آراء
الهجمات على إيران
4 دقيقة قراءة
هل يمكن ترميم الثقة بين الخليج وإيران بعد الحرب؟
لم تكن العلاقة بين العرب وإيران محكومة دائماً بالصراع، بل عرفت فترات طويلة من التعايش ضمن إطار سياسي وحضاري واحد منذ بدايات الإسلام، مروراً بالعصور الأموية والعباسية وصولاً إلى السلاجقة.
هل يمكن ترميم الثقة بين الخليج وإيران بعد الحرب؟
استهداف منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة، وسط الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران/ أرشيفية / Reuters

غير أن التحولات الكبرى، بدءاً من الغزو المغولي ثم ترسّخ الانقسام المذهبي مع الدولة الصفوية، وضعت أسس التباعد الذي سيتعمق لاحقاً مع صعود القومية الفارسية في عهد بهلوي.

خلال القرن العشرين، تشكلت العلاقة بين الطرفين ضمن سياق إقليمي ودولي معقد. فبينما كانت الدول العربية تناضل ضد الاستعمار، تبنّت إيران سياسة براغماتية جمعت بين التعاون والتنافس، مقتربة من دول الخليج المتحالفة مع الغرب، ومتصادمة مع الأنظمة العربية القومية. ومع انسحاب بريطانيا من المنطقة في سبعينيات القرن الماضي، حاولت طهران لعب دور القوة الإقليمية الضابطة، في وقت كانت فيه المنطقة منقسمة بين معسكري الحرب الباردة.

لكن التحول الأبرز جاء مع الثورة الإيرانية عام 1979، التي أدخلت العلاقات الخليجية-الإيرانية في مرحلة من التوتر الحاد، خاصة مع تبني طهران سياسة "تصدير الثورة"، ما دفع دول عربية إلى تعميق دعمها للعراق في حربه مع إيران ما زاد من هذا الانقسام، ورسّخ أبعاداً مذهبية وقومية في الصراع. وفي الوقت نفسه، استثمرت الولايات المتحدة هذا التوتر لتعزيز حضورها في الخليج، ما جعل العلاقة الخليجية-الإيرانية رهينة لمعادلات دولية أكثر تعقيداً.

ومنذ 2003، ومع الاحتلال الأمريكي للعراق مالت موازين القوة لصالح إيران، التي وسعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما أثار مخاوف دول خليجية متزايدة، بخاصة مع تصاعد التنافس مع السعودية وتحوله إلى صراع إقليمي ذي طابع مذهبي. ومع أحداث "الربيع العربي"، ازدادت حدة هذا التوتر بفعل التدخلات المتبادلة وتضارب المصالح.

وفي الولاية الأولى لدونالد ترمب، أدى تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران إلى التأثير في الدول الخليجية. ومن أبرز الاستثناءات في تلك المرحلة دعم إيران، إلى جانب تركيا، لقطر خلال الأزمة الخليجية عام 2017. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، دعمت دول الخليج هذه الخطوة وشددت موقفها تجاه إيران، فيما عززت واشنطن شراكاتها الاستراتيجية مع السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، ما أسهم في تشكيل محور إقليمي يرى في إيران تهديداً مباشراً لأمنه ومصالحه.

وخلال إدارة بايدن، وفي ظل حالة من الغموض الاستراتيجي، اتجهت إيران والدول الخليجية إلى خفض التوتر. وأسفرت هذه التهدئة عن وقف إطلاق نار في اليمن، ومع تزايد القناعة بعدم سقوط نظام الأسد، بدأت بعض دول الخليج مسار التطبيع معه. كما ساهمت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في غزة، وما تبعها من حرب، في انشغال إيران ، ما خفف من حدة التوتر.

غير أن سقوط نظام الأسد في سوريا نهاية عام 2024 وإضعاف حزب الله، أدى إلى تراجع نفوذ إيران في المنطقة. وخلال هذه المرحلة، حاولت طهران إرسال رسائل إيجابية إلى الدول العربية، لكنها في حرب استمرت 12 يوماً أظهرت قدراً محدوداً من العدائية تجاهها.

ومع اندلاع الحرب مجدداً في نهاية فبراير/شباط 2026، ومع الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الواسع على إيران، صعّدت طهران بشكل مباشر ضد الدول الخليجية ما أدى إلى خلق توتر جديد، ويمكن القول إنها “ضحّت” بعلاقاتها مع هذه الدول.

