تحللت الاتفاقيات الموقّعة مع روسيا لحفظ وقف إطلاق النار في الشمال السوري، بعد استمرار موسكو في انتهاكها ومساندة النظام السوري في السيطرة على مناطق المعارضة السورية وتهجير سكانها المدنيين.
وكما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، "لم يعد شيء اسمه مسار أستانا بشأن سوريا، علينا نحن تركيا وروسيا وإيران إحياءه مجدداً والنظر فيما يمكن أن نفعله"، لكن في ظل المجازر التي ترتكبها روسيا، لا حياة لمن تنادي، فموسكو موغلة في انتهاكاتها غير آبهة باتفاق "منطقة خفض التصعيد" الذي وقع في مايو/أيار 2017، بين تركيا وروسيا في إطار اجتماعات أستانا.
ويمكن القول إن لروسيا تاريخاً كبيراً في انتهاك الاتفاقيات الدولية، ففي عام 2016، انتهكت اتفاق وقف "الأعمال العدائية" الذي بدأ في 27 فبراير/شباط الحالي، من خلال قصف بعض المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لا سيما في حلب وغربي البلاد.
وتحت ذريعة محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، بدأ التدخل الروسي في سوريا في 30 سبتمبر/أيلول 2015 ليصبح من أهم نقاط التحول في الثورة السورية، لصالح النظام، فروسيا تملك مقاتلات ووحدات من القوات الخاصة، وجنود مرتزقة يستخدمهم النظام، ليبسط سيطرته على جميع الأراضي السورية.
وفي نهاية عام 2016 سيطر النظام السوري على مركز مدينة حلب والمناطق الشرقية منها، بعد قصف مكثف على مواقع المعارضة، وهنا ظهر التأثير العسكري الروسي ونفوذ موسكو في المنطقة، وتمكّن النظام من السيطرة على مواقع المعارضة في العاصمة دمشق ومحافظات حمص ودرعا والقنيطرة، ليبسط نفوذه على 60% من الأراضي السورية بفضل هذا التدخل، حسب خرائط أعدتها وكالة الأناضول.
لقي 6 آلاف و686 مدنياً حتفهم، بينهم 808 نساء وألف و928 طفلاً، منذ 30 سبتمبر/أيلول 2015 حتى سبتمبر/أيلول 2019.
وكشف تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن مقتل 3 آلاف و734 في العام الأول من التدخل الروسي، فيما قتل ألف و547 في العام الثاني، أما العام الثالث فقد قتل فيه الروس 958، والعام الرابع 447 قتيلاً من المدنيين.
واستهدفت المقاتلات الروسية مناطق المدنيين ألفاً و83 مرة، دمرت خلالها 201 مدرسة، و190 مركزاً صحياً، و56 سوقاً شعبياً، وتسبب قصف النظام المدعوم روسيّاً بتهجير 3.3 مليون شخص عن منازلهم.
حسب تصنيف الشبكة، يعتبر مقتل 5 مدنيين وما فوق، مجزرة، وبذلك تكون روسيا قد ارتكبت 335 مجزرة في سوريا خلال أربعة أعوام.
ومن إدارة ساحات القتال إلى المفاوضات، إذ قام الروس بمفاوضة المعارضة بدلاً من النظام في حلب والشام وحمص ودرعا والقنيطرة، ليُنقل المدنيون بعد هذه المفاوضات إلى الشمال السوري، كما قامت وحدات من القوات الخاصة الروسية بدعم جنود الأسد في استهداف مناطق المعارضة في إدلب، مخترقةً اتفاقية أستانا، التي تعد روسيا دولة ضامنة لها إلى جانب تركيا وإيران.
