آراء
العالم
7 دقيقة قراءة
أصوات من رفح: وين نروح؟
نرى عائلات تنزح من رفح إلى أماكن أخرى، وفي الوقت نفسه أناس ينزحون من الأماكن الأخرى إلى رفح! هنا تكمن الحيرة العظمى، والأسئلة التي لا تنتهي، تجلس وحدك ولا تعرف كيف تتخذ قراراً جنونياً كهذا، هل نبقى لنموت هنا؟ أم ننزح لنموت هناك؟
أصوات من رفح: وين نروح؟
خيام النازحين في مدينة رفح التي تحولت إلى الملجأ الأخير للفلسطينيين في غزة / صورة: Reuters / Reuters
26 فبراير 2024

منذ بداية الحرب والجميع هنا يسأل السؤال نفسه: "وين نروح؟"، الاحتلال أمر كل الناس بالنزوح إلى الأماكن الآمنة، وهي وسط وجنوب قطاع غزة، رفح وخان يونس ودير البلح والنصيرات، ومنذ أن كنا موجودين في الشمال وأنا غير مقتنعة بهذه الفكرة، وقلت للجميع من قبل: منذ متى يأمن الإنسان عدوّه؟! يأمرنا بأن نذهب إلى المناطق الجنوبية لننجو من الموت، وهل نجاتنا تهمّه؟

بقينا في الشمال لمدة 50 يوماً مع القصف المستمر بطريقة مرعبة، كنا وقتها نشتهي النوم ولا نستطيع أن نغفو لشدة الغارات، بقينا من دون اتصال ومن دون إنترنت ومن دون أخبار، وإذا استطعنا الاتصال بأحد من الجنوب فإنهم كانوا يخبروننا بأن الوضع هادئ لديهم وشدة القصف أقل نوعاً ما.

بدأ الجيران بالنزوح شيئاً فشيئاً حتى لم يبقَ أحد من أقاربنا في الشمال، ذهبوا جميعهم جنوباً، وبقينا وحدنا متمسكين بالشمال. الحيرة يومها أهلكت والدي، ولأول مرة أشعر أنه غير قادر على اتخاذ قرار! كنت كلما جلست معه يقول كلمتين لا ثالث لهما: "وين نروح؟!"، وأنا أفكر بصمت بجانبه، إلى أين نذهب من ذاكرتنا وتفاصيل حياتنا؟ إلى أين نذهب من بيوتنا وشوارعنا؟ إلى أين نذهب من هذا كله؟ وهل إذا تركنا كل هذا خلفنا سننجو حقاً؟ كانت هذه الأسئلة المتكررة تحفر في ذهن كل شخص منا ونحن نعيش في صراع البقاء.

اتخذنا القرار أخيراً بأننا لن نذهب إلى الجنوب، وسنبقى صامدين في الشمال، وكان قراراً محسوماً حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة، وصارت الدبابات قريبة مناً والأحزمة النارية اشتدت بشكل جنوني علينا.

خوفنا حينها لم يكن من الموت، الخوف الحقيقي كان أنه في حال أصيب أحد منا أو أصابه أي مكروه فلا توجد مستشفيات تعالجه، وسيموت ببطء وهو ينزف دون أن يتمكن أحد من مساعدته! كانت ليلة مليئة بقنابل الفسفور والغاز الخانقة، وقذائف المدفعية العشوائية المجنونة التي تضرب من دون أن تعرف وجهتها، فكل شخص موجود في مرماها يصبح عرضةً للخطر في أي لحظة، ويومها اتخذنا قرارنا الصعب بالنزوح إلى الجنوب.

بعد ساعة من خروجنا من المنزل قصف الاحتلال المنزل وصار حطاماً، لو أننا بقينا ساعة واحدة فقط لما كتبتُ هذه القصة، ولكان احتمال بقائنا على قيد الحياة ضعيفاً في الأساس، والمغزى في هذا كله أنه في اشتداد الأزمة الحقيقية يغيّر الجميع قراراته ويحاول النجاة بنفسه.

وصلنا إلى الجنوب، ولا أنكر الهدوء في أول أيام، إذ إنّ الشمال كان يعني الموت الحقيقي المحتم، والجنوب المكان الآمن، هكذا اعتقدنا، ولكن بعدها كما فعلوا في أهل الشمال فعلوا تماماً في خان يونس، رغم أنها تُعَدّ من ضمن المناطق الجنوبية الآمنة التي أشار إليها جيش الاحتلال!

وبدأت المجازر تُرتكب في خان يونس وأهلها حتى أُجبروا على أن ينزحوا من مكانهم، ويذهبوا إلى رفح، صارت رفح مدينة لا تُحتمل لكثرة السكان فيها، ولعدد النازحين المهول في كل شارع نمشي فيه، فالخيام تملأ الشوارع، وأصبح من النادر أن تجد أرضاً خالية، حتى صار الناس ينصبون خيامهم على الأرصفة وفي ممرات الشوارع! وشيئاً فشيئاً تعايشوا ونقلوا كل مستلزماتهم، وبنوا حمامات مؤقتة، وهكذا تأقلموا مع وضع لا يُحتمل ولا يطاق.

قطاع غزة فيه نحو مليونين ونصف مليون نسمة، وفي رفح يوجد مليون ونصف مليون منهم، والبقية متفرقون بين المحافظات، وفي ظل هذا الازدحام الجنوني بدأت الشائعات تتنقل على ألسنة الناس: "اجتياح بري، دخول لرفح"، والفكرة وحدها تدبّ الذعر في القلوب، هذه مصيبة حقيقية لكل من فيها!

