منذ بدء الحراك الشعبي بالسودان في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وتحول مطلب المحتجين من مطالب اقتصادية إلى الإصرار على رحيل البشير، كان للولايات المتحدة الأمريكية موقف مؤيد "لمطالب المتظاهرين القانونية"، حسب ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، روبرت بالادينو.
الولايات المتحدة وفي أول تعليق لها على أحداث السودان في 23 يناير/كانون الثاني، أبدت انزعاجها بسبب الانتهاكات التي كانت تقوم بها حكومة البشير من اعتقالات واحتجازات وقتل للمتظاهرين، وكان شرطها في تحسين علاقتها مع السودان، أن تقوم الأخيرة بإصلاح سياسي واحترام لحقوق الإنسان، بحسب بالادينو، الذي قال إنه "ينبغي أن يقرر الشعب السوداني من يقوده في المستقبل".
الحكم المدني مطلبٌ شرعي
من خلال رصد عدة تصريحات لمسؤوليين أمريكيين، يظهر أن هناك ترحيباً كبيراً من قبل واشنطن للانتقال السلمي للسلطة في السودان، لكن هذا الترحيب كان متوازناً بين مطالب الشعب والمجلس العسكري الذي تولى زمام الأمور بعد الإطاحة بالبشير.
فقد أعربت مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، ماكيلا جيمس، خلال لقائها وكيل وزارة الخارجية السودانية إلهام إبراهيم، في الخرطوم، عن تمنياتها باكتمال العملية باختيار حكومة مدنية تحظى بكل أوجه الدعم والترحيب من الإدارة الأمريكية.
وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أكدت ماكيلا ضرورة العمل على استقرار السودان، وأعربت عن ترحيب الولايات المتحدة بالانتقال السلمي للسلطة، قائلة "نحن نؤيد المطلب الشرعي للشعب السوداني بحكومة يقودها مدنيون، نحن هنا لتشجيع الطرفين على العمل معاً لدفع هذا المشروع قدماً في أسرع وقت ممكن".
السودان والقائمة السوداء
على مدار سنوات، سعى المسؤولون السودانيون لإخراج بلدهم من القائمة السوداء عبر محادثات مع الولايات المتحدة، لكن دون نتيجة حقيقية تُذكر.
لاحقاً، رفعت إدارة الرئيس دونالد ترمب في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2017، عقوبات اقتصادية وحظراً تجارياً كان مفروضاً على السودان منذ 1997، إلا أنها لم ترفع اسم السودان من قائمة "الدول الراعية للإرهاب" المدرج فيها منذ عام 1993، لاستضافته زعيم لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن في التسعينات.
وفي الأيام الماضية "طلبت الولايات المتحدة من السلطات السودانية تشكيل وفد معني بالتفاوض حول هذه القضية"، بحسب تصريحات لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وقال البرهان في مقابلة هي الأولى له منذ توليه منصب رئيس المجلس، الأحد، مع قناة السودان الرسمية، إن وفداً من بلاده سيقوم قريباً بزيارة إلى الولايات المتحدة لبحث مسألة شطب اسم السودان من قائمة "داعمي الإرهاب".
اشترطت الولايات المتحدة على لسان مسؤول أمريكي، الثلاثاء، اتخاذ القادة العسكريين الجدد خطوات ملموسة، مقابل استعداد واشنطن لسحب السودان من القائمة السوداء للدول الراعية للإرهاب.
وقال المسؤول الذي لم يكشف عن هويته، إن السبيل لإبطال التصنيف "قد يكون متوافراً إذا حصلت تغييرات أساسية في القيادة والسياسات، وفي حال كان المجلس العسكري الانتقالي لا يدعم نشاطات إرهابية دولية، حالياً وفي المستقبل"، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
لكن المسؤول لفت إلى أن الولايات المتحدة لا تفكر في شطب السودان من القائمة "في الوقت الراهن". وقال إن بلاده تشجع أيضاً المجلس العسكري على "التحرك بسرعة" لإشراك المدنيين في الحكومة الانتقالية وإجراء انتخابات، الأمر الذي يوضح عدم حزم واشنطن بالتعامل مع المجلس العسكري الانتقالي كممثل نهائي عن السودان.
إنذار آخر
عادت الولايات المتحدة لتذكر السودان بأن "تصنيفه كدولة راعية للإرهاب لا يزال ساري المفعول، ويتم تعليق مناقشات المرحلة الثانية من الحوار التي بدأت في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بين البلدين، بهدف تحسين التعاون وتيسير الإصلاحات الهادفة في السودان"، حسب بيان للخارجية الأمريكية، الخميس.
وتابعت "حان الوقت للتحرك صوب حكومة انتقالية شاملة تحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون".
واشنطن انضمت إلى الاتحادين الأوروبي والإفريقي في دعم مطالب الشعب السوداني في قيام سلطة مدنية تحل محل المجلس العسكري.
ويعتبر التنبيه الأمريكي الجديد بوجود السودان على قائمة الإرهاب، عبئاً جديداً يضاف إلى أعباء المجلس العسكري، ذلك أن واشنطن وضعت شرطاً لإزالة السودان عن القائمة، ألا وهو الانتقال المدني بحسب مطالب الشعب.
مخاوف واشنطن
يرى القانوني والخبير في العلاقات الدولية، حاتم الياس، أن "واشنطن بتجميدها المرحلة الثانية من الحوار تريد أن تنتظر الخطوات التى سيتخذها المجلس العسكري بشأن تسليم السلطة".
وأردف الياس لوكالة الأناضول بأن "مخاوف واشنطن ما زالت قائمة، فربما المجلس العسكري الجديد، الذي جاء بعد خلع البشير، يحمل داخله عناصر النظام القديم، بخاصة بعد رفض المجلس تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية".
وتابع بأن "واشنطن تريد تقييم مدى التزام المجلس المسار المدني، فأي حوار حالياً مع المجلس قد يعطي انطباعاً بأن واشنطن تريد استمراره في الحكم عكس الإرادة الشعبية".
التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية تشي بأن واشنطن حذرة في التعامل مع المجلس العسكري الانتقالي، على الرغم من أن إزاحة البشير عن الحكم مهدت لبناء العلاقات السودانية مع واشنطن من جديد، بشرط اكتمال انتقال السلطة من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية انتقالية.













