العالم
9 دقيقة قراءة
كانت تستعد للحرب الخاطئة.. كيف خدعت المقاومة الفلسطينية تكنولوجيا إسرائيل؟
مثّلت عملية "طوفان الأقصى" مفاجأة صادمة بالنسبة إلى الاحتلال، إذ نجحت المقاومة في خداع تكنولوجيات الرصد والاستخبارات الإسرائيلية واقتحام التحصينات التي نصبتها على حدود غزة. وهو ما يطرح أسئلة حول الوسائل التي استعملتها حماس لتحقيق هذا النصر الميداني.
كانت تستعد للحرب الخاطئة.. كيف خدعت المقاومة الفلسطينية تكنولوجيا إسرائيل؟
كيف خدعت المقاومة الفلسطينية تكنولوجيا إسرائيل؟ / Photo : Reuters / Others
10 أكتوبر 2023

تستمر عمليات التسلل التي تنفذها المقاومة الفلسطينية إلى داخل إسرائيل، لليوم الرابع على التوالي. وحتى فجر يوم الثلاثاء، دارت اشتباكات في منطقة قريبة من مستوطنة كفار سعد بغلاف غزة، بعد تسلل مقاومين لها، حسب ما نشرت الإذاعة الإسرائيلية. ولاحقاً نقل موقع "والا" عن مسؤول عسكري إسرائيلي، أن الجيش يجري تمشيطاً بحثاً عن عمليات تسلل أخرى في المنطقة.

وحسب رويترز، فإن عملية "طوفان الأقصى"، التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية السبت، تعد أسوأ اختراق لدفاعات إسرائيل منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، التي نجح خلالها الجيش المصري في اختراق خط برليف الدفاعي، وطرد القوات الإسرائيلية من سيناء.

وكان خط باليف سلسلة من التحصينات الدفاعية على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، يتقدمها ستار ترابي كبير بعلو يصل إلى 22 متراً، وهو ما يختلف عن جدار غزة المعزز بأحدث تكنولوجيات الرصد الدقيق والأنظمة الاستخبارية.

وخلال السنوات الأخيرة، دأبت إسرائيل على التباهي بمراقبتها المحكمة لغلاف غزة، اعتماداً على تكنولوجيتها الدقيقة المصنعة محلياً. ذلك قبل أن يفاجئ جنودَها هجوم المقاومة، والذي أحرج تلك الصناعة. وهو ما يطرح أسئلة حول الكيفية التي خدعت بها المقاومة تلك التحصينات الحدودية والقدرات الاستخبارية الإسرائيلية المتقدمة.

حدود فائقة التطور

خلال السنوات الأخيرة، صرفت إسرائيل ملايين الدولارات لتشييد جدار ذكي وتحصينات عسكرية مزودة بأحدث التكنولوجيات وأدقها، من أجل استباق وكبح أي تهديد عسكري بري من قطاع غزة. وبدأ بناء هذه الحواجز الحدودية، التي تمتد على طول 65 كيلومتراً، في عام 2016، واكتمل في 2021، بتكلفة قُدرت بنحو 3.5 مليار شيكل (1.11 مليار دولار).

وتتكون هذه الحواجز من جدار تحت الأرض مزود بأجهزة استشعار، وسياج فوق الأرض بارتفاع ستة أمتار، وحاجز في البحر مزود بمعدات مراقبة لكشف التوغلات من الماء. بالإضافة إلى أنظمة أسلحة يجري التحكم فيها عن بُعد، ومجموعة من أنظمة الرادار المزودة بكاميرات تغطي كامل أراضي قطاع غزة.

وسبق أن وصفته صحيفة "هاآرتس" بأنه: "نظام هندسي وتكنولوجي معقد، وهو الوحيد من نوعه في العالم". كما احتفى به وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها، بيني غانتز، قائلاً: "الجدار هو مشروع تكنولوجي وإبداعي ذو أهمية قصوى، ينتزع من حماس إحدى أهم القدرات التي حاولت تطويرها".

كما طورت إسرائيل، بمساعدة أمريكية، إحدى أقوى منظومات الدفاع الجوي، والتي أطلقت عليها اسم "القبة الحديدية"، وتستخدمها منذ عام 2011 في صد واعتراض القدرات الصاروخية للمقاومة الفلسطينية.

بل واستطاعت "القبة الحديدية" بذلك جذب انتباه الجيش الأمريكي لشرائها في عام 2019. إذ سبق وأعلن الجيش في بيان: "لقد أثبتت القبة الحديدية فاعليتها في القتال منذ 2011، وسيجري تقييمها وتجريبها كنظام متاح حالياً لحماية أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية المنتشرين ضد مجموعة واسعة من تهديدات النيران غير المباشرة والتهديدات الجوية".

