يرى بلينكن الذي يترأس الدبلوماسية الأمريكية في إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن وزيراً للخارجية أن المصداقية تعتبر ركيزة أساسية لمكانة الولايات المتحدة في النظام العالمي، وهي الدولة التي تعتبر فيه القوة العظمى الوحيدة. ويرى أن إبقاء الولايات المتحدة متمتعة بهذه المكانة يتوقف على قدرتها على استعادة مصداقيتها في العالم. ففي وقت الأزمات كما كتب بلينكن "تصبح المصداقية هي العملية الأكثر قيمة للرئيس الأمريكي. يمكن للشريك الأجنبي أن يشكك في حكم الرئيس ولكن الأمر يصبح أكثر إرهاقاً عندما يشكك هذا الشريك بكلمات الرئيس".
تمثلت سياسة ترمب التي قضمت من مصداقية الولايات المتحدة، بترويجه الممنهج لنظرية المؤامرة التي يشنها عليه -كما كان يدعي- العالميون ووسائل الإعلام الرئيسية والليبراليون في الدولة العميقة والديمقراطيون، وقد كان لاستخدامه منصات التواصل الاجتماعي خصوصاً منصة توتير أثر فعال في الترويج لآرائه حول نظرية المؤامرة والأخبار الكاذبة وحملات التضليل.
ومع اتباعه سياسة خشنة مع حلفائه تعزَّز دور ترمب في تهشيم مصداقية الولايات المتحدة، فسحب الكثير من جنود المارينز المتمركزين بألمانيا وهي من أهم حلفاء أمريكا بأوروبا ودرعها الواقي تجاه تمدد روسيا غرباً، وانسحب أيضاً من العديد من الاتفاقيات الدولية، والثنائية، كاتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني واتفاقية الشراكة عبر المتوسط وغيرها، وهي الاتفاقيات التي رعتها الولايات المتحدة وشكلت في كثير من الأوقات الانعكاس العملي للنظام الذي أنشأته الولايات المتحدة بُعيد الحرب العالمية الثانية.
في المقابل اقترب ترمب بطريقة أثارت الجدل داخلياً وخارجياً من بعض خصوم الولايات المتحدة التقليديين خصوصاً روسيا، التي ساهمت وفق الكثير من الادعاءات بدعم وصول الرئيس السابق ترمب إلى البيت الأبيض. وقد حملت مواقف ترمب المؤيدة للرواية الروسية على حساب التقييمات الاستخباراتية للوكالات الأمريكية صدمة لدى الشارع الأمريكي والعالم. فعلى الرغم من تأكيد وكالة الاستخبارات المركزية الادعاءات المتعلقة بدفع روسيا مبالغ مالية لاستهداف الجنود الأمريكان في أفغانستان، استمر الرئيس السابق ترمب على موقفه بإنكار هذه الادعاءات واعتبارها غير جديرة بالذكر.
برهنت حملة ترمب في التشكيك بالانتخابات الأمريكية والترويج لكونها انتخابات مزورة وتحريض أتباعه لاقتحام الكونجرس وهو ما جرى في الأربعاء الأسود، على المدى الذي قد يصل إليه الرئيس السابق في تمريغ المصداقية الأمريكية بالوحل. فلأول مرة بتاريخ الولايات المتحدة يُقتحم صرح الديمقراطية بهذا الشكل من قبل الرعاع، ليس هذا وحسب بل وبتحريض مباشر من الرئيس كما يرى الكثيرون. ولا شك أن هذه الحادثة أضرت بصورة أعرق مؤسسة ديمقراطية في العالم.
يرى بلينكن أن سياسة ترمب التي أسهمت في قضم مصداقية الولايات المتحدة حرمت الإدارة الأمريكية من البناء الإيجابي على بعض المكاسب التي نتجت جراء اتخاذ بعض القرارات الخارجية مثل عملية معاقبة نظام الأسد على قصف المدنيين بالغاز السام. فمع استثمار نظام الأسد وبدعم من الرئيس بوتين، بالرواية المضادة عبر جيوشهم الإلكترونية، وما وفَّرته لهم البنية التحتية الافتراضية القوية في الترويج لعمليات التضليل والأخبار الزائفة، فقد استطاعوا أن يضعفوا مصداقية الرواية الأمريكية التي تحدثت بالأساس عن مسؤولية نظام الأسد عن قتل الأطفال بالغاز السام.
