وسبق أن صرح نتيناهو أن هذا التحالف يشمل الهند ودولاً عربية وأخرى إفريقية ودولاً في البحر المتوسط مثل اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية، إضافة إلى دول في آسيا لن يسمّيها حالياً.
اللافت أن تصريحات نتنياهو ليست مجرد كلام في الفراغ، فقد سبقها في ديسمبر/كانون الأول 2025 اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال، وعقده في ذات الشهر قمة ثلاثية مع رئيس وزراء اليونان ورئيس إدارة جنوب قبرص اليونانية، ثم استقباله في فبراير/شباط رئيس الوزراء الهندي في زيارة لمدة يومين، فيما سافر الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أديس أبابا للاجتماع مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد.
هذا يشير إلى أن تل أبيب بقيادة نتنياهو تعمل على صياغة نسخة جديدة من "عقيدة المحيط" التي تبنتها في حقبتي الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وسعت من خلالها لتطويق العالم العربي بسلسلة من التحالفات تعوضها عن عزلتها وتشده إليها من أطرافه. لكن النسخة الجديدة قد تكون الأخطر لعوامل متعددة، من أبرزها طبيعة التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة، وتعدد مسارح الاشتباك.
محور القرن الإفريقي
جاء اعتراف إسرائيل باستقلال "أرض الصومال" في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 في سياق تزايد أهمية البحر الأحمر في أولوياتها الأمنية، وبالتحديد بعد المواجهات مع الحوثيين.
فخلال العقود الماضية انصب التركيز البحري الإسرائيلي على البحر المتوسط الذي تشرف موانيها فيه على أغلب وارداتها وصادراتها من البضائع، ثم زادت أهميته مع اكتشاف الغاز في شرقه، وظل البحر الأحمر في مرتبة أدنى ضمن التخطيط العملياتي.
غير أن الهجمات الحوثية على السفن المرتبطة بإسرائيل، وإفلاس الشركة المشغّلة لميناء إيلات الذي يتمتع بأهمية استراتيجية لكونه الميناء الوحيد الذي يربط إسرائيل بآسيا دون المرور بقناة السويس، دفعا إلى إعادة تقييم موقع الجبهة الجنوبية، والبحث عن نقاط ارتكاز أقرب إلى السواحل اليمنية تتيح جمع معلومات استخبارية، ومراقبة المجال البحري، وتوفير دعم لوجستي لهجمات قد تستهدف الحوثيين في جولات صراع مستقبلية.
في هذا الإطار برز إقليم "أرض الصومال" بوصفه موقعاً جغرافياً يوفر مزايا عملية، فسواحله الممتدة على خليج عدن تقع على مسافة 300 كيلومتر من مناطق سيطرة جماعة الحوثي، بما يسمح بإنشاء بنية رصد ومراقبة، كما يوفر ميناء بربرة منصة إسناد لوجستي في سيناريوهات الطوارئ.
ويتقاطع هذا التوجه مع شبكة مصالح تشمل الإمارات وإثيوبيا، فالإمارات مستثمر رئيسي في تطوير ميناء بربرة والممر اللوجستي الرابط بينه وبين الأراضي الإثيوبية، فيما تسعى أديس أبابا إلى تقليل اعتمادها على مواني جيبوتي عبر تأمين منفذ بحري بديل في أرض الصومال.
كما أن المناخ السياسي في إقليم "أرض الصومال" يمثل عامل جذب في الحسابات الإسرائيلية. فقيادة الإقليم تبحث عن اعتراف دولي، ما يرفع استعدادها للانخراط في ترتيبات تعاون مع أطراف خارجية قادرة على دعم مسارها السياسي. ولديها استعداد للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام كخطوة ضمن جهود الحصول على اعتراف بالاستقلال من إدارة ترمب.
