يكافح المدنيون في مدينة غزة للحصول على المياه والطعام في مهمة باتت شبه مستحيلة مع استمرار الحرب الإسرائيلية المدمرة على القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وتشتد هذه الأزمة الإنسانية مع شُح المساعدات الأممية ومنع إدخالها عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.
وتخضع غزة وشمال القطاع لحصار خانق فَرَضه الجيش الإسرائيلي منذ توغله بريّاً من منطقة جحر الديك شرقاً باتجاه مفترق محررة نيتساريم على شارع صلاح الدين في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومنع حركة المواطنين على المفترق واقتصارها على النازحين باتجاه الجنوب.
"تعبتُ وأنا أبحث تحت القصف وبين ركام البيوت المدمَّرة، وخاطرتُ بنفسي من أجل أن أجد أي شيء قد يسدُّ جوع أهل البيت، خصوصاً ابنتي الصغيرة، وفي النهاية لم أجد إلا 3 حبّات من البسكويت"، بهذه الكلمات وصف الشاب حسونة إسكافي رحلة البحث عن الطعام في غزة.
نزوح إجباري
يقول الشاب حسونة إسكافي إن رحلة البحث عن الطعام والمياه في غزة أصبحت "مهمة شبه مستحيلة" بعدما قطعت إسرائيل إمدادات الغذاء والماء والكهرباء والوقود كافة عن القطاع مع بداية الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
أُجبر إسكافي وعائلته، التي تضم زوجته وابنته الرضيعة ووالدته وشقيقيه وعمته وعمه المُقعَد، على النزوح من حي الشجاعية بسبب الحرب بعدما رفضوا المغادرة رفقة نازحين آخرين إلا بعد تدمير الجيش الإسرائيلي مربعاً سكنيّاً قريباً من منزلهم.
يقول إسكافي لـTRT عربي: "خرجنا من المنزل تحت وابل من القصف الجوي العنيف سيراً على أقدامنا، حتى وصلنا إلى إحدى المدارس التي تؤوي آلاف النازحين من غزة والشمال".
ويقضي إسكافي وشقيقاه وقتاً طويلاً بحثاً عن الطعام والمياه في المدينة المحاصَرة التي عزلها جيش الاحتلال عن باقي مدن القطاع، واستهدف أسواقها الشعبية ومراكزها التجارية وآبار المياه فيها والمصانع ومخازن البضائع لتضييق الخناق على ساكنيها ودفعهم إلى النزوح.
ويشير إلى أنه يضطر إلى السير لمسافات طويلة وصولاً إلى بئر مياه تستطيع البلدية تشغيله لساعات محدودة حتى يتمكن من تعبئة 20 لتراً، ويشاركه في هذه المعاناة كثير من المواطنين الذين لا يزالون في غزة والشمال.
مهمة شاقة
بدوره، يقول رائد النجار، من سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة: "لم نعد نبحث عن الطحين، فالمهمة أصبحت مستحيلة، وإنْ توفر الطحين فلا غاز ولا حطب لطهيه أو خبزه".
ويوضح الشاب الثلاثيني أن "الجيش الإسرائيلي يحاصر مدرسة عوني الحرثاني التي نزح إليها مع عائلته المكونة من 7 أفراد".
ويضيف: "الوضع خطير جدّاً، ونحن محاصَرون داخل المدرسة منذ عدة أيام ولا نتمكن من الدخول أو الخروج بسبب كثافة النيران".
ويؤكد "وجود نقص في المياه والطعام داخل المدرسة وخارجها بسبب العزلة التي فرضها الجيش الإسرائيلي على شمال غزة ومنعه وصول المساعدات إليها إلا بكميات محدودة جدّاً، محذراً من ارتقاء شهداء في شمال غزة جوعاً وعطشاً".
ويبين النجار أن مهمة الحصول على المياه شاقة، وكانت تتطلب السير مسافة طويلة للتعبئة، وقد تتكرر أكثر من مرة يوميّاً لجمع أكبر كمية ممكنة للاستخدامات المختلفة للعائلة.