في النهاية وقف العالم أمام روايتين متناقضتين، وفي الوقت الذي لا يؤمن العالم كثيراً بالرواية السورية-الروسية، فإنه لم يكن على ثقة كبيرة بالرواية الأمريكية، فالضرر الذي تسبب به الرئيس ترمب لمصداقية الولايات المتحدة كان قد وقع. في النهاية امتلك رئيس النظام السوري بسبب ذلك، الثقة ليخرج على الإعلام ويقول: نحن لا نعرف أين قتل هؤلاء الأطفال، أو إذا ما كانوا قد قُتلوا أصلاً؟".
يرى خبراء أن مصداقية الولايات المتحدة في العالم لم تبدأ بالتآكل مع ولاية الرئيس السابق ترمب بل بدأت قبل ذلك بأعوام كثيرة وإن كان ترمب سرَّع عملية التآكل هذه، واستخدم لذلك أدوات ربما لم تكن متاحة في السابق كمنصات التواصل الاجتماعي. ويُرجع البعض بداية التآكل الحقيقي لمصداقية أمريكيا دولياً إلى عهد إدارة جورج بوش الابن التي مارست الفبركة على مستوى عالٍ لتبرير حربها على العراق وإسقاط نظام صدام حسين.
كانت الولايات المتحدة على موعد مع حقيقة مرة بعد إسقاط النظام العراقي، إذ تبدَّى للعالم أجمع زيف ادعاءاتها حول امتلاك نظام صدام حسين برنامج أسلحة كيماوية، كما حاول إثبات ذلك قبل عدة أشهر من الحرب كولن باول وزير الخارجة آنذاك في خطابه الشهير بالأمم المتحدة وباستخدام الرسوم التوضيحية. كما ثبت زيف الادعاء المتعلق بوجود علاقة بين تنظيم القاعدة ونظام صدام حسين من خلال صلة الوصل المتمثلة بأحد كوادر القاعدة آنذاك الملقب بأبي مصعب الزرقاوي، وهو ادعاء أثبتت العديد من المصادر المستقلة زيفه كمؤلف كتاب "السلطة السوداء: الدولة الإسلامية واستراتيجيو الإرهاب" كريستوف رويتر.
عاودت مصداقية الولايات المتحدة الانتعاش مجدداً مع مجيء الرئيس باراك أوباما وتبنيه سياسة تعددية وأكثر تصالحية مع العالم الخارجي خصوصاً مع العالم الإسلامي بعد أن تضررت العلاقات بفعل الحروب التي خاضتها إدارة سلفه الرئيس بوش في كل من أفغانستان والعراق. فقد كانت أول محطة خارجية له كرئيس للولايات المتحدة في القاهرة حيث ألقى خطابه الشهير أمام مدرجات جامعتها العريقة، ثم توجه بعد ذلك إلى تركيا وتحديداً مدينة إسطنبول التي زار فيها أحد أبرز مساجدها وهو مسجد السلطان أحمد.
ولكن ومع مرور الوقت كانت إدارة الرئيس أوباما أمام امتحان كبير حيث اندلعت ثورات الربيع العربي التي طالبت بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كان تردُّد إدارة أوباما بدعم الثورات في بدايتها مؤشراً على تضارب واضح ما بين المصالح المتصورة للولايات المتحدة في المنطقة وبين مبادئها التي لطالما نادت بها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. فبعد الموقف الداعم لنظام الرئيس المصري حسني مبارك في بداية الثورة المصرية تحولت إدارة الرئيس أوباما إلى موقف داعم للثورة بشكل خجول عندما طالبت الرئيس مبارك لاحقاً بالتنحي.
وكما يرى خبراء فإن عزم إدارة أوباما في دعم التحول الديمقراطي بمنطقة الشرق الأوسط لم يكن جاداً. فمن ناحية اعترفت بالانقلاب العسكري ضد الرئيس المصري محمد مرسي المنتخب ديمقراطياً، وتوارت بالخلف وراء الحملة الفرنسية-البريطانية لضرب قوات الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. أما ثالثة الأثافي فكانت عودة الرئيس أوباما عن خطوطه الحمراء في الأزمة السورية حينما انتهكها نظام الرئيس بشار الأسد باستخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين.
ومع مجيء الرئيس بايدن بات العديد من الأوساط على المستوى الدولي يطرح تساؤلاً حول قدرى الرئيس الجديد على ترميم مصداقية الولايات المتحدة على المسرح الدولي.
البعض يرى أن اختيار الرئيس بايدن لشخصية من طراز أنتوني بلينكن يهدف بالأساس إلى تحقيق هذا الهدف، أي إعادة الاعتبار إلى الولايات المتحدة دولياً. ومن هنا فقد تساءل العديد من المراقبين حول الإمكانيات أو المؤهلات التي يملكها بلينكن لتحقيق هذا الهدف أو الاقتراب من تحقيقه على أقل تقدير.