بدأ السؤال المعتاد منذ بداية العدوان، ولكن هذه المرة بقلق أكبر وخوف أعظم: "وين نروح؟!"، نمشي في الشوارع، ونسمع الناس تحدث نفسها بصوت مرتفع: "طيب وين نروح؟!"، لا أحد يمتلك إجابة شافية لهذا السؤال المصيري، فالأشخاص الذين يمتلكون المال نجوا بأرواحهم وغادروا القطاع، هذا المبلغ الذي يتجاوز خمسة آلاف دولار على الشخص الواحد ولا يمتلكه أحد بعد أربعة أشهُر من الحرب والغلاء الفاحش!

بعد فترة بسيطة من تناقل الأخبار، وفي ليلة بائسة اشتد القصف على مدينة رفح، قصف استمر أكثر من ثلاث ساعات، أصوات طائرات حربية قريبة قادمة، أصوات دبابات وأصوات صواريخ من نوع جديد، السماء تلاشى لونها الأسوَد وأصبحت حمراء من شدة القصف ليلتها، كانت تلك الليلة تساوي كل أيام الحرب لشدة صعوبتها، تصورنا أن اجتياح مدينة رفح بدأ كما اجتاحوا الشمال تماماً، بل أكثر! ولكن كان هذه كله لعملية ما، وجرى تنفيذها على أرض الواقع.

في اليوم الثاني خاف الجميع، وأصبح النزوح معاكساً، صار الناس يعودون من المكان الذي جاؤوا منه، وأصبحوا يهربون من الموت إلى الموت، من دون معرفة طريق الخلاص أو النجاة، فمثلاً الأشخاص الذين كانوا في المحافظة الوسطى النصيرات كانوا تلقوا تهديدات بالذهاب إلى رفح، وبعد نزوحهم صار التهديد على رفح بشكل مباشر، فكان خيارهم الأول هو العودة إلى بيوتهم. عادوا إلى بيوتهم، وعند وصولهم استهدفهم الجيش هناك، واستشهدوا.. وكثير من الحالات المشابهة لهذه المأساة، كما قلت وسأظل أقول: ومنذ متى يأمن الإنسان عدوّه؟

يأمرنا الاحتلال أن نذهب إلى الجنوب لنكون في مأمن من شره، وهل لشره وانتقامه مكان محدد؟! وهل في الجنوب مدن الملاهي للأطفال وسكاكر وحلوى وأمان؟! الجميع يباد هنا، الجميع يقتل هنا، ولا يستثنى أحد منا، من شمالها إلى جنوبها، غزة دمها ينزف، وعدوّها لا تهمّه قرارات دولية ولا قوانين حماية حقوق الإنسان، بل أول ما بدأ بقصفه هو كل ما حذرت من انتهاكه هذه القوانين الشكلية، المستشفيات والمدارس ومقرات الصليب الأحمر والإسعافات وغيرها.

اليوم هنا في رفح يعيش الجميع بخوف ترتجف منه القلوب، غير قادرين على اتخاذ قرار، نرى عائلات تنزح من رفح إلى أماكن أخرى، وفي الوقت نفسه أناس ينزحون من الأماكن الأخرى إلى رفح! هنا تكمن الحيرة العظمى، والأسئلة التي لا تنتهي، تجلس وحدك ولا تعرف كيف تتخذ قراراً جنونياً كهذا، هل نبقى لنموت هنا؟ أم ننزح لنموت هناك؟

لكثرة الاكتظاظ السكاني الموجود في رفح فإن الخوف وحالة الرعب مضاعفان، فأي شيء تتعرض له هذه المدينة فإن أعداد الضحايا مضاعفة بشكل مهول، فالصاروخ الذي كان يكون ضحاياه 20 شهيداً، في رفح سيقتل فوق الـ100، وهذا صدقاً لأن الناس موجودة في كل مكان فيها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT عربي
اكتشف
ترمب يتوعّد بمواصلة الحرب على إيران لأسبوعين أو ثلاثة
ترمب يدّعي أن "رئيس النظام الإيراني الجديد" طلب وقف إطلاق النار.. وطهران: تصريحات لا أساس لها
13 قتيلاً في لبنان بغارات للاحتلال.. و10 عسكريين إسرائيليين سقطوا بنيران حزب الله منذ بدء العدوان
12 مليون برميل يومياً.. "الطاقة الدولية" تكشف حجم خسائر النفط بسبب الحرب على إيران
روسيا: مصرع 29 شخصاً جراء تحطم طائرة شحن عسكرية في القرم
هجوم أمريكي-إسرائيلي على ميناء في مضيق هرمز.. وحرائق في الكويت والبحرين وأضرار لناقلة قرب قطر
بعد غياب 40 عاماً.. العراق يتأهل إلى مونديال 2026 بعد فوزه على بوليفيا
ترمب: إنهاء الحرب على إيران خلال أسبوعين أو ثلاثة.. وخطاب مرتقب يكشف "تحديثاً مهماً”
تركيا تدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: "عنصري وغير قانوني"
بعد تعطل المسارات البحرية.. اتفاق تركي-سعودي يفتح الطريق البري أمام صادرات أنقرة إلى الخليج
رئيس الاستخبارات التركية يلتقي رئيس وفد التفاوض في حماس
البرهان: حريصون على التعاون مع الأمم المتحدة بشأن المساعدات للمحتاجين في السودان
"تحمل جواز سفر أمريكياً".. الداخلية العراقية: صحفية أجنبية تتعرض للخطف على يد مجهولين
أردوغان يستقبل نائب الرئيس الفلسطيني في العاصمة أنقرة
شهيدان بقصف إسرائيلي على خان يونس.. ومحكمة إسرائيلية تؤجل البت في الممر الطبي بين غزة والضفة