مع مرور شهر على انطلاق الاحتجاجات اللبنانية في 17 نوفمبر/تشرين الأول، ما زالت البلاد تشهد أزمة في اختيار رئيس للحكومة بعد استقالة سعد الحريري وسحب وزير المال اللبناني السابق محمد الصفدي اسمه كأحد المرشحين لتسلم المنصب، مبرراً ذلك بصعوبة تشكيل حكومة متجانسة ومدعومة من جميع الأفرقاء السياسيين.
وما زالت الاحتجاجات اللبنانية صامدة على أهدافها ومطالبها ورافضة لأي مساومات سياسية لا تحقق للشارع ما يريده ولا تُنهي الفساد، ومصرة على إجراء الاستشارات النيابية الملزمة بتكليف شخصية جديدة مستقلة من اختصاصيين من خارج النادي السياسي.
وترى صحيفة النهار اللبنانيةأن الانفجار السياسي المتمثل بانسحاب الصفدي يعتبر "انعكاساً للارتباك الكبير والمكشوف الذي تعيشه القوى السياسية برمتها بدءاً بالعهد وأركان السلطة والأحزاب والقوى السياسية، إلى درجة الانكشاف الكامل أمام المرحلة الأكثر خطورة التي بلغتها الأزمة الداخلية سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً وأخيراً أمنياً، في ظل انتفاضة 17نوفمبر/تشرين الأول وبعد استقالة الحريري".
وتعبر الصحيفة عن خشيتها أن "تكون الإدارة السياسية للأزمة قد خطت خطوات واسعة نحو الإخفاق والفشل"، وهو الأمر الذي كشف التجاوزات الدستورية و"تُرجم في انكفاء رئاسة الجمهورية عن تحديد مواعيد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديدة، في ظل الصدام السياسي بين الفرقاء الذين انخرطوا بأساليب وحسابات مختلفة في تسمية الصفدي، وهذا ما قوبل بردود فعل رافضة للصفدي من قبل الشارع".
وحسب الصحيفة، "يُخشى في ظل ما تركته حرب المصادر والمقار الرسمية والسياسية التي انفجرت أمس على نحو غير مسبوق في شأن الملابسات التي أحاطت بتسمية الوزير السابق الصفدي، وما شاب هذه التسمية بالشكل الذي حصلت فيه من تجاوزات دستورية وانكشافات سياسية".
وتؤكد الصحيفة على عودة المشهد إلى نقطة البدايات والمربع الأول من الأزمة، في ظل الارتباك الرسمي والسياسي المفتقد لخطة واضحة، وانعدام أي تصورات للمعالجات التي ستسلكها المشاورات في صدد الاتفاق مجدداً على موجبات التكليف والتأليف، لتعود تزكية اسم الحريري كمرشح لا منازع له من الباب العريض.
الحريري.. لعبة الخيار الأخير
تأتي تصريحات الصفدي في البيان الأخير الذي أصدره مكتبه والذي قال فيه "أطلب سحب اسمي من التداول كأحد الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة العتيدة، وآمل أن يتم تكليف الرئيس سعد الحريري من جديد"، تأكيداً جديداً على تنبؤات محللين ووسائل إعلام بأنه يتم طرح أسماء من المعروف مسبقاً أنها لن تجد قبولاً في الشارع اللبناني، ليعود الأمر مجدداً إلى الحريري الذي يرفض حالياً العودة لاستلام رئاسة الحكومة. لكن مع دخول البلاد في أزمة قد يبقى الحريري الخيار الأخير.
وهذا ما حصل بالفعل، فمع الخلاف على اسم الصفدي الذي يعتبره الشارع اللبناني متورطاً بالفساد خرج الشارع اللبناني بعد طرح اسمه مباشرة، قائلاً إن تكليفه يتعارض مع المطالب برحيل النخبة السياسية التي يرى المحتجون أنه جزء منها.
وقالت صحيفة البناء اللبنانية، إن "الاعتصامات عمت ساحات بيروت، خصوصاً أمام منشأة الزيتونة باي التي يملكها الصفدي بموجب عقد مع شركة سوليدير، التي يعتبرها الحراك الشعبي من علامات نهب المال العامّ باستثمار أراضٍ تملكها الدولة من خلال حصتها من ردم البحر من قبل شركة سوليدير، مقابل إيجار رمزي هو 2500 ليرة لبنانية للمتر الواحد الذي يعادل ثمنه عشرات آلاف الدولارات".
وأفادت الصحيفة "بوجود فرضية أن يكون طرح الحريري بالون اختبار يؤكّد من خلاله لشركائه في الحكومة السابقة أن لا خيار أمامهم سوى العودة للبحث بشروط جديدة للتفاهم معه على تسميته لرئاسة الحكومة، لكن من موقع أفضل بعد أن يكون الشارع قد تَكفَّل بإسقاط اسم الصفدي. وقالت المصادر: "لو كان الحريري مخلصاً لفكرة البحث عن اسم بديل لكان اسم الرئيس تمام سلام خياره الأول".
كما اعتبرت صحيفة الأخبار اللبنانية، أن "قرار تسمية الصفدي لا يعدو كونه مناورة لتحقيق هدف لا يزال مجهولاً، وهو استفزاز للشارع المنتفض، إذ إنه في نظر الجمهور بطل فضيحة الزيتونة باي، وهو أحد المشتبه في تورّطهم بصفقة اليمامة ذائعة الصيت في الفساد بين بريطانيا والسعودية، وهو من نادي وزراء الأشغال العامَّة قليلي الإنتاجية وسيئي السمعة".
