في ظل هذه الظروف الكارثية التي تنهمر فيها ألوف الأطنان من القنابل والمقذوفات المتنوعة شديدة الانفجار على مواطني قطاع غزة، وتحوُّل الألوف منهم إلى أشلاء متناثرة، ودمار مدنهم العامرة، بقساوةٍ ووحشيةٍ قلّ نظيرهما في أقسى الحروب ضراوة.. تُثار تساؤلات كثيرة عن استخدام الطيران الحربي الإسرائيلي لقنابله القادرة على خرق الأعماق.
ومن المؤكد أنّ إستحداث قنبلة أو قنبرة أو مقذوفة جديدة بمواصفات متطورة تختلف عن سابقاتها، ليس بالشيء الهَيِّن الذي يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة.
القنبلة الخارقة للأعماق
رغم التطورات الهائلة التي طرأت على المتفجرات خلال القرن التاسع عشر، وعلى القنابل والصواريخ والمقذوفات ومنصات إطلاقها الأرضية والبحرية وإسقاطها من الطائرات طيلة القرن العشرين، إلا أنّ الاعتماد على القنابل الثقيلة المحشوة بخليط من المواد شديدة الإنفجار (H.E) ظلّ سائداً لتهديم المباني والمنشآت الأسمنتية الممزوجة مع المعادن والقضبان.
وحتى العقود الماضية، أُدخِلَت القنبلة الإختصاصية الخارقة للأعماق (BOMB BUNKER BUSTER) لدى القوات الجوية الأمريكية في عقد الثمانينيات، لتُستخدم للمرة الأولى في الحرب على العراق لإخراجه من الكويت عام 1991م.
ويتألف الطراز الأبسط من القنبلة الخارقة للأعماق، من غلاف (جدار) رقيق وخفيف الوزن من سبائك معدنية شديدة الصلابة، مثل كالكوبالت والنيكل، ويحتضن كمية ثقيلة من المواد شديدة الإنفجار، تختلط بمواد كيميائية تتفاعل سوية لإنتاج قوة تدميرية هائلة، ويُسمى الخارق منها للخرسانة (BLU) بقدرة خرق 3 أمتار بصاعق تأخيري، أما تسمية الخارق- المُسيّر منها (GBU).
وإمعاناً بشدة الإنفجار وعمق الخرق، فقد أُقحِمَ اليورانيوم المنضّب في حشو طرزها الأحدث، فأضحت ذات قدرة على إختراق 7 أمتار من الخرسانة المسلحة، و10 أمتار للأرض الإعتيادية الصلبة، وأعمق من ذلك عند تركيب محرك صاروخي دافع في مؤخرتها لمضاعفة السرعة بنسبة هائلة قُبَيلَ الإصطدام، حتى بلغت قدرة الإختراق القصوى 60 متراً في أعماق الأرض.
وحُمِّلَت الأنواع الأولى والثقيلة في جوف القاصفتَين الأمريكيتَين العملاقتَين (B-52) و(B-1)، وإلى جانبهما القاصفة المتوسطة (FB-111)، وذلك قبل تحميلها في القاصفة العملاقة الأحدث الشبح (B-2).
وكان لابدّ أن يأتي الدور على ضرورات تطوير قنبلة خارقة أخف وزناً وأصغر حجماً كي يمكن تعليقها أسفل بدن طائرة أصغر من تلك القاصفات، فأُنتقيت المقاتلة هجوم أرضي (F-15 إيكل) العلامة (E)، التي ما زالت تُعتبر العمود الفقري للقوة الجوية الأمريكية والمزودة بها الكثير من دول العالم، وأُضيفت إليها المقاتلة هجوم أرضي (F-16 فالكون) ذات الانتشار الأوسع، وقبل أن تتبعهما المقاتلة هجوم أرضي (F-18 هورنيت) المعتمدة بشكل خاص على متون 12 حاملة طائرات تمتلكها القوات البحرية الأمريكية.
إسرائيل والقنبلة الخارقة
لم تتأخر إسرائيل في هذا الشأن الذي يحقق لها الإبقاء على تفوقها النوعي المطرد في عموم الشرق الأوسط في مجالات التسليح على وجه الخصوص، فما إن علمت بهذه القنبلة وتأثيرها الملموس على نتائج الحرب على العراق وتدميره عن بكرة أبيه على يد الأمريكيين، حتى طلبتها سنة 2004 من ظهيرتها الممثَّلة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبواقع 100 قنبلة من طراز (GBU-28).
