آراء
العالم
6 دقيقة قراءة
أين تكمن الأهمية الاستراتيجية للتحالف التركي-الليبي؟
يوجد تنافس جيوسياسي آخذ في الظهور شرقي البحر المتوسط على مدار السنوات القليلة الماضية. وتُعَد الاكتشافات الجديدة من الغاز وموارد الهيدروكربون في المنطقة واحتمال استكشاف المزيد منها هي المصادر الرئيسية للتنافس المتصاعد.
أين تكمن الأهمية الاستراتيجية للتحالف التركي-الليبي؟
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج  / AP

يتزامن هذا التطور مع انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باعتبارها القوة المهيمنة هناك. إذ لم تعد الولايات المتحدة ترغب في أن تكون اللاعب المهيمن الذي يوفر الأمن ويضبط توازنات القوة في المنطقة.

ويؤدي الانسحاب الأمريكي إلى إيجاد فراغات قوة تملأها موسكو وفاعلون آخرون مثل الإمارات العربية المتحدة وإيران وتركيا. هذا الصراع المزدوج المتمثل في المساعي المبذولة لتقسيم موارد الطاقة في منطقة شرق المتوسط ومساعي ملء فراغ القوة، عقَّد بصورة أكبر طبيعة التنافس وبات يخلط بين المنطق الاقتصادي والمنطق الجيوسياسي. وتزيد حالة عدم اليقين هذه أيضاً من سرعة سباق التسلح.

تتشكَّل تحالفات جديدة في شرق المتوسط على مدار السنوات القليلة الماضية، أدّت إلى ظهور فرص جديدة وكذلك مخاطر تسبب بها الانسحاب الأمريكي. ويُمثِّل تهميش تركيا من المعادلة الجيوسياسية في المنطقة واحداً من أهداف تلك المساعي الرامية إلى تشكيل التحالفات.

إذ تزيد اليونان والقبارصة اليونانيون ومصر وإسرائيل التعاون والتنسيق فيما بينهم، وهم يحاولون تكوين شراكة مناوئة لتركيا. وتركيا واعية بتلك التطورات، وتدرس بعناية التحركات التي من شأنها أن تقود إلى تطويقها في منطقة شرق المتوسط. وهذه المساعي المشتركة للقوى الأربعة الهادفة إلى استبعاد تركيا من لعبة الطاقة في المنطقة تزيد من إرادة تركيا وقدرتها على التصدي لاستراتيجية التطويق هذه. تريد تركيا نقض مساعي التحالف لاحتواء أنقرة في المنطقة. ويبدو أنّ المنطق الجيوسياسي أكثر أهمية لتركيا من المنطق الاقتصادي.

بالنسبة إلى تركيا، تُعَد ليبيا أحد الشركاء الرئيسيين في النظام الإقليمي الناشئ أو في "حالة عدم اليقين والفوضى المستمرة". وتدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، وهي السلطة الشرعية المُعتَرَف بها من الأمم المتحدة في البلاد. فيما يحظى أمير الحرب خليفة حفتر و"الجيش الوطني الليبي" التابع له بدعم قوى دولية مثل الإمارات ومصر وفرنسا وروسيا، وتورَّط مرتزقة أو شركات أمنية خاصة روسية مؤخراً في ليبيا بجانب قوات حفتر. ويقدم الجانب الإماراتي الأسلحة المتطورة ويمول المرتزقة من السودان وتشاد، ويشارك سلاح الجو والجيش المصريان كذلك بجانب قوات حفتر، وتزيد مساعي الفاعلين الخارجيين لتغيير ميزان القوة لصالح حفتر من تصعيد الحرب الأهلية في ليبيا.

وفي حين تراقب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التطورات الجارية، فإنَّ لا مبالاتهما تجاه المعضلة الليبية يساعد قوات حفتر وليس حكومة فايز السراج الشرعية المقبولة دولياً. ولا تضطلع السلطات الأوروبية بدورٍ بنَّاء في محاولة إيجاد أرضية مشتركة بين الفاعلين المتصارعين في المنطقة كذلك.

وبدلاً من أن يُسهِّل الأوروبيون التوصل إلى حل عادل ومستدام من شأنه تحسين أمن المنطقة ورخائها، فإنهم يدعمون الادعاءات الجائرة لليونان والقبارصة اليونانيين. وتحاول المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل جلب الفاعلين الدوليين إلى مؤتمر حول ليبيا في برلين لإيجاد حل دبلوماسي للحرب الأهلية الليبية. لكن التصعيد الحالي لا يعزز نجاح مثل هذا المسعى. إن التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وإجراء الاتصالات بين الفاعلين الدوليين الرئيسيين عاملان حاسمان لنجاح مؤتمر برلين.

ردّت تركيا على الجهود المبذولة لإقصائها من المعادلة الشرق متوسطية بتوقيع اتفاقية منطقة اقتصادية خاصة وترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية. ويُعَدُّ الاتفاق الأخير بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني تغييراً في قواعد اللعبة، بحيث تجعل مشاريع الطاقة التي تستبعد تركيا وليبيا غير عملية.

واتفاق التعاون العسكري بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني أيضاً قد يُعزِّز فايز السراج ضد جهود قوات حفتر المدعومة دولياً للإطاحة بالحكومة الشرعية في طرابلس. وقد صدَّقَ البرلمان التركي على الاتفاقية ودَعَمَ كذلك التعاون العسكري مع حكومة طرابلس الليبية.

