يستمر التوتر في العراق وحدوده التي توجد فيها عناصر تابعة لإيران أو مؤيدة لها، وتعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل وجود هذه المليشيات المدعومة إيرانياً سبباً لهذا التوتر، إذ تعتبر طهران وحلفاءها عدواً يهدد مصالحها في المنطقة.
ويعتبر هذا السبب دافعاً للولايات المتحدة وإسرائيل من أجل استهداف مناطق في العراق وسوريا، لكن في المقابل، تعرضت الولايات المتحدة لعدة هجمات في تلك المناطق، كان آخرها الهجوم الصاروخي على قاعدة عسكرية عراقية شمال بغداد، الذي وقع الخميس، وأسفر عن ثلاثة قتلى.
وقُتل جنديان، أمريكي وبريطاني، ومتعاقد أمريكي في هجوم بـ18 صاروخ كاتيوشا استهدفت قاعدة التاجي العسكرية العراقية التي تؤوي جنوداً أمريكيين شمال بغداد، الأمر الذي يعكس مدى شدة التوتر بين واشنطن وطهران.
ويعد هذا الهجوم الأكثر دموية على الإطلاق ضد مصالح أمريكية في العراق منذ سنوات عدة، وهو الهجوم الثاني والعشرين منذ نهاية أكتوبر/تشرين الأول ضدّ مصالح أمريكية في العراق.
وسبق لهجمات مماثلة استهدفت جنوداً ودبلوماسيين أمريكيين أو منشآت أمريكية في العراق أن أسفرت عن مقتل متعاقد أمريكي وجندي عراقي.
وبالرغم من عدم إعلان أية جهة مسؤوليتها عن الهجوم الصاروخي على القاعدة العسكرية، إلا أن واشنطن سرعان ما تتهم الفصائل الشيعية الموالية لإيران بشنّ هجمات مماثلة.
وتزايدت وتيرة الاتهامات الأمريكية بعد اغتيال الأخيرة للجنرال الإيراني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في ضربة أمريكية في بغداد، الأمر الذي اعتبرته طهران حدثاً كبيراً يستحق الرد، وما زال مسلسل الانتقامات متوالياً في المنطقة.
وتفاقم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران وانسحابها من الاتفاق النووي سوء الأوضاع في المنطقة، إلا أنه وعلى الصعيد السياسي في العراق، لقي الهجوم إدانات واسعة، حيث أصدرت قيادة العمليات المشتركة بياناً نددت فيه بالهجوم الذي يعد "تحدياً أمنياً خطيراً جداً".
آخر ما يحتاجه العراق هو أن يكون ساحة للثأر والمعارك الخارجية
من جهتهما، أدان رئيسا الجمهورية برهم صالح والبرلمان محمـد الحلبوسي "الاعتداء الإرهابي" الذي "هو استهداف للعراق وأمنه". ودعت البعثة الأممية في العراق إلى "ممارسة أقصى درجات ضبط النفس"، معتبرة أن "قيام جماعاتٍ مسلحةٍ بأعمال مارقة يشكل مصدر قلق دائم" في العراق.
رد فوري
وفور استهداف القوات الأمريكية، قُتل 26 مقاتلاً عراقياً في غارات جوية يرجح أنها من قبل التحالف الدولي، استهدفت مواقع لحلفاء طهران على الحدود العراقية السورية، بحسب وكالة فرانس برس.
وقالت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري إن طائرات مجهولة ضربت أهدافاً جنوب شرقي مدينة البوكمال حيث يوجد منفذ حدودي استراتيجي مع العراق، لكن ذلك لم يسفر سوى عن أضرار مادية.
وأفادت مصادر مخابراتية غربية أن المدينة الحدودية تقع على طريق إمداد استراتيجي لفصائل تدعمها إيران وترسل بانتظام تعزيزات من العراق إلى سوريا لدعم قوات الرئيس بشار الأسد.
وأضافت أن إسرائيل هاجمت قواعد إيرانية بالمنطقة عدة مرات منذ بداية العام.
وتعد مدينة البوكمال حاسمة بالنسبة لمساعي إيران من أجل تعزيز سطوتها المتنامية على ممر يمتد من طهران إلى بيروت.
وانتزعت قوات الحشد الشعبي الشيعية العراقية المدعومة من إيران السيطرة على البوكمال المطلة على نهر الفرات من تنظيم داعش الإرهابي أواخر عام 2017.
وتقول مصادر استخباراتية إنها تسيطر الآن على البلدة التي تغلب عشائر سنية على سكانها، وكذلك على المنطقة المحيطة بها وإنها تحتفظ فيها بوجود كبير.
وتسيطر قوات الحشد الشعبي أيضاً على مساحات واسعة من الحدود على الجانب العراقي.
العراق بين طهران وواشنطن
قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن الهجوم الأخير على القاعدة الأمريكية في العراق يعدّ بمثابة إنذار جديد للمناخ العدائي الذي تواجهه القوات الأمريكية في العراق، وأشارت إلى أن هذا الهجوم سيضع العراق مجدداً في مرمى اشتعال محتمل للصراع بين واشنطن وطهران.
ونقلت الصحيفة عن الخبير في الشؤون الإيرانية، أفشون أوستوفار، قوله إنه في حال تأكدت معلومة أن ميلشيات عراقية هي التي تقف وراء الهجوم، فإنهم ربما يريدون بذلك استفزاز واشنطن كي ترّد انتقاماً في العراق، وبالتالي تغذي غضباً شعبياً ضد الوجود الأمريكي في البلاد.
من جهتها، أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن الغارات في البوكمال ليست رداً مباشراً، ونقلت عن مصادر رسمية قولها إن البنتاغون لا يزال ينتظر قرار ترمب بشأن الرد وكيف سيكون، مشيرة في الآن ذاته إلى أن سقوط قتلى أمريكيين لطالما كان "خطاً أحمر" بالنسبة إلى ترمب ذاته.
وعن الخيارات العسكرية للرد على الهجوم، أشار موقع بوليتيكو إلى أنها تتأرجح بين ضربات مباشرة ضد الميليشيات العراقية المدعومة إيرانياً، أو أن توجه ضد قادة الحرس الثوري الإيراني الذي يديرها في العراق وسوريا، أو أن تستهدف الجيش الإيراني داخل حدود إيران، مضيفاً أن الرد قد يكون "سرياً" حتى تحافظ واشنطن على حظوظ عدم التصعيد.









