تعرّضت عشرات الشاحنات المغربية، المحملة بصادرات البلاد الفلاحية نحو أوروبا، للتخريب من طرف الفلاحين الأوروبيين الغاضبين، خلال مرورها بأراضي إسبانيا وفرنسا، حسب ما ذكرته وسائل الإعلام المغربية.
ويرى هؤلاء الفلاحون الأوروبيون في الصادرات المغربية تهديداً لتنافسية منتجاتهم، ما جعلها هدفاً لغضبهم طوال الاحتجاجات الجارية منذ أواخر يناير/كانون الثاني الماضي.
بالمقابل، تأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه المزارعون المغاربة أزمة متعددة الجوانب، بسبب الجفاف الذي يضرب البلاد، والقيود التي فرضتها السلطات الموريتانية على صادراتهم نحو إفريقيا، وهو ما يطرح عدداً من الأسئلة حول مدى تأثير احتجاجات الفلاحين في أوروبا في نظرائهم في المغرب.
"ثورة المزارعين" تعرقل الصادرات المغربية
شهد ميناء الجزيرة الخضراء الإسبانية يوم الخميس 29 فبراير/شباط إنزالاً كبيراً للفلاحين المحتجين من أجل منع دخول الصادرات الفلاحية المغربية إلى البلاد، وقالت وسائل إعلام مغربية إنّ نحو 1500 فلاح إسباني عمدوا إلى محاصرة الميناء لمنع دخول الشاحنات المغربية المحمّلة بالخضراوات المصدَّرة إلى أوروبا.
وفي منتصف شهر فبراير/شباط الماضي ذكر موقع هيسبريس المغربي أنّ المزارعين المتظاهرين في أوروبا يواصلون عرقلة الشاحنات المغربية المحملة بالخضراوات والفواكه.
وقال الموقع إنّ "صباح يوم الأربعاء 14 فبراير/شباط وجدت أكثر من 25 شاحنة مغربية محمّلة بالخضراوات والفواكه عرقلة في السير بشكل متعمد من قِبل عديد من الجرارات الإسبانية التي يقودها مزارعون غاضبون من المنافسة الخارجية (...)، وفي يوم الثلاثاء تعرضت أربع شاحنات مغربية في مدينة خيريز الإسبانية لعملية إتلاف لعلاماتها الجمركية".
وأضاف أنّ "الحدود الفرنسية-الإسبانية عرفت يوم الثلاثاء 13 فبراير/شباط عرقلة أخرى لشاحنات مغربية يصل عددها التقريبي إلى 40 شاحنة، إذ بعدما انتهت من تفريغ حمولة من الخضراوات والفواكه، ورغب سائقوها في العودة عبر الطرق السيارة الإسبانية، لم يستطيعوا ذلك في ظل عرقلة المحتجين الإسبان، وهو الوضع الذي ما زال على حاله إلى هذه اللحظة".
وفي ذات السياق نقل موقع صوت المغرب الإخباري عن مصادر نقابية تأكيدها استمرار الصعوبات التي تجدها الشاحنات المغربية الثقيلة في العودة إلى قواعدها من الأراضي الفرنسية، نظراً إلى قطع الطرق السيارة من قبل الفلاحين المحتجين.
ويتهم الفلاحون الأوروبيون الغاضبون الصادرات الفلاحية المغربية بأنّها تضعف تنافسية منتجاتهم، وظلّ غضب الفلاحين الأوروبيين في البداية مركّـزاً على صادرات الحبوب الأوكرانية، لكن سرعان ما تحوّل إلى نظيرتها المغربية.
واحتجّت غرفة الصناعة والتجارة لجهة سوس ماسة (جنوب المغرب)، وهي الجهة المنتجة لـ80% من الصادرات الفلاحية المغربية، على ما يروّج له الفلاحون الأوروبيون، وقالت الغرفة في بلاغ: "التحريضات والدعوات غير القانونية التي تقوم بها جمعيات زراعية إسبانية وفرنسية أدّت إلى تنظيم احتجاجات وعمليات احتجاز (...)، وهو ما يشكّل تهديداً كبيراً للعاقلات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي".