ويتوافق الاتفاق التركي-الليبي مع القانون الدولي، ويحمي مصالح الجانبين التركي والليبي على السواء. وقد يمنع الاتفاق بين ليبيا وتركيا جهود مصر وإسرائيل لمدِّ خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية مروراً بتركيا وليبيا. وبالفعل قد يُحفِّز هذا الاتفاق الجهود من أجل توسيع منتدى غاز شرق المتوسط ليشمل تركيا وليبيا.

ولن يكون نفعٌ بالنسبة لإسرائيل ومصر من استبعاد تركيا من الصفقة باستثناء فقط تطويقها جيوسياسياً. وسيكون من الأقل ترجيحاً أن يهتم المستثمرون وشركات الطاقة الدولية بالاستثمار في منطقة تستمر بها انقسامات عميقة، علاوة على مخاطرة احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية. يُعتَبَر الموقف أعقد بالنسبة لليونان والقبارصة اليونانيين، فطموحاتهم الإقليمية لاحتواء تركيا في منطقة المتوسط مُكلِّفة اقتصادياً ومحفوفة بالمخاطر عسكرياً. وتتعارض المصالح الاقتصادية لليونان والقبارصة اليونانيين مع مصر وإسرائيل أيضاً، لكنهم يضعون "تركيا" عدواً مشتركاً لتجاوز خلافاتهم.

وبينما تدرك تركيا الجهود من أجل تطويقها في المنطقة، فهي في الوقت نفسه مشغولة بالتعامل مع مشكلات أخرى تُهدِّد أمنها القومي الأساسي. فقد جعلتها جهودها في الحفاظ على أمنها في ظل الحالة الفوضوية في العراق وسوريا متأخرة عن المشاريع المتعلقة بمنطقة شرق المتوسط.

ولا تهتم تركيا بالانخراط في حرب أهلية في ليبيا، لكنها أيضاً لن تسمح بإطاحة حكومة ليبيا الشرعية في طرابلس. وعلى خلاف مزاعم داعمي حفتر، فإن السقوط المحتمل لطرابلس على يد قوات حفتر لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب الأهلية في ليبيا.

وتضطلع ليبيا بدور حاسم بالنسبة لتركيا في ظل المشهد الجيوسياسي المتغير في منطقة شرق المتوسط. ويُعَدُّ الحفاظ على علاقات بنَّاءة مع حكومة طرابلس ومنع المشروعات التي تستبعد تركيا من منطقة شرق المتوسط عاملين أساسيَّين في أهداف تركيا الجيوسياسية طويلة الأمد.

وعلاوة على ذلك، يتمتَّع المجتمع الليبي بعلاقاتٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ مع الشعب التركي. ولن يجني التحالف الذي يهدف إلى تطويق تركيا في المنطقة ثماراً إذا تمسَّكَت تركيا بالاتفاق الثنائي مع ليبيا. ولتحقيق استقرار أكثر رسوخاً، فإن اتباع نهجٍ أشمل لمشاركة مواد الطاقة في المنطقة لهو أمر بالغ الأهمية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT عربي
اكتشف
هزيمة بثلاثية نظيفة.. لاعبو أيرلندا يضعون الشارة السوداء ويرفضون مصافحة لاعبي إسرائيل
مقتل 4 أشخاص جراء تحطم مروحية بالقرب من مدينة مونتريال الكندية
"منطقة كوارث".. فيضانات واسعة في عاصمة تايلاند وتوقعات بالمزيد من الأمطار
غوتيريش يدعو لإصلاح النظام العالمي وتحقيق العدالة للدول النامية
طرد مهاجم إسرائيلي في مباراة النمسا بعد احتفاله بحركة تحاكي إطلاق النار
باكستان تعلن ضرب 10 مواقع في أفغانستان رداً على هجمات بمسيّرات
نتائج أولية تُظهِر تصدُّر حزب "الأصالة والمعاصرة" انتخابات المغرب البرلمانية
انطلاق الانتخابات البرلمانية في المغرب بمشاركة أكثر من 15 مليون ناخب
روسيا تعلن قصف منشآت دفاع وطاقة وسفناً أوكرانية.. وزيلينسكي يحذّر من هجوم روسي موسَّع
قادة جيوش الناتو يبحثون في كوبنهاغن الردع والدفاع ودعم أوكرانيا
ارتفاع حصيلة هجوم على مجمع للشرطة في باكستان إلى 31 قتيلاً
"خلال احتجازهم".. نيجيريا تعلن وفاة 27 شخصاً يشتبه بممارستهم التعدين غير القانوني وتشكيل لجنة تحقيق
التصعيد العسكري يفاقم النزوح في اليمن.. أكثر من 122 ألف شخص خلال أسبوعين
قتيل و102 ناجين بعد غرق عبّارة كانت تقل 243 شخصاً في إندونيسيا
الجزائر تغلق مجالها أمام الطائرات الإماراتية.. وأبو ظبي: نأمل أن يكون قطع العلاقات مؤقتاً
خلل فني يربك سماء بريطانيا.. إلغاء أكثر من 1400 رحلة خلال يومين
وفاة معتمرين مصريين اثنين وإصابة 25 آخرين جراء حادث سير خلال توجههم إلى مكة
الخارجية الباكستانية تدين هدم مسجد تاريخي في مدينة سهارنبور الهندية
خروج طائرة شحن تابعة لشركة أمازون عن المدرج خلال هبوطها في مطار ميامي
الجزائر تؤكد انتشال الطفل أيوب متوفياً بعد 4 أيام من سقوطه في بئر