مجازر متتالية وأسلحة محرمة دولياً
وتصر روسيا التي تقتل المدنيين وتفرّغ المدن الكبيرة من سكانها على أنها تحارب الإرهاب، غير مكترثة لتاريخها المليء بالضحايا، الذي كان آخره مساندتها للنظام في قصف مدينة معرة النعمان كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي، وتهجير أهلها الذين فرّوا من القصف اليومي والمجازر التي ارتُكبت بحق عائلات بأكملها، كقصف قرية كفرتعال في ريف حلب الغربي، الذي أسفر عن وقوع مجزرة راح ضحيتها تسعة قتلى على الأقل، هم رجل وزوجته وأطفالهما الستة، بالإضافة إلى شاب آخر من القرية ذاتها.
في تلك الفترة، قتل وأصيب نحو 30 مدنياً جراء ارتكاب روسيا مجزرة مروعة في مسجد وسوق بلدة كفرلاته في منطقة جبل الزاوية جنوبي إدلب، ما أسفر عن مقتل 8 على الأقل وإصابة 20 آخرين بجروح، وهي المجزرة الثالثة التي يرتكبها الروس في أقل من أسبوع ضد المدنيين.
وخلال أربعة أعوام، أسفر التدخل العسكري الروسي في سوريا عن 6 آلاف و686 قتيلاً من المدنيين وملايين المشردين عن منازلهم، حسب وكالة الأناضول.
إلى ذلك، استخدمت روسيا الغازات السامة في قصفها على المدنيين، كما استخدمت حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن لإلغاء التحقيق بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية من قِبل نظام الأسد، في مجزر خان شيخون بريف محافظة إدلب، في 4 أبريل/نيسان 2017، إذ تسبب غاز الأعصاب في إصابات مأساوية لمئات الرجال والنساء والأطفال.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها، إن النظام السوري وروسيا استخدما أسلحة محظورة دولياً في هجمات غير مشروعة على المدنيين شمالي غربي سوريا، مشيرة إلى أنه منذ 26 أبريل/نيسان 2019، ينفذ تحالف النظام السوري وروسيا العسكري مئات الهجمات يومياً على مناطق في محافظات إدلب وحماة وحلب الخاضعة لسيطرة المعارضة.
ونقلت المنظمة عن مسعفين وشهود عيان تأكيدهم استخدام التحالف للذخائر العنقودية والأسلحة الحارقة المحظورة في الهجمات، إلى جانب الأسلحة المتفجرة الملقاة جواً (البراميل المتفجرة)، التي لها آثار واسعة في المناطق المدنية المأهولة بالسكان، والأسلحة الحارقة.
يستخدم التحالف العسكري السوري-الروسي خليطاً من الأسلحة المحظورة دولياً والعشوائية ضد المدنيين المحاصرين.
وذكرت منظمةهيومن رايتس ووتشفي تقرير آخر لها، أن الهجمات الروسية والسورية أدت إلى تدمير بلدات رئيسية وقتلت أكثر من ألف مدني، بينهم أكثر من 300 طفل، وكان الهجوم غير قانوني وشكّل جريمة حرب.
وتعهدت موسكو عام 2013 بضمان أن تتخلى سوريا عن كل أسلحتها الكيميائية، لكنها "لم توفِ بالوعد"، وتوصلت اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى أن قوات النظام مسؤولة أيضاً عن ثلاث هجمات بغاز الكلور في 2014 و2015، لكن روسيا مستمرة في عرقلة محاولات الأمم المتحدة تجديد تفويض التحقيق الدولي حول استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، للمرة الثالثة خلال شهر.
استهداف المدارس
ومن بين أبشع الانتهاكات التي ارتكبتها روسيا في سوريا هي استهداف المدارس والمستشفيات والطواقم الطبية بالبراميل المتفجرة، وهو أمر اعتبرته ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني "انتهاكاً للقانون الدولي".
وشددت موغريني على أن الاتحاد الأوروبي يؤكد ضرورة معاقبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وحذرت من أن حياة نحو 3 ملايين مدني مهددة.