ويُضاف إلى أنظمة الاستخبارات المتطورة ووسائل التجسس السيبراني التي تمتلكها الاستخبارات الإسرائيلية. وخلال السنوات الأخيرة أصبحت إسرائيل ثاني أكبر موطن لشركات الأمن السيبراني، وقبلها أمضت عقوداً في تطوير قدرات تجسس معقدة، امتدت عبر شبكات عميقة من الرصد، والمراقبة الشاملة، ومؤخراً، برامج تجسس يمكنها تحويل الهواتف المحمولة إلى أجهزة تنصت.

وعقب هزيمتها في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أسست إسرائيل الوحدة 8200 للاستخبارات العسكرية والتابعة للجيش الإسرائيلي. اليوم، تعد الوحدة 8200 أكبر قسم استخبارات عسكري في الجيش الإسرائيلي، على حد وصف "بلومبيرغ".

جواً وبحراً وبراً!

في فجر الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، سقطت كل هذه التحصينات والقدرات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية المتطورة أمام "طوفان الأقصى". وتمكنت المقاومة، عبر خطة محكمة جداً، "جرى الإعداد لها لسنوات" وفق ما صرحت به حماس، خداع الجيش الإسرائيلي بتكنولوجياته الدقيقة.

وبدأت المقاومة الهجوم بإنزال جوي نفذته فرقة "سرب الصقر" المظلية، التابعة لكتائب عز الدين القسام. واستُخدمت في الإنزال مظلات مزوّدة بمحرك طاقة وإمكانية تحكم تجعلها قابلة للانطلاق من الأرض، وتستطيع التحليق لثلاث ساعات.

وبالتزامن مع ذلك نفذت المقاومة رشقات صاروخية، كان الهدف منها، وفق محللين، إرباك أجهزة رادار القبة الحديدية وتشكيل غطاء لتسلل المظليين. ذلك لأن الرادارات الإسرائيلية ستركز على الصواريخ كتهديد ذي أولوية، وإغفال المظلات التي تحلق بسرعة أقل وعلى ارتفاعات منخفضة.

إضافة إلى هذا، وظفت المقاومة لأول مرة سلاح المُسيّرات الانتحارية، التي أطلقت عليها اسم "الزواري". وقالت صحيفة "هآرتس" العبرية، الاثنين، "إن حماس استخدمت طائرات مُسيّرة صغيرة الحجم ورخيصة الثمن نسبياً، "ونجحت بواسطتها في توجيه ضربة مدمرة إلى منظومات إسرائيلية متقدمة للغاية ويقدر ثمنها بملايين الدولارات".

وأضافت الصحيفة، أن حركة حماس استهدفت منظومة "يرى-يطلق النار" عبر إسقاط قنابل من طائرة مُسيّرة، مشيرة إلى أن هذه المنظومة تسمح للجنود بإطلاق النار عن بُعد من خلال ربط المنظومة بأبراج استطلاع متقدمة، والهدف منها هو الدفاع عن النقاط الحدودية ومنع التسلل. بعد ثوانٍ من بدء العملية جرى تعطيل هذه المنظومة"، كما "استخدمت المسيّرات لإعطاب دبابات إسرائيلية من طراز ميركافا التي تُعَدّ إحدى أكثر الدبابات تقدماً وتحصناً في العالم".

كما لفتت الصحيفة إلى أن منظومة "معطف الريح" الدفاعية الإسرائيلية لم تُفعَّل خلال الهجوم، "الأمر ليس مفاجئاً طبعاً لأن المنظومة أعدّت لاعتراض صواريخ مضادة للدروع لا قنابل تحملها طائرات مُسيّرة".

من ناحية أخرى، واعتماداً على عنصر المفاجأة، نجحت زوارق كتائب القسام في تنفيذ إنزال بحري داخل إسرائيل. وقالت حماس، في بلاغ لها، إنّ خمسة زوارق محمّلة بمقاتلي الكوماندوز البحري شاركت في معركة "طوفان الأقصى" منذ اللحظات الأولى، وتمكّنت من تنفيذ عملية ناجحة على شواطئ جنوب عسقلان، والسيطرة على مناطق عدة.

وبعد تحييد القوة النارية للجدار الحدودي، عمدت كتائب المقاومة إلى الدخول البري، معتمدة على جرافات لخلق ثغرات في الجدار، كذلك على سيارات رباعية الدفع سريعة تمكنها من كسب العامل الزمني إلى صالحها.

ورجحت رويترز، في تقرير لها، قدرة حماس على حشد آليات الاقتحام البري إلى "الطبيعة المكتظة بالسكان والمباني في غزة"، والتي "تساعد حماس على وضع معدات مثل الجرافات على مقربة كافية من الحدود المسيجة لاستخدامها بسرعة، دون استخدام الاتصالات التي يمكن للاستخبارات الإسرائيلية اختراقها والتنصت عليها".