الهند.. الركيزة الشرقية
تمثل الهند ركيزة شرقية رئيسية ضمن شبكة التحالفات التي يتحدث عنها نتنياهو. يعود ذلك إلى وزنها الديمغرافي البالغ نحو 1.4 مليار نسمة، ومكانتها الاقتصادية بوصفها رابع أكبر اقتصاد عالمياً، وعضويتها في مجموعة العشرين ومجموعة البريكس، إضافة إلى أنها دولة مشاطئة للمحيط الهندي وبحر العرب. وهذا الامتداد البحري يضع الفضاء الواقع بين الخليج والقرن الإفريقي ضمن نطاق اهتمام مشترك، وهو الفضاء نفسه الذي توسع فيه إسرائيل حضورها.
من منظور تل أبيب، تُعَدّ الهند قوة بحرية صاعدة ولها مصالح في تأمين الملاحة الدولية، ما يجعلها شريكاً يمكن أن يتقاطع معها في حماية طرق التجارة. وعلى المستوى العسكري، كانت الهند أكبر سوق لصادرات السلاح الإسرائيلية خلال الفترة 2020–2024، مستحوذة على نحو 34% منها، ويمنح هذا المعطى الصناعات الدفاعية الإسرائيلية استقراراً مالياً وقاعدة إنتاج كبيرة.
وقد أخذ التعاون الدفاعي بين الجانبين خطوة إلى الأمام بتوقيع مذكرة تفاهم في نهاية عام 2025، كما ناقش رئيس الوزراء مودي خلال زيارته الأخيرة التوجه نحو الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا في مجالات تصنيع أنظمة الدفاع الصاروخي، وتطوير طائرات التزود بالوقود، ما يوسع نفوذ إسرائيل الصناعي خارج حدودها ويقلل اعتمادها على أسواق تقليدية في أوروبا وأمريكا الشمالية.
كما يبرز التعاون الأمني بين الجانبين في نقل الخبرة الإسرائيلية في مكافحة تنظيمات المقاومة الفلسطينية وإخضاع السكان إلى الجانب الهندي لتطبيقها في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية.
وفي المجال التكنولوجي، ترى إسرائيل في الهند سوقاً ضخمة لتطبيق حلولها في الذكاء الصناعي والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني وإدارة المياه. وشكّل إطلاق حاضنة الأعمال المشتركة عام 2018 إطاراً مؤسسياً لهذا التوجه دعم ما يقارب 900 شركة ناشئة.
كما أن التعاون الزراعي يمنحها مساحة لاختبار تقنيات الري والزراعة المتطورة على نطاق موسع عبر مراكز التميز المفترض مضاعفة عددها إلى 100 مركز إسرائيلي في الهند.
جيوسياسياً، يوفر انخراط الهند في مجموعة I2U2 التي تضم إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات شبكة شراكات اقتصادية وتقنية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. كذلك فإن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا "ممر بايدن" يعزز دور ميناء حيفا بوصفه نقطة ارتكاز في الربط بين آسيا وأوروبا.
كما توجد أصوات داخل الهند تدعو إلى الاعتراف باستقلال أرض الصومال، وبناء قاعدة بحرية هندية في ميناء بربرة لموازنة القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، ما يجعل طموحات نيودلهي تلتقي مع سياسات إسرائيل في القرن الإفريقي.
وقد أخذت العلاقات الإسرائيلية-الهندية دفعة إلى الأمام خلال زيارة مودي الأخيرة، عبر الإعلان عن ترقية العلاقة إلى شراكة استراتيجية خاصة.
الضلع الغربي
يمثل التعاون مع اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية الضلع الغربي في النسخة الجديدة من عقيدة المحيط، فمنذ تراجع العلاقات الإسرائيلية-التركية عقب حادثة السفينة مافي مرمرة عام 2010، ثم اندلاع ثورات الربيع العربي، توجهت تل أبيب نحو الاستثمار في بناء شراكة ثلاثية مع اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية، عبّر عنها وزير الطاقة الإسرائيلي عوزي لانداو عام 2012 قائلاً: "في الشرق الأوسط، الذي يتعرض حالياً لزلزال هائل يمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج، فإن محور اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية وإسرائيل سيوفران مرساة بالغة الأهمية للاستقرار".
