استمرار أوروبا في دعم السياسات الإسرائيلية منذ منتصف القرن العشرين حتى اليوم، والتزامها الصمت تجاه ممارسات إسرائيل رغم انتهاكها القانون الدولي وحقوق الإنسان، طرح تساؤلات عديدة حول دوافع وغايات هذه المواقف.
في هذا التقرير، نسلّط الضوء على الدعم الغربي لإسرائيل، وترصد الظروف السيئة التي عاشها اليهود على مر التاريخ، بخاصة في أوروبا.
معاداة السامية في أوروبا
كانت أوروبا في العصور الوسطى تفرض قيوداً على تخصّص اليهود في بعض المجالات والمهن، وتحرمهم التعليم الجامعي والعمل في قطاعات الحكومة، وتفرض عليهم الإقامة في مناطق محدّدة.
هذه الفترة التي سادت فيها الضغوط والأحكام المسبقة، اختار اليهود فيها "الصبر على العيش في المهجر" انطلاقاً من معتقدهم حول العودة إلى "صهيون".
ورغم أن "الصهيونية" تشكّل الجزء الأكبر من الحياة الدينية لليهود، لم يكن لها هيكل تنظيمي حتى أواخر القرن الـ19.
التنافس بين المسيحية واليهودية شكّل الأسس الأولى لظاهرة معاداة اليهود، وما أدّى إلى تنافس الديانتين هو سيادة المسيحية مكان الموسوية.
وكان رفض اليهود لعيسى (عليه السلام) يُعتبر أكبر تهديد يواجه منظومة العقيدة المسيحية.
تعرّض اليهود لعديد من القيود في أوروبا بالعصور الوسطى. ومع إعلان المسيحية معتقداً رسمياً للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، لجأت الكنيسة إلى تقييد أنشطة اليهود تدريجياً.
وبحلول القرن السادس لم يعد يُسمح لليهود بتوظيف العمال المسيحيين لديهم.
في القرن الـ13 بدأ اليهود تجنّب الدخول في جدل ونقاشات دينية مع المسيحيين، وشهدت فرنسا حرق عديد من كتب اليهود المقدسة في أماكن عامة.
كذلك تعرّض اليهود حتى القرن الـ16 لعمليات تهجير في دول أوروبية عديدة، منها بريطانيا عام 1291، وفرنسا عام 1394، وإسبانيا عام 1492.
وخلال اجتماع "مجمع لاتران" الرابع عام 1215، قرّر مسؤولو الكنيسة حظر منح اليهود مناصب ووظائف في المؤسسات الحكومية والجيش، مشترطين عليهم ارتداء القبعة ووضع الشارة اليهودية.
وشهد اجتماع "مجمع بازل" عام 1434، قراراً بإضفاء العالمية على الزي اليهودي الخاص.
في حلول عام 1555، أقر البابا بولس الرابع في أول خطوة رسمية، إجبار اليهود على العيش في مناطق وشوارع وأزقة محددة، رغم وجود نماذج قبلها في أنحاء مختلفة من أوروبا.
الدولة العثمانية وجهة لهجرة اليهود
عقب تعرّضهم للضغوط وسياسات التهجير في أوروبا، بدأ اليهود عام 1299 الهجرة إلى الدولة العثمانية، التي كانت في طور التوسع حينذاك، لتبدأ مدن عثمانية مثل إسطنبول وإزمير بجذب موجات الهجرة اليهودية.
وبينما كانت الظروف المعيشية سيئة في أحياء اليهود بأوروبا أواخر القرن الـ17، كانوا يتمتعون بحياة حرة وكريمة في الدولة العثمانية، التي باتت ملجأً لليهود، بخاصة ممن يعانون من الضغوط في أوروبا.
معاداة السامية في أوروبا الشرقية
انتشر في القرن الـ19 اضطهاد اليهود على نطاق واسع في روسيا وبولندا، وهما المركزان الرئيسيان للشتات اليهودي.
وارتُكبت مذابح ضد اليهود في الإمبراطورية الروسية، خاصة في عهدي ألكسندر الثالث (1881-1894) ونيكولاس الثاني (1894-1917)، بتشجيع من الحكومة.
وخلال هذه الفترات، حقّق عديد من الأحزاب التي تدافع عن معاداة السامية نجاحاً انتخابياً مبهراً في النمسا وفرنسا وألمانيا والمجر.
وبعد تعرضهم للقمع والإذلال، اختار عديد من يهود أوروبا الشرقية بدء حياة جديدة بالهجرة إلى الولايات المتحدة، أما الذين لم يتمكنوا من ذلك، أصبحت "الصهيونية" أملاً بديلاً لهم للهروب من الاضطهاد.
معاداة السامية تصبح إبادة جماعية
وصلت معاداة السامية المنتشرة في أوروبا، منذ سنوات، إلى ذروتها خلال عهد النازية في ألمانيا (1933-1945).
قُتل ملايين اليهود في أوروبا بشكل ممنهج أو تعرّضوا للعمل القسري والتعذيب في معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية.
وشنّ الزعيم النازي أدولف هتلر حملة لمصادرة ممتلكات اليهود وطردهم من وظائفهم في الأوساط الأكاديمية والقضاء والجيش والخدمة المدنية، وأُغلقت متاجرهم ودُمرت أماكن عبادتهم، وحُظر الزواج منهم.
بعد الحرب العالمية الأولى ونتيجة لمعاهدة فرساي (1919)، سُلبت معظم الحقوق السياسية لليهود، الذين أُعلنوا كبش فداء لكل السلبيات. وحُمّلوا مسؤولية التضخم والأزمة الاقتصادية في ألمانيا.
هل تسدّد أوروبا دين الشعور بالذنب؟
في أعقاب سياسات التمييز و"معاداة السامية" ضد اليهود في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، والإبادة الجماعية في الحرب العالمية الثانية، دعمت الدول الأوروبية هجرة اليهود إلى فلسطين لإقامة دولة إسرائيل.
تبنّت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فكرة توطين اليهود الباقين على قيد الحياة في فلسطين.
دائماً يُثار التساؤل عمّا إذا كان السبب الكامن وراء الموقف الأوروبي من سياسات إسرائيل وأفعالها بعد قيام دولتها، رغم أنها تشكّل جريمة حرب، هو "الشعور بالذنب" من الماضي.













