آراء
تركيا
5 دقيقة قراءة
داخل معرض "ساها".. كيف تفكر الصناعات الدفاعية التركية؟
مجموعة من الملاحظات دوَّنتها خلال تجولي في معرض "SAHA" للصناعات الدفاعية، الذي أُقيم في مدينة إسطنبول بين 5 و9 مايو/أيار الجاري.
داخل معرض "ساها".. كيف تفكر الصناعات الدفاعية التركية؟
يبدو واضحاً أن الظروف الجيوسياسية المحيطة بتركيا، والحروب الدائرة في محيطها الإقليمي، باتت تؤثر بصورة مباشرة في مسار الصناعات الدفاعية التركية / AA
بواسطة عمر الصفدي

على مدار يومين، تنقلت بين أجنحة الشركات المشاركة، وراقبت طبيعة المنتجات المطروحة، وسجلت ملاحظات قد تبدو متفرقة في ظاهرها، لكنها تعكس في مجملها صورة واضحة عن الاتجاهات التي تتحرك نحوها الصناعات الدفاعية التركية اليوم.

فالمعرض لم يكن مجرد مساحة لعرض الأسلحة والتقنيات الجديدة، بقدر ما شكّل نافذة لفهم أولويات أنقرة الدفاعية في ظل التحولات الإقليمية والحروب الدائرة في محيطها. ويمكن اختصار هذه الأولويات في مسارين رئيسيين: الأول يتمثل في تطوير أدوات ومنصات قادرة على تحقيق الردع، وفي مقدمتها الصواريخ بعيدة المدى والدرونات الهجومية والانتحارية. أما المسار الثاني، فيقوم على تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج، عبر توسيع القدرة المحلية على تصنيع المكونات والأنظمة الفرعية اللازمة للصناعات الدفاعية.

رسائل وضرورات 

يبدو واضحاً أن الظروف الجيوسياسية المحيطة بتركيا، والحروب الدائرة في محيطها الإقليمي، باتت تؤثر بصورة مباشرة في مسار الصناعات الدفاعية التركية. فالأمر لم يعد مجرد ملاحظة عامة، بل تحول إلى عامل ضاغط يدفع الصناعة التركية نحو مسارات محددة تفرضها طبيعة التهديدات والتحولات العسكرية المتسارعة.

ويبرز كل من النموذجين الأوكراني والإيراني بوصفهما من أبرز الأمثلة التي استخلصت منها أنقرة دروساً مهمة. فالتهديدات التي كشفتها هذه الحروب دفعت صانع القرار التركي، وكذلك الشركات الدفاعية، إلى إعادة توجيه أولوياتها، أو على الأقل منح أهمية أكبر لتقنيات لم تكن تحظى سابقاً بالمستوى نفسه من الاهتمام.

ومن أبرز التحولات التي ظهرت في هذا السياق، توجه تركيا نحو تطوير أدوات يمكن وصفها بأنها أدوات "قوة ردع" قادرة على إظهار القدرة على الوصول إلى مسافات بعيدة وإحداث تأثير كبير. ويشمل ذلك العمل على الصواريخ العابرة للقارات، والصواريخ فرط الصوتية "هايبرسونيك"، والدرونات الانتحارية، إضافة إلى الدرونات منخفضة التكلفة.

ولا يقتصر دور هذه المنظومات على الاستخدام العسكري المباشر، بل يحمل أيضاً رسائل ردع مبطنة، مفادها أن تركيا تمتلك القدرة على إلحاق أضرار مؤثرة من مسافات بعيدة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون بعض هذه المشاريع قد وصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، إذ يقتصر الأمر على الإعلان عن العمل عليها وتطوير تقنياتها الأساسية.

ويظهر ذلك بوضوح في الإعلانات المتعلقة بمشاريع الصواريخ الباليستية، إذ يشير مختصون إلى أن بعض هذه المشاريع لم يكتمل بعد بصورة نهائية، لكن الإعلان عنها يهدف إلى إيصال رسالة بأن تركيا تعمل بالفعل على امتلاك التقنيات التي تتيح الوصول إلى هذه القدرات مستقبلاً.