وحسب نقابة مهنيي الشحن بالمغرب فإنّ هذه الأزمة مندلعة منذ 9 فبراير/شباط الماضي، وإلى حدود منتصف الشهر سببت في توقيف ما بين 650 و700 شاحنة مغربية في إسبانيا، ومنعها من إيصال حمولتها إلى وجهة التصدير.
وعبّرت نقابة المزارعين المغاربة (كومادير) في بيان لها عن قلقها بشأن استمرار عرقلة وتخريب الصادرات الفلاحية المغربية في أوروبا، معتبرة أنّ "الفلاحين المغاربة هم الضحايا المباشرون لهذه الهجمات".
من جانبها أدانت المفوضية الأوروبية الهجمات التي تتعرض لها الصادرات الفلاحية المغربية، وقال ناطق باسم المفوضية في تصريحات لموقع هيسبريس: "الإضراب والاحتجاج حقوق أساسية يحترمها الاتحاد الأوروبي بالكامل، لكنّ المفوضية تدين كل أشكال العنف والإهانة في هذا الصدد".
تداعيات على فلاحي المغرب
تثير هذه الأحداث سخطاً واسعاً في أوساط الفلاحين المغاربة الذين يصدرون محاصيلهم نحو أوروبا، وفي تصريحات لصحيفة فريش بلازا الإيطالية قال فلاح مغربي متضرر: "لقد تأثّرنا بشدة بهذه الأعمال الطائشة وغير المبررة، وإنّ الأشخاص الذين يقفون وراءها لا يهتمون بما إذا كانت الشاحنات متجهة إلى السوق الإسبانية أو المملكة المتحدة، واستهدفوا الشاحنات ببساطة لأنّها قادمة من المغرب".
وأضاف الفلّاح الذي يُدعى أسامة ماشي، وهو مُصدِّر من منطقة سوس ماسة (جنوب)، أنّ المهاجمين "يتلفون السلع ويتركون الشاحنات مفتوحة، مما يدمر سلسلة التبريد ويتسبب في إفساد المنتجات الطازجة"، كما أنّ "أولئك الذين يفرّون من الهجمات يواجهون إغلاق الطرق، وتأخير التسليم، وبالتالي العقوبات التي يفرضها العملاء، وعندما تتمكن الشاحنات من الوصول إلى الأسواق يؤدي ذلك إلى حدوث ازدحام وانخفاض في الأسعار".
ويعدّ المغرب أكبر مصدّر عربي للمنتجات الفلاحية نحو الاتحاد الأوروبي، وأكبر مصدّر للخضراوات والفواكه إلى دول الاتحاد، وحسب يوروستات بلغت قيمة مجموع الصادرات الفلاحية المغربية إلى أوروبا أكثر من 1.8 مليار يورو(نحو 1.95 مليار دولار)، خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2023.
ووفق أرقام منصة إيست فروت، المتخصصة في رصد أسواق الخضراوات والفواكه في العالم فإنّ عائدات الصادرات المغربية من الخضراوات ما بين سنتَي 2018 و2020 بلغت أكثر من 5 مليارات دولار. وخلال عام 2022 حققت الصادرات الفلاحية المغربية نمواً بـ10%، إذ بلغ حجمها 2.3 مليون، كما نمت صادرات الفواكه الحمراء بنسبة 20% بحجم بلغ 132 ألف طن.
وبالتزامن مع تداعيات "ثورة الفلاحين" في أوروبا، يواجه نمو الصادرات الفلاحية المغربية تحديات كبيرة، على رأسها الجفاف الذي تشهده البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، والذي زادت حدّته في الموسم الجاري.
كما يضاف إلى هذا قرار السلطات الموريتانية، مطلع هذا العام، برفع قيمة الرسوم الجمركية على الصادرات الفلاحية المغربية بنسبة قاربت 200%، وهو ما عرقل ولوج هذه الصادرات إلى السوق الإفريقية، ونال من تنافسيتها.