ودمرت القوات السورية-الروسية أكثر من 50 منشأة صحية كلياً أو جزئياً، حسب منظمة هيومن رايتس ووتش، واستهدفت المستشفيات، وفقاً لمنظمةأطباء من أجل حقوق الإنسان، وفي 1 أغسطس/آب، أعلنت الأمم المتحدة أن أمينها العام أنطونيو غوتيريش سيبدأ تحقيقاً في هجمات المستشفيات في سوريا.
في السياق ذاته، كشف تحقيق نشرته صحيفةنيويورك تايمزالأمريكية في 13 أكتوبر/تشرين الأول، عن أدلة على قيام روسيا بشكل متعمد باستهداف أربعة مشافٍ في إدلب خلال 12 ساعة.
وقالت الصحيفة إنه "من خلال تحليل تسجيلات صوتية للقوات الجوية الروسية غير منشورة من قبل وتصريحات شهود العيان والعاملين في مراكز مراصد حركة الطيران الحربي، جرى تتبُّع غارات جوية استهدفت أربع مشافي خلال ١٢ساعة فقط في شهر مايو/أيار، وأثبتت تورُّط الطيارين الروس بشن هذه الغارات".
وأضافت: "لطالما اتُّهمت روسيا بالقيام بهجمات ممنهجة ضد المستشفيات والعيادات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، كجزء من استراتيجيتها لمساعدة الأسد على الانتصار في الحرب الدائرة منذ ثماني سنوات".
"وثّقنا ما لا يقل عن 583 من الهجمات المماثلة منذ عام 2011، 266 من هذه الهجمات نُفذت منذ بدء تدخل روسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وقُتل ما لا يقل عن 916 عاملاً في المجال الطبي في سوريا منذ 2011"، تقول منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان.
سوريا.. ساحة تجارب الأسلحة الروسية
ويكشف تفوُّق روسيا على بريطانيا بحجم مبيعات الأسلحة لتحل في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، عن استخدام سوريا كساحة تجارب لهذه الأسلحة، إذ بلغت قيمة الأسلحة الروسية المباعة حول العالم نحو 37.7 مليار دولار، وذلك على خلفية تدخلها العسكري في سوريا الذي استغلته لترويج أسلحتها وفقاً لما أكده مسؤول روسي.
مبيعات روسيا للسلاح سجلت ارتفاعاً عن عام 2016 بنسبة 8.5%، لتتجاوز بذلك بريطانيا التي سجلت مبيعات سلاحها 35.7 مليار دولار بنسبة زيادة بلغت 2.3%.
وسجلت الولايات المتحدة الأمريكية -وفقاً للمعهد- العام الماضي، مبيعات بقيمة 227.3 مليار دولار، أي نحو 3 أضعاف مجموع مبيعات روسيا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا مجتمعين.
ونقلت الصحيفة تايمز البريطانية عن فلاديمير شامانوف رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي قوله إن "الصراع السوري ساعد روسيا على تعزيز مبيعات الأسلحة، بخاصة في الشرق الأوسط، وإن روسيا اختبرت أكثر من 200 نوع جديد من الأسلحة في سوريا".
وكانت وكالة الأناضول أوردت إحصاءات تبين استخدام الروس للساحة السورية كحقل تجارب ﻷسلحتها واستغلال ذلك في الترويج لبيعها.
واختبرت موسكو أكثر من 600 نموذج في 14 ألف تجربة لمختلف أنواع السلاح في سوريا، حسب إحصاءات قامت بها وكالة الأناضول، إذ نفَّذ سلاح الجو الروسي خلال سنتين 30 ألف طلعة جوية، شملت 90 ألف هجوم على الأرض، جرب خلالها مقاتلات (سوخوي 35) ومروحيات (مي-35) القتالية الحديثة، بدعم من منظومة الدفاع الجوي، واستخدمت لأول مرة مروحيات (مي-8) و(مي-24) و(مي-28 أتس) و(كا-25 التمساح).
















