آراء
الحرب على غزة
5 دقيقة قراءة
من الردع إلى المنع.. كيف تحوّلت استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر؟ وما تبعات ذلك؟
تدلّ كل الشواهد، بعد عامين ونصف على عملية "طوفان الأقصى"، على أن إسرائيل قد أحدثت تحولات جذرية في إستراتيجية أمنها القومي، التي صاغها رئيس وزرائها الأول ديفيد بن غوريون، والتي التزمها رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على سدة الحكم بعده.
من الردع إلى المنع.. كيف تحوّلت استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر؟ وما تبعات ذلك؟
أدى تبني إستراتيجية الأمن القومي الجديدة إلى تهاوي مكانة إسرائيل الدولية وتحديدا لدى الرأي العام الأمريكي / Reuters

أدرك بن غوريون أن محدودية الموارد البشرية والمادية التي تحوزها إسرائيل تتطلب تحقيق فترة هدوء طويلة بعد أي حرب تخوضها. فضباط وجنود الاحتياط، الذين يديرون ويشغلون مرافق الإنتاج والمؤسسات الخدماتية في أوقات الهدوء، يضطلعون بـ70% من الجهد العسكري في أثناء الحرب، وهذا يعني أنه كلما طال أمد الحرب، أفضى الأمر إلى شل الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي. ولتجنب هذه النتيجة، اعتمد بن غوريون مبدأ "الردع" كركيزة رئيسة من ركائز استراتيجية الأمن القومي.

ولتحقيق "الردع"، رأى بن غوريون أنه تتوجب ممارسة أكبر قدر من القوة العسكرية ضد العدو، ونقل المعركة إلى أرضه بهدف كسر معنويته، لتحقيق هدفين رئيسيين: تقصير أمد الحرب، وقمع رغبته في مواصلة القتال، مما يمنح إسرائيل فترة هدوء طويلة.

وحسب بن غوريون، فإنه في حال فشل الردع في اجتثاث رغبة العدو في القتال، فإنه يتوجب على إسرائيل تطوير قدرات استخبارية تمكّنها من الحصول على إنذار مسبق بنواياه، لمنعه من مفاجأتها، وتوظيف المعلومات الاستخبارية في حسم الحرب لصالحها، مما يضمن في النهاية تحقيق ردع يفضي إلى فترة هدوء طويلة.

ولم يحدث أن أحدثت إسرائيل تغييراً على إستراتيجية أمنها القومي، كما أرساها بن غوريون، إلا عام 2006، عندما أوصت لجنة حكومية بإضافة "الدفاع" كمبدأ رابع من مبادئ الأمن القومي، إلى جانب "الردع" و"الإنذار" و"الحسم".

أما الآن، وبعد عامين ونصف على "طوفان الأقصى"، يتبين أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تحت وقع الصدمة، قد صاغ عملياً استراتيجية أمن قومي جديدة تعتمد على مبادئ مختلفة تماماً. فبدلاً من الردع، باتت إسرائيل تتبنى مفهوم "المنع"، أي مواجهة التهديدات التي هي في طور التشكل، أو التهديدات المحتملة، في كل الساحات في آن واحد، من خلال اعتماد الوسائل العسكرية فقط، وتجنب خوض مسارات سياسية ودبلوماسية يمكن أن تحول الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية.

وهذا ما يفسر انغماس إسرائيل في شن عمليات عسكرية بشكل متواصل في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة وإيران وسورية. أي أن إسرائيل تتبنى عملياً مبدأ "الحروب الدائمة" بدل مفهوم "الحرب الخاطفة"، الذي تبناه بن غوريون.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن نتنياهو قد أدخل على استراتيجية الأمن القومي مبدأ "الدفاع المتقدم"، أي احتلال مناطق من أرض العدو والإعلان عنها كـ"حزام أمني"، إذ حدث هذا في قطاع غزة ولبنان وسورية.

