بنهاية العام الجاري إلى 300 ألف طالب وطالبة، من خلال التعاون بين مجلس التعليم العالي ورئاسة شؤون أتراك المهجر والمجتمعات ذات القربى.



















