جاء ذلك في مقال نشرته وكالة "بلومبرغ" الثلاثاء بعنوان "يجب على الأمم المتحدة إلغاء سلطة النقض في مجلس الأمن"، تناول فيه أردوغان رؤيته لإعادة هيكلة النظام الدولي وتعزيز تمثيله وعدالته ومساءلته.
وقال أردوغان إن الأزمات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من الأوبئة وأزمات الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد إلى الصراعات الإقليمية، أظهرت أن آليات صنع القرار العالمي لم تعد تواكب التحولات الراهنة.
وأضاف أن مجلس الأمن لا يزال يعكس إلى حد كبير موازين القوى التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية، مشدّداً على أن تكييف آليات صنع القرار الدولي مع الظروف الحالية "لم يعد أمراً يمكن تأجيله".
وأكّد أن إصلاح النظام الدولي يجب أن يقوم على تمثيل أكثر فاعلية وعدالة وخضوعاً للمساءلة، من خلال توسيع التمثيل وتقاسم مسؤولية القيادة بصورة أكثر إنصافاً.
وقال: "إن شعارنا "العالم أكبر من خمسة" هو دعوة إلى فهم أوسع للمسؤولية"، مضيفاً أن تحويل الحاجة إلى الإصلاح إلى خطوات عملية يتطلب وضع خارطة طريق واضحة يكون إلغاء امتياز الفيتو في صميمها.
وحذر الرئيس التركي من أن إضافة دول جديدة تتمتع بحق النقض إلى مجلس الأمن لن تعالج مشكلة تركّز سلطة صنع القرار في أيدي عدد محدود من الدول، بل ستوسع نطاق البنية القائمة على الامتيازات.
وشدد على أن "إلغاء امتياز سلطة النقض" ينبغي أن يكون نقطة البداية والهدف الاستراتيجي لأي إصلاح ذي معنى، مؤكّداً أن الإصلاح لا ينبغي أن يعني منح الامتياز ذاته لدول أخرى.
تعزيز دور الجمعية العامة ومساءلة مجلس الأمن
ودعا أردوغان إلى تشكيل ائتلاف واسع داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مبدأ عدم امتلاك أي دولة سلطة دائمة تحول دون إرادة غالبية المجتمع الدولي.
كما شدد على ضرورة إعادة النظر في التوازن بين مجلس الأمن والجمعية العامة، وتعزيز صلاحيات الأخيرة، إلى جانب زيادة تمثيل مجلس الأمن وخضوعه للمساءلة أمام الجمعية العامة.
واقترح أن تكون عضوية مجلس الأمن غير دائمة، وأن ينتخب أعضاؤه من قبل الجمعية العامة لفترات محددة وبالتناوب، بحيث تضطر الدول الراغبة في تولي العضوية إلى الحصول على ثقة غالبية أعضاء الجمعية العامة عبر الانتخابات، متابعاً: "لا يمكننا بناء النظام الدولي للمستقبل من خلال الحفاظ على تراتبيات الماضي".
وأضاف أن التطورات التي شهدها ربع القرن الأخير أظهرت أن موازين القوى والنظم الدولية ليست ثابتة، مشيراً إلى أن النظام الذي وعد البشرية بالسلام والاستقرار والرخاء المشترك لم ينجح بما يكفي في منع الحروب الجديدة أو الحد من عدم المساواة أو مواكبة التحولات في موازين القوى.
مراكز قوى جديدة ومسؤوليات إقليمية أكبر
وأشار أردوغان إلى ظهور مراكز قوة جديدة في مجالات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والدبلوماسية، مقابل عدم قدرة المؤسسات الدولية على التكيف مع هذه التحولات بالسرعة نفسها.
وأوضح أن الحروب وأزمة المناخ والهجرة غير النظامية والهشاشة الاقتصادية أعادت التأكيد على أهمية امتلاك الدول مؤسسات قوية واقتصادات قادرة على الصمود وقدرات دفاعية رادعة.
ولفت إلى تزايد أهمية أمن واستدامة ممرات التجارة والخدمات اللوجستية والنقل والطاقة، إلى جانب تنامي الثقل الاقتصادي لآسيا وتصاعد المطالب الإفريقية بتمثيل أقوى يتناسب مع إمكاناتها، وارتفاع صوت الدول النامية في التعبير عن أولوياتها.
وقال إن تنامي نفوذ بعض الفاعلين الإقليميين يفرض عليهم الاضطلاع بمسؤوليات أكبر داخل مناطقهم، مؤكّداً أن قضايا كل منطقة لا يمكن حلها من خلال أساليب تُفرض من الخارج.
وأضاف الرئيس التركي أن المقاربات القائمة على إرادة الدول المعنية والظروف المحلية والمصالح المشتركة تحقق نتائج أكثر استدامة واستقراراً.
وأكّد أن اضطلاع الدول التي تمتلك قدرات دبلوماسية وإمكانات اقتصادية وقنوات اتصال مع مختلف الأطراف بأدوار أكثر فاعلية في إرساء السلام والاستقرار أصبح "ضرورة لا مفر منها".
وأشار أردوغان إلى أن العولمة لم تحقق بالكامل التوقعات المتعلقة بتعميم الرخاء، موضحاً أن عدم المساواة في توزيع الدخل تعمق، فيما تحولت أوجه الاعتماد المتبادل في مجالي التكنولوجيا والاقتصاد إلى ساحات جديدة للتنافس.
وشدد على ضرورة تقاسم المسؤوليات بصورة أكثر عدالة لتحقيق العدالة العالمية، وضمان حق الدول النامية في التنمية وتسهيل وصولها إلى التمويل الذي تحتاج إليه.
وأكّد أن إحداث هذا التغيير يتطلب إرادة دولية واسعة، مشيراً إلى أن تركيا ستواصل توظيف علاقاتها الدولية وخبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف لدعم مساعي إصلاح النظام الدولي.
وأضاف أن بلاده تدعم الجهود الرامية إلى إلغاء امتياز الفيتو، ومنح الأعضاء المنتخبين وزناً أكبر في عمليات صنع القرار، وتعزيز دور الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وختم أردوغان بالتأكيد أن جمع دول من مناطق مختلفة حول أرضية مشتركة من شأنه تعزيز شرعية النظام الدولي وقدرته على تمثيل المجتمع الدولي، مشدّداً على أن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه من خلال تكتلات منفصلة لا تتحاور فيما بينها.
وقال: "من أجل "عالم أكثر عدلاً"، يتعين علينا جمع خبرات وقدرات وإرادة مناطق جغرافية مختلفة على أرضية مشتركة"، مؤكّداً أن تركيا ستواصل الاضطلاع بمسؤولياتها في مسار الإصلاح، مستندة إلى خبرتها الدبلوماسية وعلاقاتها مع مختلف مناطق العالم.


