بادئ ذي بدء ينتمي بلينكن إلى المدرسة العولمية. فهو يؤمن بالسياسة متعددة الأطراف multilateralism والانخراط النشط بالقضايا الدولية. فهو من هذه الناحية يقطع مع سياسة إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب التي اتبعت سياسة انعزالية أحادية الجانب. وهذا يعني أن إدارة الرئيس بايدن ستعمل من جانب لتعزيز علاقتها مع المؤسسات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظمة العالمية وتعيد الانخراط مع المعاهدات الدولية، ومن جانب آخر ستعيد الشراكات الثنائية مع حلفائها الدوليين وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي.
فوزير الخارجية الجديد يتمتع بعلاقات ممتازة مع الأوروبيين، إذ يتقن الفرنسية بطلاقة وقد عاش جزءاً يسيراً من طفولته بفرنسا وتعلم بواحدة من أبرز مدارس باريس (École Jeannine Manuel) التي ترتادها بالعادة نخبة المجتمع الفرنسي، وذلك بعد أن انتقل إليها على إثر طلاق والديه وزواج والدته لاحقاً من صمويل بيسار وهو محامي أمريكي من أصل بولندي وأحد الناجين من الهولوكوست، الذي سيكون له الأثر بتشكيل وعي الطفل بلينكن بالمحرقة اليهودية خصوصاً من خلال مذكراته التي كتبها بعنوان "عن الدم والأمل". هذا مع العلم أن بلينكن ولد بالأصل لوالدين يهوديين.
جنباً إلى جنب مع إيمانه بسياسة تعدد الأطراف يؤمن بلينكن بالسياسة التدخلية. فهو يرى أن الدبلوماسية قد تؤتي ثمارها فقط بحال كانت تستند إلى قوة عسكرية رادعة. فعندما كان بلينكن نائباً لوزير الخارجية بإدارة الرئيس أوباما دعا لمزيد من التدخل الأمريكي القوي بالأزمة السورية والليبية. كما كان مساعداً مقرباً من الرئيس بايدن في فترة خدمته بالكونجرس على رأس لجنة الشؤون الخارجية عند غزو العراق 2003. وقد أكد بمقال له نشره مركز Brookings هذه المعاني وأكد أن إدارة الرئيس أوباما سعت في سوريا عن حق "لتجنب عراق آخر من خلال عدم القيام بالكثير، ولكننا ارتكبنا الخطأ المعاكس المتمثل بالقليل للغاية".
أخيراً يتمتع بلينكن بخبرة كبيرة في العمل الدبلوماسي، ويعتبر ملماً بشكل واسع بدهاليز السياسة في واشنطن. ففي التسعينيات عمل كاتباً للخطابات في مجلس الأمن القومي وشغل منصب مساعد نائب الرئيس للشؤون الحكومية الدولية إبان ولاية الرئيس أوباما، ومن 2013 إلى 2017 شغل منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون التعليمية والثقافية.
كما ينحدر بلينكن من عائلة ضليعة بالعمل الدبلوماسي، فوالد بلينكن عمل سفيراً للولايات المتحدة في المجر، بينما عمل عمّه سفيراً ببلجيكا. أما أخته غير الشقيقة فعملت مديرة اتصالات مجلس الأمن القومي بإدارة كلينتون. أما زوج أمه وهو أكثر من أثر على شخصيته فعمل مستشاراً للرئيس جون كينيدي والعديد من الرؤساء الفرنسيين.
يتوقع الخبراء أن تسهم خبرات بلينكن ومؤهلاته بإعادة ضبط عقارب السياسة الخارجية الأمريكية نحو مزيد من تبنِّي السياسة تعددية الأطراف ولكن بنفَس تداخلي أكثر مما كانت عليه بفترة أوباما. ربما يكون التقارب والتناغم الكبير بين بلينكن والرئيس بايدن نتاج سنوات طويلة من العمل معاً. هذا يعني أن علاقة الولايات المتحدة مع شركائها الأطلسيين وكذلك مع حلفائها في الباسفيك ستتعزز من جديد. إن ترميم علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها وإعادة الاعتبار إلى مصداقيتها الدولية سيفتح الباب لإعادة توجيه طاقتها نحو التصدي لصعود الصين واحتواء سياسات روسيا بأوروبا بشكل خاص والتعاطي بفاعلية في ملفات الشرق الأوسط وعلى رأسها ملف النووي الإيراني والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والصراع السوري.