نقص حاد
يشير متحدث بلدية غزة، حسني مهنا، إلى إن تعداد سكان المدينة الأصليين والنازحين إليها من شمال القطاع يقدر بـ500 ألف نسمة، يعيشون في ظروف إنسانية وصحية وبيئية كارثية، نظراً لعدم توفر أبسط مقومات الحياة، وسط غارات متواصلة على مدار الساعة تمنع المواطنين من الحركة.
ويؤكد مهنا لـTRT عربي أن المدينة تعاني من نقص حاد في المواد الغذائية، خصوصاً أن المساعدات التي وصلت إلى غزة والشمال لا تلبي الاحتياجات الدُّنيا للمواطنين والناز حين في المدينة، وغالبيتها تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية من الدقيق والأرز والمعلبات.
ويتابع أن "الاحتلال استهدف الأسواق الشعبية والمراكز التجارية الكبرى في المدينة، حتى أصبح كل شيء في غزة كومة ركام، والشلل أصاب كل مفاصل الحياة بسبب العدوان والحصار".
وفي ما يتعلق بأزمة نقص المياه، يؤكد أن "البلدية لم تتسلّم منذ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أي لتر من الوقود، الأمر الذي فاقم الأزمات الإنسانية في مدينة غزة، ما اضطرها إلى وقف خدمات جمع النفايات وتشغيل محطات الصرف الصحي لتوفير كمية الوقود المحدودة لضمان استمرار عمل آبار المياه".
ويشير إلى "تدمير الجيش الإسرائيلي عدداً من آبار المياه في مدينة غزة، وتوقف عدد آخر منها نتيجة نفاد الوقود، ولم يتبق حاليّاً سوى 3 آبار تعمل لـ3 ساعات يوميّاً لضمان وصول المياه لسكان المدينة والنازحين إليها من شمال القطاع".
وتعتمد مدينة غزة على 3 مصادر للمياه، حسب مهنا، ومع اندلاع الحرب عطَّلت السلطات الإسرائيلية إمدادات المياه الواردة من شركة ميكروت الإسرائيلية، التي تمثل 40 بالمئة من الحاجة إلى المياه في القطاع، في إطار سياسة التضييق على المدنيين.
ويبين أن "الأوضاع الأمنية الصعبة وانقطاع الكهرباء عطلت المصدر الثاني للمياه عن الوصول إلى قطاع غزة، وهو المتمثل في محطة تحلية مياه البحر شمال غزة، التي تزود غزة بـ20 بالمئة من إجمالي الكمية التي تُضخ في الشبكات، ولم يتبق إلا المصدر الثالث، وهو آبار المياه التي أصبحت مهددة بالتوقف في أي لحظة".
ويحذر المسؤول الفلسطيني من تفاقم أزمة العطش والغذاء في غزة حال إصرار الجيش الإسرائيلي على عدم إدخال المساعدات الإغاثية والمواد الغذائية إلى غزة والشمال، وعدم تزويد البلديات بالوقود اللازم لتشغيل آبار المياه ومحطات الصرف الصحي وتشغيل الآليات لفتح الشوارع المغلقة بفعل القصف الإسرائيلي.
ويقول مناشداً: "المواطنون في غزة يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة وسط المخاطر المحدقة من نقص المياه والغذاء، ودخول فصل الشتاء والمنخفضات الجوية، وحاجة المواطنين إلى أغطية وملابس ووسائل تدفئة وغيرها كثير من المتطلبات الضرورية".
ويشنُّ الجيش الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حرباً مدمرة على غزة خلفت، حتى مساء الاثنين، 18205 شهداء و49645 جريحاً، معظمهم أطفال ونساء، ودماراً هائلاً في البنية التحتية و"كارثة إنسانية غير مسبوقة"، حسب مصادر رسمية فلسطينية.