ومع مرور الوقت، انتقل التعاون من التنسيق السياسي إلى ملفات الطاقة والأمن البحري والمبيعات العسكرية والتدريبات المشتركة. وكرّست القمة الثلاثية العاشرة التي عُقدت في القدس في ديسمبر/كانون الأول 2025 هذا المسار عبر الإعلان عن إنشاء مركز تميز للأمن السيبراني البحري في جنوب قبرص اليونانية، ودراسة إنشاء قوة تدخُّل سريع لحماية منشآت الطاقة شرق المتوسط، فضلاً عما سبق القمة من بيع إسرائيل منظومة باراك MX للدفاع الصاروخي إلى جنوب قبرص اليونانية برفقة رادارات يصل مداها إلى 460 كيلومتراً.
من منظور إسرائيلي، يحقق التعاون مع أثينا وإدارة جنوب قبرص اليونانية عدة أهداف متوازية. أولها توفير عمق عملياتي في شرق المتوسط عبر التدريبات المشتركة التي تتيح استخدام أراضي إدارة جنوب قبرص اليونانية واليونان للتدرب في أجواء تشبه ساحات قتال تعمل فيها إسرائيل في لبنان وسوريا، فضلاً عن إجلاء الطائرات المدنية الإسرائيلية وآلاف المستوطنين لحمايتهم في حالة اندلاع حرب إقليمية.
ثانياً، بناء شبكة رصد وإنذار مبكر توسع نطاق الرصد الجوي والبحري في شرق المتوسط. وثالثاً، تعزيز طرق تجارة تربط الهند مع اليونان عبر إسرائيل دون المرور بتركيا ومصر، ما يجعل إسرائيل عقدة في مسارات التجارة الدولية والربط الكهربي وكابلات الإنترنت.
ويعزز هذا المحور قانون الشراكة في مجال الأمن والطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي عام 2022، ورفع بموجبه حظر السلاح المفروض على إدارة جنوب قبرص اليونانية منذ عام 1987، ووسّع برامج التدريب والتمويل العسكري الموجهة إليها، كما يدعمه مشروع القانون الذي تقدمت به النائبة الجمهورية نيكول ماليوتاكيس إلى الكونغرس بعنوان "الشراكة الأمريكية-اليونانية-الإسرائيلية لمكافحة الإرهاب والأمن البحري في شرق البحر الأبيض المتوسط لعام 2025".
ردود فعل مضادة
يسعى نتنياهو عبر النسخة الجديدة من "عقيدة المحيط" إلى إعادة موضعة إسرائيل في مربع يمتد من القرن الإفريقي والمحيط الهندي إلى البحر المتوسط. غير أن هذه المقاربة، على الرغم مما توفره من فرص، لا تتحرك في فراغ. ففي القرن الإفريقي تصطدم خطوة الاعتراف الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال برفض إقليمي يتمسك بوحدة الصومال، ويتخوف من تكريس سابقة قد تفتح الباب أمام موجات تفكك إضافية في القارة، ويرفض أي حضور إسرائيلي قرب باب المندب.
وفي الضلع الشرقي، تحتفظ الهند بسياسة خارجية تقوم على الاستقلال الاستراتيجي، ومثلما لديها علاقات مع إسرائيل فلديها أيضاً علاقات مع إيران التي تمثل للهند نافذة نحو آسيا الوسطى وروسيا، وكذلك لديها علاقات قوية مع عدة دول عربية، من بينها السعودية التي عقدت اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان عام 2025.
أما في الضلع الغربي، فإن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات حصارها في شرق المتوسط، فهي تعزز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وتعمق العلاقات مع مصر وليبيا في مجالات متعددة، من بينها التعاون العسكري والصناعات الدفاعية.
إنّ شبكة التحالفات التي تبنيها تل أبيب توسّع هوامش الحركة أمامها جغرافياً، لكنها في الوقت نفسه تنقلها إلى مساحة احتكاك مباشر مع مصالح أطراف إقليمية فاعلة، ما قد يؤدي إلى مزيد من الأزمات بدلاً من أن يؤدي إلى مزيد من الأمن.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.










