الحضور الإسرائيلي في إفريقيا (2).. دعم الحركات الانفصالية
سياسة
6 دقيقة قراءة
الحضور الإسرائيلي في إفريقيا (2).. دعم الحركات الانفصاليةشكّلت القارة الإفريقية لإسرائيل مجالاً مارست فيه نشاطات أمنية وسياسية متعددة المستويات، جمعت بين العمل السري وبناء شبكات نفوذ مع قوى محلية متباينة، من دول وأنظمة إلى أقليات عرقية ودينية وحركات انفصالية.
يُعد دعم إسرائيل للحركة الانفصالية في جنوب السودان المثال الأبرز والأكثر نجاحاً في تطبيق عقيدة الأطراف على المدى الطويل / Reuters
منذ 4 ساعات

وبرز "تصدير الأمن" بوصفه إحدى أبرز أدوات الحضور الإسرائيلي في القارة، ضمن مقاربة تتجاوز العلاقات التقليدية إلى توظيف الأمن بوصفه مدخلاً للنفوذ السياسي.

تعود جذور هذه المقاربة إلى ما عُرف بـ"عقيدة الأطراف" التي تبلورت في منتصف خمسينيات القرن العشرين، في ظل صعود التيار القومي العربي بقيادة مصر. وقد صاغ هذه الرؤية ديفيد بن غوريون بمشاركة مستشاره للشؤون العربية إلياهو ساسون، انطلاقاً من تصور استراتيجي يقوم على كسر العزلة الجغرافية والسياسية عبر بناء تحالفات خارج المحيط العربي المباشر.

جنوب السودان 

يُعَدّ دعم إسرائيل للحركة الانفصالية في جنوب السودان المثال الأبرز والأكثر نجاحاً في تطبيق عقيدة الأطراف على المدى الطويل. 

بدأ هذا الاهتمام منذ أوائل الستينيات، عندما رأت إسرائيل في "تمرد" الجنوب فرصة ذهبية لفتح جبهة استنزاف دائمة ضد السودان، الحليف الاستراتيجي لمصر في حوض النيل، ومنع إدماج الوحدات العسكرية السودانية في الجيش المصري خلال حروب الاستنزاف التي كانت تجري على ضفة قناة السويس التي كانت محتلة من الجيش الإسرائيلي.

في عام 1969 أرسل الموساد الإسرائيلي بعثة سرّية إلى جنوب السودان بقيادة ضابط العمليات ديفيد بن عوزيل، الذي عُرف في الأدغال السودانية باسم الجنرال جون أو تارزان. كانت المهمة واضحة ومحددة: تقييم قدرات حركة أنيانيا (التي تعني “سم الأفعى” بلغة المادي)، وتقديم الدعم العسكري واللوجستي لها لضمان استمرار القتال ضد الحكومة المركزية في الخرطوم. 

وثقت التقارير الاستخباراتية أن إسرائيل لم تكتفِ بتوريد السلاح، بل أقامت معسكرات تدريب لرفع كفاءة المقاتلين الجنوبيين في فنون حرب العصابات، وشمل الدعم شحن الأسلحة عبر إثيوبيا وأوغندا.

لعب بن عوزيل دوراً محورياً، ليس فقط بصفته مدرباً عسكرياً، بل بصفته منسقاً سياسياً عمل على توحيد الفصائل المتناحرة تحت قيادة جوزيف لاقو، مدركاً أن الوحدة هي السبيل الوحيدة لنجاح الحركة الانفصالية.

بعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، شهدت العلاقات فترة من الهدوء النسبي، لكنها تجددت بقوة مع اندلاع الحرب الثانية في عام 1983 بقيادة جون قرنق الذي تولى قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. رأت إسرائيل في قرنق قائداً يتمتع برؤية استراتيجية واضحة، فاستمرت في تقديم الدعم الفني والاستخباراتي، ومع وفاة قرنق في عام 2005، حافظ خليفته سلفا كير ميارديت على هذه الروابط المتينة، وصولاً إلى الانفصال وإعلان استقلال الدولة في عام 2011.

كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية جنوب السودان، واختار سلفا كير تل أبيب لتكون وجهته في أول زيارة دبلوماسية رسمية له، مما عكس عمق الامتنان للدعم التاريخي الذي قدمته إسرائيل للحركة الانفصالية. 

نيجيريا ودعم حرب بيافرا 

مثلت الحرب الأهلية النيجيرية واحدة من أكثر الحالات تعقيداً وتناقضاً في السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا، فقد أدركت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن دعم الانفصال في نيجيريا يمثل مغامرة خطيرة، فنيجيريا هي الدولة الأكبر في إفريقيا، وأي اعتراف رسمي ببيافرا قد يؤدي إلى قطيعة دبلوماسية شاملة مع الدول الإفريقية التي كانت تخشى من "تأثير الدومينو" للحركات الانفصالية داخل حدودها.