ويلفت الباحث الإسرائيلي أرنون هرئيل إلى أن إسرائيل باتت أيضاً تتبنى مفهوم "الأمن الدائم" (Permanent Security) بدل "الأمن العادي" (Conventional Security). ويعرّف هرئيل "الأمن الدائم" بأنه: "نزعة تهدف إلى تحقيق حصانة مطلقة من التهديدات، ليس الآن فقط بل إلى الأبد، فهي حالة ذهنية قائمة تشعر فيها الدولة بشكل دائم بأنها مهدَّدة وجودياً، وأنها تخوض باستمرار حرباً من أجل البقاء، فتختار حلولاً نهائية لمنع تهديدات وجودية محتملة قبل أن تتبلور أصلاً".

ويقتبس هرئيل ما قاله مؤرخ حروب الإبادة أريك موزيس، الذي قال إن الدولة التي تسعى لتحقيق "الأمن الدائم" تكون مستعدة لارتكاب جرائم الإبادة. وهذا بالفعل ما يفسر ما أقدمت عليه إسرائيل في قطاع غزة ولبنان، وتشجيعها المستوطنين اليهود في الضفة الغربية على مواصلة جرائمهم ضد الفلسطينيين؛ وهي الجرائم التي وصفها المعلق العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي بأنها "حرب تطهير عرقي خالصة".

ومن أجل إضفاء شرعية داخلية على التحولات التي أدخلها على إستراتيجية الأمن القومي، يزعم نتنياهو أن القضاء التام على التهديدات الوجودية يضمن تحقيق "النصر المطلق"، في ظل استدعائه ذكرى الهولوكست لتحفيز الجمهور الإسرائيلي على تحمل تبعات هذا المسار. وفي سعيه لإغراء الإسرائيليين بدعم نهجه، ادعى نتنياهو أن إسرائيل قد تحولت، بفضل استراتيجيته الجديدة، إلى "أسبرطة عظمى"، في تشبيه يرمي أيضاً إلى تعظيم إنجازاته خلال حروبه المتواصلة.

ولا يبدو قادة المعارضة الإسرائيلية أقل تحمساً من نتنياهو لتبني المفاهيم التي أدخلها على استراتيجية الأمن القومي. فنفتالي بينيت، الذي ترجح استطلاعات الرأي حالياً أنه الأوفر حظاً لتولي منصب رئيس الوزراء بعد الانتخابات العامة التي ستُجرى في أكتوبر/تشرين الأول القادم، يتوعد بأن يضم تركيا إلى دائرة الأعداء الذين يتوجب مواجهتهم.

لكن عند اختبار نتائج التحولات التي أدخلها نتنياهو على استراتيجية الأمن القومي، يتبين أن هذه التحولات قد أفضت إلى نتائج عكسية. فتبني مفاهيم "المنع" و"الدفاع المتقدم" و"الأمن الدائم" لم يسهم في القضاء على التهديدات التي تواجهها إسرائيل، بل فاقمها.

فعلى سبيل المثال، أعلن نتنياهو في أيلول 2024 تحقيق "النصر المطلق" على حزب الله بعد اغتيال زعيمه السابق حسن نصر الله وسقوط آلاف من قيادات ومقاتلي التنظيم. وقد توافرت فرصة لأن يتحول اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوصل إليه في حينه برعاية أمريكية-فرنسية، إلى تسوية مع الحكومة اللبنانية تضمن تحييد حزب الله كمصدر تهديد لإسرائيل. لكن نتنياهو، بدلاً من ذلك، أصر على مواصلة استهداف قيادات وعناصر حزب الله.