وربما تبعتها بعدد آخر من نوع (GBU-37) الأحدث والأعظم إيذاءً وخرقاً، والموجّه بالأقمار الصناعية وبأشعة الليزر، وذلك خلال حربها على لبنان عام 2006، وفعلاً بدأت قواتها الجوية بتسلّم دفعاتها الأولى عام 2009.
واستناداً لما استعرضناه، نتوصل إلى حقائق محددة مفادها، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لا تبخل مطلقاً بدعم إسرائيل بلا حدود، فطلباتها ورغباتها أوامر لا تُرد، والقنابل الخارقة للأعماق ليست أعزّ وأثمن من المقاتلة الشبح الأحدث (F-35) وما سبقتها.
ومنذ أواخر السبعينيات كانت القوة الجوية الإسرائيلية هي السباقة قبل كل العالم، في استحصالها المقاتلة هجوم أرضي (F-15 EAGLE) من بعد القوة الجوية للولايات المتحدة الأمريكية مباشرةً.
ولم تبقَ الـ(F-15) العلامة (A) بالخدمة على حالها، بل إنّ الشركة المنتجة لها "ماكدونل دوكلاص" ظلّت تُحدِّثها وتطوّرها كلّما رغبت إسرائيل وقتما تُختَرع تقنية فعالة أحدث تخدم الطيران الحربي، فغدت لدى إسرائيل (F-15) العلامة (E) المستحدثة والقادرة على حمل القنابل الخارقة للأعماق، وما ينطبق على (F-15) فقد اشتمل المقاتلة (F-16) كذلك.
إنّ امتلاك إسرائيل القنابل الخارقة للأعماق أمر منتهى منه ولا نستغربه، وكذلك المنصة الجاهزة على إطلاقها والممثَّلة بالطائرتَين المذكورتين.
هل استخدمت إسرائيل قنابل الأعماق؟
إلى هنا نأتي إلى صلب موضوع المقال، ونصارح أنفسنا وفقاً لوقائع وحقائق جليّة تطرَّقنا إليها، إذ إنّ أنفاق غزة ومخابئها غَدَت حقيقة لا يمكن نكرانها، وقادة حماس والجهاد الإسلامي يتبجّحون بها ويفتخرون من دون تبيان مكوناتها وتفاصيلها، ويتوعّدون إسرائيل بأنّ المجاهدين سوف يُذيقون الصهاينة الأمرّين.
إنّ إسرائيل أعلنتها حرباً ضروساً على قطاع غزة من دون استحياء ولا مراعاة للمواثيق الدولية، وتؤيدها ثلاثة أرباع دول العالم، وفي المقدمة ثلاث دول عظمى، إذن لا شيء يمنعها من استهداف الأعماق، بل ولا ما تحتها.
إنّ القنابل الخارقة للأعماق -رغم بشاعة نتائجها وآثارها- ليست محرَّمة دولياً بشكل مطلق، فلا مانع قانونياً أمام إسرائيل من استثمارها في حربها الحالية.
رغم متابعاتنا العَينية للقنوات الفضائية ومشاهداتنا هول الانفجارات المُريعة والانفلاقات المُرعبة، فإنّها لا تبرهن بالضرورة وبشكل قاطع على أنّ إسرائيل قد استخدمت قنابل خارقة للأعماق.
إنّ العمارات السكنية التي دمّرتها إسرائيل وكوّمتها على رؤوس أصحابها الغزاويين، قد شكّل ركامها عائقاً أمام الطيران الإسرائيلي لاستثمار قنابله الخارقة، التي ستنفجر عند اصطدامها بأي قطعة من تلك الركام، فيكون استخدامها من دون معنى ولا فائدة.
وملخص القول: أعتقد أنّ إسرائيل لو كانت قد استخدمت هذه القنابل وأمثالها في حربها الضروس على غزة، لكانت قد تبجّحت وافتخرت واستشعرت الزهو، ولم تكن قد تكتمت.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.