فعلى سبيل المثال، يجري العمل على تطوير تقنيات الوقود الصاروخي السائل ومحركات "الهايبرسونيك"، وهي مكونات أساسية تشكل في مجموعها القاعدة التي يُبنى عليها المنتج النهائي لاحقاً.

وبطبيعة الحال، هناك فرق بين النجاح في تطوير المكونات الفرعية، وبين الوصول إلى منظومة متكاملة جاهزة للاستخدام العملياتي، لكن مجمل هذه المشاريع يعكس توجهاً استراتيجياً ورسالة واضحة إلى الخصوم المحتملين، مفادها أن تركيا تعمل على بناء قدرات يمكن تسريع تطويرها وتحويلها إلى أدوات جاهزة إذا فرضت الظروف مواجهة مباشرة في المستقبل.

الإنتاج الكمي 

باتت تركيا تتجه بصورة متزايدة نحو المجالات القائمة على الإنتاج الكمي واسع النطاق، بما يتيح لها تحقيق الاكتفاء الذاتي، أو على الأقل الحد الأدنى منه، في القطاعات الحساسة. وفي الوقت نفسه، يمنحها ذلك فرصة للتحول إلى مورد للشركاء والحلفاء، عبر توفير مكونات ومنتجات قد تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تُعد أساسية في أي حرب أو صناعة دفاعية.

ويشمل ذلك الذخائر، والأسلحة الصغيرة والمتوسطة، والملابس العسكرية، وهي جميعها احتياجات أساسية لأي جيش وتُستهلك بكميات ضخمة خلال الحروب. لذلك، يبرز في تركيا عدد متزايد من الشركات العاملة في مجال الأسلحة الصغيرة، إلى جانب شركات كبرى مثل "MKE" المتخصصة في إنتاج الذخائر بمختلف أنواعها.

كما باتت شركات تركية عديدة تعرض قدراتها على إنتاج ذخائر من عياري 105 و155 ملم، إضافة إلى قذائف الهاون بمختلف العيارات، وهي ذخائر مرتبطة بالحروب التقليدية واسعة النطاق. وهذا يمنح تركيا قدرة على تأمين احتياجاتها المحلية في حالات الطوارئ والحروب، وفي الوقت ذاته يتيح لها لعب دور المورد للحلفاء والشركاء وحتى الأسواق الخارجية.

وفي موازاة ذلك، أصبح واضحاً أن تركيا تعمل على تطوير الأنظمة الفرعية في عدد كبير من المجالات الدفاعية والتقنية. فعلى سبيل المثال، عرضت شركة "Sky Dagger" أعمالها في تطوير المحركات الكهربائية الصغيرة الخاصة بمسيّرات FPV، فيما تعمل شركات أخرى على تطوير متحكمات المحركات والإلكترونيات المسؤولة عن التحكم بالطيران.

أما شركة "أسيلسان"، فتواصل تطوير طيف واسع من الأنظمة الإلكترونية المتخصصة، تشمل الرادارات، وأنظمة الاتصالات، والتشويش، وتحديد مصادر الإشعاع، وهي جميعها أنظمة فرعية، تُبنى عليها المنتجات النهائية الأكثر تعقيداً.

ويختلف هذا التوجه عن نموذج الاعتماد على استيراد المكونات الفرعية الجاهزة من الخارج ثم الاكتفاء بتركيبها محلياً. كما يبرز أيضاً دور الشركات التركية العاملة في تصنيع البطاريات، التي تسهم مع بقية الشركات في توفير المكونات الأساسية اللازمة لصناعة المسيّرات، من النوع المستخدم بكثافة في ساحات مثل لبنان وأوكرانيا.

ففي نهاية المطاف، تقوم صناعة هذه المسيّرات على عناصر أساسية تشمل البطارية والمتحكمات والمحركات وبدن الطائرة. وعندما تصبح هذه المكونات متوافرة محلياً، فإن ذلك يمنح تركيا استقلالية أكبر ويقلل اعتمادها على الأسواق الخارجية أو الموردين الدوليين، مثل الصين وغيرها.