ولحل هذه المعضلة، تبنّت إسرائيل سياسة العمل في المسارين، الأول: الدعم السري العسكري لبيافرا، حيث زودت الانفصاليين بأسلحة ومعدات عسكرية بشكل سري، مستجيبة للضغوط الشعبية والحاجة لترسيخ نفوذها لدى الأقليات القوية.

ذات صلةTRT عربي - الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي.. الأمن والاستخبارات والرسالة التاريخية (1)

والثاني: المساعدات الإنسانية العلنية، حيث كانت إسرائيل رائدة في الجسر الجوي الإنساني لبيافرا، مما وفر لها غطاءً أخلاقياً عالمياً سمح لها بالنشاط في الإقليم دون استعداء لاغوس بشكل علني ومباشر. 

كما استمرت إسرائيل في بيع بعض أنواع الأسلحة للحكومة الفيدرالية النيجيرية لضمان عدم انهيار العلاقات الدبلوماسية تماماً، في نموذج كلاسيكي للواقعية السياسية التي تضع المصالح الاستراتيجية فوق الاعتبارات العاطفية.

انتهت الأزمة بهزيمة بيافرا في عام 1970، لكنها تركت إرثاً من "التعاطف المتبادل" بين إسرائيل وشعب الإيغبو، وهو ما يتجلى اليوم في بروز حركات مثل "شعب بيافرا الأصلي" التي ترفع العلم الإسرائيلي في مظاهراتها وتطالب بالاستقلال بناءً على سردية تاريخية تربطهم بالأصول اليهودية.

إثيوبيا وإريتريا

كانت إثيوبيا في عهد الإمبراطور هيلي سلاسي حجر الزاوية في عقيدة الأطراف الإسرائيلية. وباعتبارها دولة مسيحية ذات جذور تاريخية ودينية مشتركة، كانت إثيوبيا الحليف المثالي لمواجهة التمدد الناصري وتأمين المخرج الجنوبي لإسرائيل عبر البحر الأحمر.

في الستينيات، دعمت إسرائيل الحكومة الإثيوبية بقوة في حربها ضد جبهة التحرير الإريترية. كان الدافع الإسرائيلي هو الخوف من تحول الساحل الإريتري الطويل (أكثر من 1000 كم) إلى منطقة نفوذ عربية، خصوصاً أن الحركات الإريترية في بداياتها تلقت دعماً من مصر وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، ورفعت شعارات تعتبر البحر الأحمر "بحيرة عربية"، حيث أرسلت إسرائيل مئات المستشارين العسكريين لتدريب قوات النخبة الإثيوبية ووحدات الكوماندوز البحري، وأشرف ضباط إسرائيليون على مدارس التدريب العسكري في ديكاماري .

كما ترددت اتهامات دولية وعربية لإثيوبيا بمنح إسرائيل قواعد رصد في جزر دهلك لمراقبة الملاحة في باب المندب، وهو ما نفته أديس أبابا رسمياً، لكن التقارير الاستخباراتية أكدت وجود مراكز رصد معلومات وقوات كوماندوز صغيرة هناك.

بعد سقوط النظام الإمبراطوري ثم نظام منغستو، واستقلال إريتريا في عام 1993، سارعت إسرائيل إلى تكييف عقيدة الأطراف مع الواقع الجديد. وبدلاً من استمرار العداء، سعت لبناء علاقة استراتيجية مع نظام أسياس أفورقي، الذي تلقى العلاج في إسرائيل في بداية حكمه، لضمان أمن الملاحة ومنع تحول إريتريا إلى قاعدة خلفية للقوى المعادية. هذا التحول يثبت أن عقيدة الأطراف ليست جامدة في اختيار حلفائها، بل هي وسيلة لتحقيق هدف ثابت: تأمين المصالح الحيوية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

موبوتو والاعتماد على الخبرة الأمنية

تمثل حالة الكونغو في عهد موبوتو سيسي سيكو فصلاً مهماً من فصول التغلغل الأمني الإسرائيلي الذي تجاوز القطيعة الدبلوماسية الرسمية. فعلى الرغم من أن موبوتو قطع العلاقات مع إسرائيل بعد حرب 1973 تحت ضغوط منظمة الوحدة الإفريقية، فإن التعاون الأمني الاستراتيجي استمر كقناة خلفية قوية.

أوكل موبوتو مهمة حمايته الشخصية وحماية نظامه من الانقلابات العسكرية المتكررة إلى مستشارين إسرائيليين قاموا بتدريب "الفرقة الخاصة الرئاسية" .

كانت هذه الفرقة هي العمود الفقري للنظام، والقوة الوحيدة التي كانت تتمتع بتدريب عالٍ ومعدات متطورة ورواتب منتظمة، مما جعلها الأداة الوحيدة الفعالة في جيش كان يعاني من التحلل والفساد.