خدعة استراتيجية؟

وعلى المستوى الاستخباري، استخدمت حماس تكتيكاً لإيهام إسرائيل بأنها ليست مستعدة لأي مواجهة في المدى القريب. ونقلت رويترز عن مصدر مقرب من حركة المقاومة الإسلامية قوله: "حماس أعطت إسرائيل انطباعاً بأنها غير مستعدة للقتال، وتمكنت من بناء صورة كاملة بأنها غير مستعدة لمغامرة عسكرية ضد إسرائيل".

وأضاف المصدر ذاته أن حماس "استخدمت تكتيكاً استخبارياً غير مسبوق لتضليل إسرائيل خلال الأشهر الماضية، من خلال إعطاء انطباع عام بأنها غير مستعدة للدخول في قتال أو مواجهة مع إسرائيل في أثناء التحضير لهذه العملية الضخمة"، كما بَنَت مستوطنة وهمية في غزة لتدريب المقاتلين "من المؤكد أن إسرائيل رأتهم، لكنهم كانوا مقتنعين بأن حماس لم تكن حريصة على الدخول في مواجهة".

وسعت إسرائيل في الآونة الأخيرة إلى محاولة التأثير على الغزيين، وذلك بمنحهم تصاريح للعمل داخلها. ونقلت رويترز عن متحدث آخر باسم الجيش الإسرائيلي: "اعتقدنا أن حقيقة مجيئهم للعمل وجلب الأموال إلى غزة ستخلق مستوى معيناً من الهدوء. كنا مخطئين! لقد خدعونا وجعلونا نعتقد أنهم يريدون المال".

وعلى المستوى الاستراتيجي، استغلت حماس الثقة العمياء للإسرائيليين في التكنولوجيا الدقيقة من أجل حماية حدودهم، والتي تفسرها الاستثمارات الكبيرة التي نفذتها وزارة الدفاع الإسرائيلية في هذا الصدد خلال السنوات الأخيرة. وهو ما أشارت إليه صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير أخير لها، ناقلة عن الباحث الأمني آفي جاغر، تأكيده أن الجيش الإسرائيلي "كان يستعد للحرب الخطأ".

وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أن القيادة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بدأت تعتقد بأن التهديدات الرئيسية للأمن لم تعد تتمثل في الاجتياحات البرية، مثل ما شهدته البلاد في الحروب السابقة مع الجيوش العربية، "بل في التهديدات غير التقليدية، من الصواريخ وهجمات مقاتلي الجماعات غير الحكومية، كحزب الله وحماس" وفق الباحث الإسرائيلي في الشؤون الأمنية.

وبالتالي، حسب الباحث في معهد "الدفاع عن الديموقراطية" الأمريكي مارك دوبويتز، فإن "سيناريو المفاجأة الاستراتيجية المتمثل في ضرب إسرائيل على حدودها الجنوبية، من خلال تسلل أكثر من 1000 من مقاتلي حماس، كان يمثل أولوية أقل في سيناريوهات التخطيط العليا للجيش الإسرائيلي".

مصدر:TRT عربي
اكتشف
وسط سعي لزيادة الإنفاق العسكري.. عجز إدارة ترمب عن تقدير تكلفة حرب إيران يثير جدلاً في الكونغرس
ترمب: نسعى لهدنة بين إسرائيل ولبنان.. ومحادثة مرتقبة بين الزعيمين الخميس
هل يمكن ترميم الثقة بين الخليج وإيران بعد الحرب؟
أردوغان يعزي ضحايا هجوم قهرمان مرعش ويؤكد أن التحقيقات جارية في الحادث
قتلى ومصابون بهجوم مسلح داخل مدرسة في قهرمان مرعش جنوبي تركيا
عقب حوادث استهدفت مدارس.. تركيا تحذر من نشر الذعر وتدعو لمواجهة الأخبار المضللة لحماية الأطفال
فيدان يبحث مع نظيريه المصري والعراقي العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية
ترمب: الصين تدعم فتح مضيق هرمز ووافقت على وقف إرسال الأسلحة إلى إيران
طهران تلوّح بمنع التجارة في 3 بحار وواشنطن تدّعي توقف التجارة الإيرانية إثر "الحصار البحري"
قورتولموش: نساء وأطفال غزة يدفعون ثمن جرائم بلغت حد الإبادة
الاحتلال يوسع الهدم ويعزز مواقعه في جنوب لبنان وينذر بإخلاء ما بعد نهر الزهراني
أردوغان يعلن بدء التنقيب في الصومال ويؤكد مساعي بلاده لخفض التوتر الإقليمي ودعم وقف إطلاق النار
عشرات الصواريخ من لبنان تدفع آلاف الإسرائيليين إلى الملاجئ شمال البلاد
غداة اجتماع واشنطن.. 13 قتيلاً و6 جرحى في 24 غارة إسرائيلية على جنوب لبنان
السودان يرفض مؤتمر برلين حوله ويصفه بـ"نهج وصاية" يتجاوز سيادته