وكانت المفاجأة التي أحرجت نتنياهو وعرّت مزاعمه بتحقيق "النصر المطلق" عندما أظهرت المواجهة الحالية مع حزب الله أن هذا التنظيم بات أكثر فتكاً وتصميماً وتحدياً، لدرجة أن هيئة البث الإسرائيلية كشفت، الأربعاء الماضي، أن قادة الجيش الإسرائيلي يضغطون حالياً على نتنياهو لسحب القوات من جنوب لبنان، في ظل عجز هذا الجيش عن مواجهة خطر مسيّرات الحزب من طراز "FPV"، التي تسببت في قتل وجرح عشرات الجنود.

كما أن مبادئ إستراتيجية الأمن الجديدة لم تثبت فاعليتها في الحرب مع إيران، ولم تسهم في تحقيق أي من الأهداف الأمريكية-الإسرائيلية المعلنة لهذه الحرب. وهذا ينطبق على نتائج حرب الإبادة في قطاع غزة؛ إذ لا تزال حركة حماس تدير شؤون الحكم في القطاع، رغم تعهدات نتنياهو بالقضاء على حكم الحركة.

ويلفت ميخال ميلشطاين، القائد السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، إلى أن التجارب التاريخية دلّت بشكل قاطع على أن محاولات إسرائيل لتوظيف القوة العسكرية فقط لدفع أعدائها للتخلي عن منطلقاتهم الأيديولوجية تجاهها قد باءت بالفشل الذريع.

بالإضافة إلى ذلك، فإن نهج "الحروب الدائمة" يثقل كاهل الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل. فنتنياهو، الذي يدفع الجيش إلى حروب لا نهائية، يعمل في الوقت ذاته على تمرير قانون يعفي أتباع التيار الديني الحريدي من الخدمة العسكرية، لضمان بقاء الأحزاب الحريدية ضمن ائتلافه الحاكم، مع إدراكه أن الجيش يعاني من أزمة نقص قوة بشرية حادة بفعل زيادة الأعباء، لا سيما على قوات الاحتياط.

كما أدى تبني إستراتيجية الأمن القومي الجديدة إلى تهاوي مكانة إسرائيل الدولية، وتحديداً لدى الرأي العام الأمريكي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
انخفاض أسعار النفط مع تعهد ترمب بمساعدة السفن العالقة في هرمز
سنتكوم تنقل طاقم سفينة إيرانية إلى باكستان تمهيداً لإعادتهم
روسيا: قد نطرح مبادرات جديدة لنزع أسلحة الدمار الشامل بالشرق الأوسط
قتلى وجرحى بقصف إسرائيلي جنوبي لبنان.. وحزب الله يرد باستهداف تجمعات عسكرية للاحتلال
طهران تراجع ردّ واشنطن على خطتها.. وإعلام عبري يتحدث عن رفض ترمب لها
ترمب يعلن تحركاً "لتحرير" سفن بهرمز.. وطهران: أي تدخل سيُعتبر انتهاكاً لوقف النار
17 قتيلاً بينهم قيادي في "درع السودان" شرقي ولاية الجزيرة.. ونزوح جديد بشمال كردفان
تزامناً مع الحصار الأمريكي.. هيئة بريطانية: زوارق صغيرة تهاجم سفينة شحن قرب مضيق هرمز
لمواجهة تراجع صورتها الدولية.. إسرائيل تضاعف ميزانيتها الدبلوماسية إلى 730 مليون دولار
فقدان جنديين أمريكيين خلال مناورات "الأسد الإفريقي" جنوبي المغرب
استشهاد فلسطيني وإصابة العشرات خلال اقتحامات إسرائيلية في نابلس والقدس واعتقالات واسعة بالضفة
تعرضا لعنف شديد.. إسرائيل تجدد احتجاز ناشطين اختطفتهما من المياه الدولية
الحرس الثوري: على ترمب أن يختار بين عملية عسكرية مستحيلة أو اتفاق سيئ
متأهباً لاستئناف حرب الإبادة.. جيش الاحتلال يوسع سيطرته إلى 59% من قطاع غزة
السلطات اليمنية: 9 مسلحين صوماليين اختطفوا ناقلة النفط وطاقمها قبالة سواحل شبوة