وتشير التقارير إلى أن ثلاثة أرباع الهجمات الإيرانية استهدفت دولاً خليجية. ورغم أن إيران تؤكد أنها تستهدف القواعد الأمريكية ومصالح واشنطن فقط، فإن الهجمات طالت منشآت نفطية ومطارات ومحطات تحلية مياه ومواقع مدنية أخرى في الخليج. ويشكل تعطّل منشآت النفط والغاز تهديداً حيوياً لدول الخليج، نظراً إلى اعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على صادرات الطاقة. كما أن إغلاق مضيق هرمز ألحق أضراراً كبيرة بتدفقات النفط والتجارة.

ورغم الضغوط، امتنعت دول الخليج عن الانخراط في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، متحملة كلفة اقتصادية ومعنوية، وهو موقف وصف بالحكيم، ودعمته تركيا، وساهم في تجنب فوضى إقليمية واسعة، رغم أن مستقبل الوضع لا يزال غير واضح. وحتى بعد توقف القتال، استمر إغلاق مضيق هرمز من قبل الولايات المتحدة وإيران في التأثير سلباً في اقتصادات الخليج.

كما تضررت الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة بشكل كبير، إذ لم تأخذ واشنطن مطالبها بعين الاعتبار عند بدء الحرب. وهكذا، ورغم أن إيران كسبت تعاطفاً نتيجة مواجهتها مع واشنطن وتل أبيب، فإنها خسرت علاقاتها مع الدول الخليجية. 

وفي ضوء هذه التطورات، عادت العلاقات الخليجية-الإيرانية، التي كانت تتجه نحو التهدئة قبل الحرب، إلى التوتر مجدداً. فإيران لا تهاجم دول الخليج مباشرة فحسب، بل تهددها أيضاً عبر المجموعات المتحالفة معها في العراق واليمن، في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي المقابل، تظل رغبة الدول الخلجيجة في تجنب التصعيد عاملاً مهماً، كما تدعم جهود الوساطة، خاصة تلك التي تقودها باكستان لإنهاء الحرب.

وفي مرحلة ما بعد الحرب، سيكون من مصلحة الجميع أن تعود إيران إلى سياسة حسن الجوار بشكل جاد، وهو ما تدعمه دول المنطقة، بما فيها تركيا. أما في حال استمرار التوتر، فإن المنطقة، رغم امتلاكها مقومات الاستقرار والازدهار، ستظل عرضة للضعف والتدخلات الخارجية، ما يعيق التنمية ويقوض فرص الاستقرار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
ترمب يهدد بقصف إيران مجدداً ويشكك بمدى التزامها بالمفاوضات
إصابة 12 شخصاً بينهم 6 أطفال في إطلاق نار قرب جامعة بولاية فلوريدا الأمريكية
بعد أم القيوين.. الإمارات تغلق شواطئ رأس الخيمة حتى إشعار آخر
فرنسا تستنفر 70 ألف شرطي لتأمين المظاهرات وسط مخاوف من تجدد أعمال الشغب
دوران: مأساة غزة تبرز ضرورة إعادة النظر في النظام الدولي
بلدية الخليل: تهجير 1500 فلسطيني وتهديدات بإخلاء 2500 آخرين وسط حصار إسرائيلي
واشنطن تحذر مواطنيها من السفر إلى العراق وتدعو الموجودين فيه إلى الاستعداد للمغادرة
وزير الخارجية التركي يلتقي نظيرته اليمنية السبت في إسطنبول
جيش الاحتلال يواصل عمليته العسكرية في الخليل.. وتحذيرات من سياسة العقاب الجماعي
تركيا تنتقد تعيين اليونان مفتين في تراقيا الغربية وتطالب باحترام إرادة الأقلية التركية
باكستان تجدد التزامها تعزيز الشراكة مع تركيا لدعم السلام والاستقرار
وسط إنذارات مبكرة في السعودية.. مقتل طفلين في تعز وإسقاط مسيّرة حوثية قرب باب المندب
في ذكرى تأسيس الأمم المتحدة.. أنقرة تدعو إلى مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً
تركيا تدين هجوماً مسلحاً استهدف كنيسة بالكرك وتؤكد تضامنها مع الأردن
إسطنبول.. 8 دول تتفق على مواصلة التنسيق بشأن أزمات المنطقة