ما المهم: لم تتأثر حركة بيع السلاح من بريطانيا إلى السعودية في ذروة اشتعال قضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل في قنصلية بلاده بإسطنبول في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي، حيث يتضح أن لندن كانت تدين الجريمة علناً بينما تعقد صفقات أسلحة سرية مع الرياض.
المشهد: كشفت صحيفة الإندبندنتالبريطانية، الثلاثاء، أن حكومة المملكة المتحدة واصلت صفقات السلاح "سراً" مع السعودية في الأسابيع التي تلت مقتل خاشقجي، رغم إدانتها الرسمية لمقتله.
وأضافت الصحيفة أن مسؤولين في وزارة التجارة من المكلفين بإبرام صفقات السلاح الخارجية، ظلوا يعقدون اجتماعات رفيعة المستوى مع نظرائهم السعوديين لبحث الصفقات.
وذكرت أن وفداً من منظمة الدفاع والأمن، وهو مكتب تابع لإدارة التجارة الدولية يروّج لصادرات الأسلحة لشركات المملكة المتحدة، قام بالسفر إلى الرياض تحديداً في الفترة بين 14 و22 أكتوبر/تشرين الأول 2018، وفقاً لمعلومات حصلت عليها صحيفةالميرورالبريطانية.
وقد جاءت هذه الاجتماعات في ذات اليوم الذي أدان فيه وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، جريمة قتل خاشقجي "بأقوى العبارات الممكنة"، حسب خطابه أمام برلمان بلاده.
وصرح الوزير هانت يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي قائلاً "في الوقت الذي سوف تكون استجابتنا مدروسة فقد كنت واضحاً أيضاً في أنه إذا تبيَّن أن القصص المروعة التي نقرأها صحيحة، فإنها تتعارض جوهرياً مع قيمنا، وسنتصرَّف وفقاً لها".
وأعلن هانت أيضاً إلغاء زيارة مقررة لوزير التجارة ليام فوكس، إلى الرياض على خلفية القضية المشتعلة، لكنه لم يكشف استمرار الاجتماعات حول مبيعات الأسلحة.
الخلفيات والدوافع: تعرضت الحكومة البريطانية لانتقادات واسعة قبل حادثة خاشقجي على خلفية تزويدها السعودية بالسلاح في حربها التي تقودها باليمن، وازدادت حدة هذه الانتقادات بعد الحادثة، وارتفعت أصوات مطالبة بوقف تصدير السلاح للرياض.
وشهدت العاصمة البريطانية العام الماضي تظاهرات لمؤسسات حقوقية ومدنية تطالب بوقف بيع الأسلحة للسعودية والإمارات، بسبب استخدامها ضد أهداف مدنية في اليمن.
وأسفر القتال في اليمن عن سقوط ما لا يقل عن 10.000 مدني -معظمهم كانوا ضحايا الغارات الجوية التي قام بها التحالف الذي تقوده السعودية- وخلَّف ما يقرب من 16 مليون شخص على حافة المجاعة، حسب صحيفة الإندبندنت وبيانات الأمم المتحدة.
وكان البرلمان الأوروبي أصدر قراراً غير ملزِم بفرض حظر أوروبي على بيع الأسلحة للسعودية على خلفية جريمة قتل خاشقجي في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ونص القرار على وقف الصادرات التي على شاكلة "أنظمة المراقبة وغيرها من الأجهزة التي يمكن استخدامها لأغراض القمع في السعودية".
وعُدّت ألمانيا أول دولة غربية تتخذ قراراً بوقف بيع الأسلحة للرياض على خلفية مقتل خاشقجي، وتبعتها في ذلك النرويج، ما وضع لندن في حرج بسبب الضغوط المتزايدة لإعادة تقييم علاقاتها مع الرياض، وخاصة في ملف التسليح.
وكانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تعهدت بأن تكون "صارمة" خلال لقائها وليَّ العهد السعودي على هامش قمة العشرين، والذي سيتناول قضية اليمن ومقتل خاشقجي.
وعقب اللقاء قال مكتب ماي إنها طلبت من ولي العهد السعودي اتخاذ إجراءات لمنع تكرار حوادث مثل حادثة مقتل خاشقجي.
بين السطور: تُعَد بريطانيا ثاني أكثر الدول تصديراً للأسلحة إلى السعودية بعد الولايات المتحدة، بحسب معطيات مؤسسة ستوكهولم الدولية لأبحاث السلام.
ومنذ أن بدأت الحرب في اليمن قامت المملكة المتحدة ببيع ما قيمته 4.7 مليارات جنيه إسترليني من الأسلحة للقوات السعودية، ما يجعلها أكبر مستهلك للأسلحة البريطانية في العالم.
وهددت القرارات الأوروبية صفقات تسليحية هامة للسعودية منها موافقة ألمانيا على صادرات أسلحة إلى السعودية تتجاوز قيمتها 462 مليون دولار مطلع العام الماضي.
وتجاوزت قيمة مبيعات الأسلحة من دولة فرنسا إلى السعودية 500 مليون يورو العام الماضي، حيث تعد المملكة في الفترة ما بين عامي 2012 و2016 ثاني أكبر مُشترٍ للأسلحة من فرنسا بعد دولة الهند.
ما التالي: يرى علي الدبيسي مدير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن الإدانات الغربية الحكومية ليست بالضرورة أن تنتج عنها مواقف حقيقية.
وأضاف الدبيسي في تصريحات لـTRTعربي "هذه الحكومات ترى في السعودية عميلاً أساسياً لشركات السلاح وتبني خططاً اقتصادية على ذلك".
وفيما يتعلق ببريطانيا أشار إلى أن "ثمة معركة داخلية بسبب البريكست، والخطط الاقتصادية تعوّل في بعض جوانبها على متانة العلاقات مع دولة نفطية مستهلكة كالسعودية".
وقال "بريطانيا شريك أساسي لدول عربية ذات أنظمة قمعية كثيرة، وليست السعودية فقط، ولا يجب أن نتفاجأ بالسلوك البريطاني المتناقض في مسألة خاشقجي".
واستكمل الدبيسي "بريطانيا ليست وحدها في تراجعها عن مواقفها؛ فالتناقض والتحايل سيد الموقف في قضية تصدير الأسلحة من الولايات المتحدة وكندا وغيرها".
وأوضح "السعودية هي الأخرى تستخدم صفقات سلاح في توطيد علاقاتها بالدول الغربية، وهو سلوك سعودي معروف، وهو ما يعني أن الرغبة متبادلة بدوافع اقتصادية".





