وتابعت الصحيفة متسائلة "أمام هذه الصورة، لماذا اختير الصفدي؟ هل هي مناورة من الحريري الذي يريد إحراق جميع المرشحين ليعود بشروطه هو لا بشروط الآخرين؟ أم أن ثمة من يتعمد استفزاز الشارع لأهداف لا تزال مجهولة؟ الأسئلة تبدو غير منطقية، لكنها مشروعة في ظل اللجوء إلى خيار غير منطقي كترشيح الصفدي".
في المقابل، قالت مصادر مطلعة لصحيفة نداء الوطن اللبنانية، إن رفض الحريري المشاركة في الحكومة المرتقبة يعود "إلى ما طُرح من صيغة حكومية من 24 وزيراً تضم وجوهاً سياسية بارزة، بعد أن كان الاتفاق ألا يكون في الحكومة أي شخصيات سياسية نافرة أو مستفزّة".
دعم الطبقة السياسية
في الوقت ذاته، يعود رؤساء الحكومات السابقين للتأكيد على موقفهم الأساسي "بإعادة تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة"، حيث أوضحت مصادر الرؤساء الثلاثة لنداء الوطن "أنّ موقفهم هذا كان ولا يزال على حاله ولم يطرأ عليه أي تعديل وقد أبلغوه شخصياً للرئيس الحريري، مع تأكيدهم على رفض ترشيح أي شخصية غيره".
وتتساءل الكاتبة غادة حلاوي في مقاللها بصحيفة نداء الوطن، عما إذا كان المقصود من تسمية الصفدي مواجهته برفض الحراك تكليفه، لتعود البوصلة إلى الحريري مجدداً؟
وتقول "رغم تأكيدات الأطراف المعنية بالمشاورات الدائرة حول تشكيل الحكومة إلا المسألة "حُسمت مبدئياً" لمصلحة الاتفاق على الصفدي كرئيس مكلف لتشكيل الحكومة، بيدَ أن الشكوك وعلامات الاستفهام سيطرت على المشهد الحكومي حول كلمة السر التي أعادت الصفدي إلى السياسة من بوابة التكليف بتشكيل الحكومة، علماً بأن كل أجواء التفاؤل بقرب الحسم والتي أكدتها الأطراف المعنية بعملية التأليف لم تحُل دون وجود خيط رفيع من المناورة قد يرجح كفة الرئيس سعد الحريري دون الآخرين".
من جانبها، قالت مصادر موثوقة لصحيفة الجمهورية، إن هناك محاولات متجددة من قبل الثنائي الشيعي الوزير خليل والحاج حسين خليل لإقناع الحريري بالعودة الى رئاسة الحكومة والتأكيد له من جديد "أننا نريدك أنت لرئاسة الحكومة"، الأمر الذي يشير إلى أن فرصة سعد الحريري في العودة كبيرة، نظراً لوجود إجماع سياسي عليه.
صحيفة الأخبار اللبنانيةحمّلت نصف مسؤولية المأزق في البلاد لسعد الحريري، إذ كتبت قائلة "بعيداً من الحجج الخدّاعة والادعاء بأن استقالته من الحكومة سببها رغبة الشارِع المُحتقِن والمُنتفِض"، وأن إصراره على تأليف حكومة تكنوقراط يعود إلى السبب نفسه، فإن ما يفعله هو مُقامرة في السياسة".
من جانبه، قال مراسلTRT عربي في لبنان أحمد شلحة إن "طلب وزير المالية السابق محمد الصفدي سحب اسمه من بين المرشحين لتشكيل الحكومة أشاع جواً من الارتياح في الشارع، لا سيما أنه أدرك عدم جدوى السعي لتشكيل حكومة لا تحظى بثقة الشارع".
وأضاف "جو الارتياح هذا انعكس على الطرقات في لبنان كافة، إذ إن أغلب الطرقات في لبنان باتت مفتوحة باستثناء بعض المناطق شمالي الجمهورية"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الاحتجاجات متوقع أن تستمر اليوم، وسط دعوات لإضراب عام يوم غد الاثنين".
وأوضح المراسل أنه، وبعد قرار الصفدي، فإن مسألة تشكيل الحكومة في لبنان عادت إلى نقطة الصفر، "ويبدو أن المرشح الوحيد والأبرز لترؤس الحكومة المقبلة هو رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي يرفض تشكيل حكومة إلا وفق شروطه الخاصة، أي حكومة تكنوقراط قوامها خبراء".
بدورها، قالت الناشطة الاجتماعية والسياسية اللبنانية نسرين شاهين لـTRT عربي إن "الأطراف السياسية توافقت على ترشيح الصفدي بعد شهر من الاحتجاجات، وهو معروف لدى الشعب بأن لديه ملفات فساد".
وأضافت متسائلة "ألهذا الحد يتم استغباء الشعب؟".
وترى شاهين أن السياسيين في لبنان لا يسمعون صوت الشارع الذي يتعرض للقهر، "المطلوب هو تشكيل حكومة تكنوقراط، نحن نطالب بحقنا، وتحركات السياسيين هذه ستؤدي إلى تأجيج الحراك وزيادة الزخم في الشارع".