كان الهدف الإسرائيلي من هذا الدعم هو ضمان الاستقرار المناهض للشيوعية، فبقاء موبوتو كان يعني بقاء حليف للغرب وإسرائيل في قلب إفريقيا ضد التمدد السوفييتي. 

وأيضا كان هناك بُعد اقتصادي، حيث مكنت هذه العلاقة إسرائيل من الحصول على موطئ قدم في قطاعات التعدين (النحاس والماس والكوبالت) التي كانت تمثل 60% من دخل زائير من العملات الصعبة.

واستفاد موبوتو من الوجود الإسرائيلي، حيث ساعدت الخبرة الاستخباراتية الإسرائيلية نظام موبوتو في مراقبة وإحباط المحاولات الانفصالية في إقليم شابا (كاتانغا سابقاً)، مما حافظ على وحدة الدولة لخدمة المصالح المشتركة.

ذات صلةTRT عربي - عقيدة المحيط بصورتها الجديدة.. نظرة على التحالفات الإسرائيلية

"البعث الجديد" لعقيدة الأطراف

إن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الحركات الانفصالية في إفريقيا ليست مجرد سلسلة من العمليات العسكرية المنعزلة، بل هي تعبير عن رؤية جيو-استراتيجية شاملة تعتبر القارة السمراء "الجبهة الثالثة" في الصراع العربي-الإسرائيلي.

ومن خلال دعم كيانات "أرض الصومال" تسعى إسرائيل لإعادة رسم خرائط النفوذ في منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي، محولةً إياها من "فضاء عربي خالص" إلى "فسيفساء من القوميات والأقليات" التي تجد في إسرائيل نموذجاً وحليفاً.

ومع تزايد أهمية الممرات المائية والمنافسة على الموارد الطبيعية، يبدو أن "عقيدة الأطراف" ستشهد انبعاثاً جديداً يتجاوز الحسابات التقليدية للحرب الباردة. فاليوم تندمج التكنولوجيا السيبرانية مع الخبرة العسكرية الكلاسيكية لتخلق نمطاً جديداً من التغلغل يعتمد على "تأمين النخب" مقابل "الولاء السياسي".

إنّ نجاح أو فشل هذه السياسات في المستقبل سيتوقف على قدرة إسرائيل على الموازنة بين حاجتها إلى حلفاء في الأطراف وبين ضرورة تطبيع العلاقات مع دول المركز العربي ضمن "اتفاقات أبراهام"، وهي معادلة صعبة تضع الاستراتيجية الإسرائيلية أمام اختبار تاريخي جديد في القارة التي كانت دائماً "أرضاً للميعاد الجيوسياسي" بالنسبة إلى منظّري الصهيونية الأوائل.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
رئيس البرلمان التركي يدعو إلى إنهاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
ملايين الإسرائيليين بالملاجئ إثر صواريخ إيرانية.. و5045 مصاباً منذ بدء الحرب على إيران
وزير الدفاع التركي يوقع مع نظيره البريطاني اتفاقية دعم فني ولوجستي تتعلق بطائرات "يوروفايتر تايفون"
وزير الطاقة التركي: لا أزمة في إمدادات الطاقة رغم حرب إيران
تركيا تطلق جولة إعلامية دولية للبيئة والمناخ تمهيداً لـCOP31
فصائل عراقية تعلن استهداف قاعدة أمريكية في بغداد وتنفيذ 23 هجوماً على مواقع بالمنطقة
هجمات متبادلة بمسيّرات بين روسيا وأوكرانيا.. وكييف تسجل وقوع 6 قتلى وإصابة عشرات
الرئيس أردوغان وأمير قطر يبحثان تطورات المنطقة ويتبادلان التعازي في ضحايا تحطم مروحية بالدوحة
ترمب يعلن عن مفاوضات لإنهاء الحرب مع إيران.. والأخيرة تقول إنها لا تريد الخداع مجدداً
إيران تدعو لتشكيل اتحاد أمني وعسكري إقليمي من دون الولايات المتحدة وإسرائيل
العراق يقر "حق الرد" على استهداف الحشد الشعبي ويعتزم تقديم شكوى لمجلس الأمن
9 قتلى و47 جريحاً بغارات للاحتلال على جنوب لبنان.. و53 هجوماً لحزب الله الثلاثاء
عبر باكستان.. الولايات المتحدة تسلّم إيران خطة من 15 بنداً لإنهاء الحرب
إيران تتحدث عن محاولة واشنطن الاتصال معها.. والبيت الأبيض: العمليات مستمرة بموازاة الدبلوماسية
وزير الطاقة التركي ينفي انقطاع تدفُّق الغاز الطبيعي من إيران