منذ مطلع الأسبوع الجاري، يُجري وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورني، زيارة للعاصمة المغربية الرباط، والتقى يوم الاثنين 26 فبراير/شباط الجاري نظيره المغربي ناصر بوريطة، وتباحثا بشأن فتح "صفحة جديدة" في العلاقات بين البلدين، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الأزمة الدبلوماسية الصامتة.
وفي حديثه من مقر وزارة الخارجية المغربية، خطب سيجورني ودّ الرباط، مؤكداً على الروابط القديمة بين البلدين والمصالح المستقبلية المشتركة، كما عرّج على عدد من الملفات الشائكة بينهما، بما في ذلك ملف "إقليم الصحراء" الذي تطالب المملكة المغربية الدبلوماسية الفرنسية بالوضوح في موقفها بشأنه.
ورغم تأكيد وزير الخارجية الفرنسي دعم بلاده مقترح الحكم الذاتي، الذي يقدمه المغرب حلّاً لملف "إقليم الصحراء"، يبقى عدد من الأسئلة مطروحاً حول نتائج هذه الزيارة ومدى نجاحها في حلحلة الأزمة الجارية بين البلدين.
سيجورني في الرباط
وقبل لقاء سيجورني وبوريطة، ساد الترقب حول ما ستفرزه المباحثات بين وزيري الخارجية، ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، يوم الأحد 25 فراير/شباط، عن مصدر دبلوماسي قوله إن "هذه الزيارة تشكل خطوة قوية لفتح فصل جديد في العلاقة بين بلدينا"، وخطوة أولى نحو العمل "من أجل أجندة سياسية جديدة، في جميع المجالات، ذات أولويات مشتركة".
وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد عقب المباحثات، أعرب سيجورني عن نية البلدين المُضي قدماً نحو تعميق العلاقات عبر شراكة تدوم لثلاثة عقود، قبل أن يُعرِّج على الملفات الشائكة بين البلدين، في مسعى لإذابة الجليد الذي طبع العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وتطرّق وزير الخارجية الفرنسي إلى ملف "إقليم الصحراء"، الذي يعد حجر عثرة أمام كل محاولة لإعادة العلاقات السابقة بين البلدين، مؤكداً دعم باريس مقترح الحكم الذاتي، الذي تطرحه الرباط حلّاً للملف.
وقال سيجورني: "موضوع الصحراء هو أبرز نقطة في زيارتي للمغرب، ومن خلال مخطط الحكم الذاتي يجب على الرباط أن تُعوِّل على باريس، وموقفها الواضح في دعم هذا المخطط".
وأضاف: "فرنسا موقفها واضح، وتريد حل النزاع في إطار مقترح يُرضي كلا الطرفين (...) أن نتقدم في موقفنا في الصحراء يعني أن نتبنى البراغماتية في الملف، مع دعم جهود المبعوث الأممي من أجل إعادة المفاوضات. والمغرب نفّذ حركة تنموية مهمة في الكثير من المناطق، ما يعني أن باريس ستدعم جهوده في تنمية الأقاليم الجنوبية، وهذا هو موقف باريس الحالي من النزاع".
من جانبه، أشار وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إلى أن الطرفين تطرقا أيضاً خلال مباحثاتهما إلى "كيفية العمل بشكل منسق في القارة الإفريقية"، لا سيّما في "منطقة الساحل، بوصفنا شريكين لهما مصالح متقاربة في هذه المناطق، ويمكن لنا أن نشتغل كشريكين".
وأضاف بوريطة أن "المرحلة الحالية من العلاقات في تجدد ونمو وتطور، سواء على مستوى الفاعلين أو المقاربات، حتى تساير المتغيرات التي يعرفها البلدان"، مؤكداً أن "العلاقات الفرنسية يجب أن تتجدد وفق مبادئ الاحترام المتبادل، والتنسيق، في ظل رعاية رئيسي البلدين".
هل تنتهي الأزمة الدبلوماسية؟
بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي بينها وبين المغرب، أبرزت فرنسا مؤخراً رغبة في إذابة الجليد عن تلك العلاقات، وهو ما تكشَّف عبر إشارات كثيرة، أبرزها التصريحات الأخيرة للسفير الفرنسي في الرباط كريستوف لوكورتيي، التي قال فيها إن العلاقة بين البلدين "مهمة، وقديمة، وذات تاريخ كبير ومتفرّد" وينبغي "أن نحاول تجديدها".
في السياق نفسه، استقبلت حرم الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون، شقيقات الملك المغربي محمد السادس؛ الأميرات للا مريم، وللا أسماء، وللا حسناء، في مأدبة غداء بقصر الإليزيه يوم الأربعاء 21 فبراير/شباط الجاري، وهي خطوة قرأت فيها وكالة الصحافة الفرنسية أنها مؤشر على عودة الدفء بين البلدين.
وفي تكريس لهذه المساعي الفرنسية، كانت الزيارة الخارجية الأولى التي أُوكلت لسيجورني، بعد تقلده المنصب في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، إلى الرباط، وهو ما أكده خلال المؤتمر الصحفي بقوله: "اختيار المغرب أولَّ زيارة لي في المنطقة جاء باعتبار وجود رابط استثنائي، والرئيس ماكرون يريد أن يُبقي هذا الرابط وطلب مني تجديده".
تسبق هذه الزيارة زيارات أخرى ينوي وزراء فرنسيون إجراءها للمغرب في وقت قادم، من بينهم وزير الاقتصاد برونو لومير، ووزيرة الثقافة رشيدة الداتي،حسب إعلان سيجورني.
ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى نجاح هذه الزيارة في حلحلة الأزمة بين الرباط وباريس، وهو ما يجيب عنه الأكاديمي والباحث السياسي رشيد لزرق، ويقول إن الزيارة تندرج في إطار "مرحلة إعادة صياغة سياسة جديد نحو إفريقيا تنتهجها فرنسا بعد سلسلة الفشل التي عرفتها سياستها القديمة"، وهكذا "تحاول فرنسا الآن -على ما يبدو- التخلص من العقلية الاستعمارية التي قوامها اللعب على التناقضات".
وفي حديثه مع TRT عربي، يرى لزرق أن تصريحات سيجورني بخصوص ملف إقليم الصحراء "خطوة في الاتجاه الصحيح"، وتؤشر على أن باريس "ستخرج بموقف واضح من مغربية الصحراء" في إطار استدراكها ما خسرته في إفريقيا، إذ إن المغرب "هو الشريك الموثوق والضامن الوحيد لدخولها إفريقيا".
ويؤكد الباحث السياسي أن نجاح الزيارة في حلحلة الجمود الدبلوماسي بين البلدين رهين بـ"التزامها الوضوح (بخصوص ملف إقليم الصحراء)، والمشاركة في مخطط تنموي يمكِّنها من تجاوز ماضيها الاستعماري مع إفريقيا على أساس شراكة رابح-رابح"، وفق لزرق.






