وفي السياق نفسه، اتجهت بعض الشركات التركية إلى تطوير منتجات تعتمد على مواد أولية سهلة التوفر محلياً. فعلى سبيل المثال، عرضت إحدى الشركات مسيّرات ثابتة الجناح، جرى تصنيع بدنها من الفلين الصناعي، وهي مادة متوافرة بكثرة، ويسهل الحصول عليها من الأسواق المدنية.

وتمنح هذه المقاربة قدرة كبيرة على التصنيع الكمي السريع، إذ يمكن إنتاج أعداد ضخمة من الهياكل يومياً عبر عمليات تصنيع بسيطة نسبياً، مع إمكانية توسيع خطوط الإنتاج بسهولة، بل إشراك مصانع مدنية في عملية التصنيع.

ويعكس ذلك توجهاً لتقليل الاعتماد على المواد المعقدة مرتفعة التكلفة، مثل ألياف الكربون أو المعادن النادرة، التي ترتبط غالباً بسلاسل توريد خارجية وتجعل الإنتاج أكثر تعقيداً.

وفي الإطار ذاته، برزت شركة "DeltaV"، المتخصصة في مجال الصواريخ، من خلال عملها على تطوير محركات تعمل بوقود هجين يجمع بين الوقود السائل والصلب.

هذا المحرك يعتمد على شمع البارافين كوقود صلب والأوكسجين السائل كمؤكسد، وهي مواد متاحة بشكل واسع لا تقترن بالحاجة لاستيراد مواد أولية.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن المكونات المستخدمة في هذا النوع من الوقود متوافرة محلياً، بخلاف أنواع الوقود التي تتطلب استيراد مكوناتها الأساسية من الخارج، سواء من الصين أم من دول أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.




مصدر:TRT Arabi
اكتشف
الصين تدعو باكستان لتكثيف الوساطة بين واشنطن وطهران ومعالجة أزمة مضيق هرمز
البنتاغون: الحرب على إيران كلّفت حتى الآن 29 مليار دولار وقد ترتفع إلى 50 ملياراً
طهران ترفض اتهامات الكويت بشأن محاولة التسلل وتصفها بـ"العارية عن الصحة"
بفعل أسعار الطاقة.. التضخم الأمريكي يسجل أعلى مستوى في 3 سنوات خلال أبريل
حزب الله يعلن تنفيذ 6 عمليات ضد قوات وآليات إسرائيلية جنوبي لبنان.. وحريق بمستوطنة مرغليوت
"تقارير مضللة".. إسلام آباد تنفي إرسال طهران طائرات عسكرية إلى قاعدة جوية باكستانية
"تسلّلوا بحراً".. الكويت تعلن توقيف عناصر من الحرس الثوري بعد اشتباك في جزيرة بوبيان
المرة الأولى منذ إعلان التهدئة.. جيش الاحتلال يعلن اعتراض مسيّرة أُطلقت تجاه إيلات
فيدان: التوسع الإسرائيلي هو المشكلة الأولى بالمنطقة.. وقطر: ندعم وساطة باكستان لوقف حرب إيران
ستارمر يؤكد استمراره في رئاسة الحكومة البريطانية رغم المطالبات بالاستقالة
أمين عام حزب الله يؤكد استمرار "الدفاع عن لبنان أمام العدوان" ويطالب الحكومة بوقف المفاوضات المباشرة
في إطار زيارته لقطر.. فيدان يلتقي الأمير تميم في الدوحة
الأمم المتحدة: مقتل 880 سودانياً في 4 أشهر جراء هجمات بطائرات مسيّرة
العراق ينفي وجود قواعد أجنبية غير مصرح بها في أراضيه تزامناً مع تفقد رئيس الأركان منطقة "النخيب"
جيش الاحتلال يعلن إصابة 8 عسكريين جنوبي لبنان ويدعي مهاجمة 1100 هدف لحزب الله