ويشارك نحو 2.5 مليون ناخب في الاقتراع لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية المؤلفة من 101 مقاعد، وسط متابعة إقليمية ودولية واسعة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، وترقب لمدى قدرة أرمينيا على المضي في مسار السلام والاستقرار في منطقة جنوب القوقاز.
وتعد الانتخابات أيضا اختبارا للمسار الذي تبناه رئيس الوزراء نيكول باشينيان بعد الهزيمة في حرب "قره باغ" الثانية عام 2020 واستعادة أذربيجان سيادتها الكاملة على إقليم قره باغ عام 2023.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، تجد أرمينيا نفسها حاليا أمام خيارين متباينين بين الاستمرار في نهج الانفتاح الإقليمي وإعادة تعريف علاقاتها مع الجوار، أو العودة إلى الخطابات السياسية التقليدية التي طبعت مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي عام 1991.
ومنذ هذا الاستقلال، عاشت أرمينيا مرحلة اتسمت بالتوترات الإقليمية والأزمات الداخلية، شملت تحديات اقتصادية وسياسية متراكمة، إلى جانب اتهامات بالفساد وضعف المؤسسات وتراجع الثقة بالعملية الديمقراطية.
وخلال تلك المرحلة، برزت شخصيات سياسية ارتبطت بما عُرف بـ"نخبة قره باغ"، وفي مقدمتها الرئيسان السابقان روبرت كوتشاريان وسيرج سركيسيان، اللذان حافظا على علاقات وثيقة مع موسكو خلال فترة حكمهما.
باشينيان وتحول ما بعد قره باغ
وصل رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى السلطة عام 2018 مستنداً إلى برنامج إصلاحي ركز على مكافحة الفساد وتعزيز الإصلاحات الداخلية والانفتاح على الغرب.
غير أن التطورات التي شهدها ملف قره باغ، ولا سيما بعد حرب عام 2020 واستعادة أذربيجان سيادتها الكاملة على الإقليم عام 2023، دفعت الحكومة الأرمينية إلى إعادة النظر في كثير من السياسات التقليدية التي حكمت البلاد لعقود.
ومنذ ذلك الحين، تبنت يريفان نهجاً يقوم على تعزيز فرص السلام مع أذربيجان، وتطوير العلاقات مع تركيا، وتقليص الاعتماد على روسيا، إلى جانب السعي إلى كسر العزلة الاقتصادية عبر مشاريع الربط الإقليمي وفتح مسارات التجارة.
ورغم الانتقادات التي واجهها هذا التوجه، تمكن باشينيان من الحفاظ على قاعدة شعبية مؤثرة، وحقق فوزاً انتخابياً جديداً عام 2021، ما اعتبر حينها دعماً شعبياً لاستمرار نهجه السياسي.
تداعيات الحرب وتغير موازين القوى
وشهد خريف عام 2020 تحولاً كبيراً في موازين القوى بالمنطقة بعد إطلاق أذربيجان عملية "الوطن الأم"، التي استمرت 44 يوماً وانتهت باستعادة مساحات واسعة من أراضيها، بما فيها مدينة شوشة.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، بسطت باكو سيادتها الكاملة على إقليم قره باغ، ما أنهى وجود الكيان الانفصالي هناك وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات المباشرة بين البلدين بشأن ترسيم الحدود وفتح ممرات النقل والتجارة.
وتخوض قوى المعارضة الانتخابات الحالية من دون تحالفات واسعة، رغم اتفاق معظم أطرافها على انتقاد سياسات الحكومة الحالية.
ويبرز رجل الأعمال سامفيل كارابيتيان كأحد أبرز المنافسين، مستنداً إلى برنامج يركز على تعزيز الأمن ومؤسسات الدولة وتطوير العلاقات مع روسيا، فضلاً عن تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه بعض الملفات المرتبطة بالعلاقة مع أذربيجان.
كما يشارك الرئيس السابق روبرت كوتشاريان ببرنامج يدعو إلى إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز الشراكة مع موسكو ووقف ما يصفه بالتنازلات المقدمة لأذربيجان.
توتر متصاعد بين الحكومة والكنيسة
بالتوازي مع التنافس الانتخابي، تشهد أرمينيا خلافاً متزايداً بين الحكومة وكنيسة أرمينيا الرسولية، إحدى أكثر المؤسسات تأثيراً في المجتمع الأرميني.
وتتهم الحكومة بعض رجال الدين بالتدخل في الشأن السياسي، فيما ترى أوساط كنسية أن السلطة تبتعد عن الثوابت الوطنية وتقدم تنازلات تمس المصالح القومية للبلاد.
وتصاعدت حدة الخلافات خلال الأشهر الأخيرة بعد توقيف شخصيات دينية على خلفية اتهامات بمحاولات للإطاحة بالحكومة بوسائل غير قانونية.
عملية السلام مع أذربيجان
تكتسب الانتخابات الحالية أهمية إضافية لارتباطها بمستقبل عملية السلام بين أرمينيا وأذربيجان، خصوصاً في ظل النقاش الدائر بشأن إدخال تعديلات دستورية قد تمهد الطريق أمام إبرام اتفاق سلام نهائي بين البلدين.
وتعتبر أذربيجان أن بعض المواد الواردة في الدستور الأرميني تتضمن إشارات يمكن تفسيرها على أنها تمس وحدة أراضيها، في حين تؤكد حكومة باشينيان أن الدستور لا يشكل عائقاً أمام السلام، مع إقرارها بأن أي تعديل محتمل يحتاج إلى توافق شعبي وبرلماني واسع.
لذلك ينظر كثير من المراقبين إلى هذه الانتخابات باعتبارها استفتاءً سياسياً غير مباشر على نهج باشينيان، وعلى قدرة أرمينيا على الانتقال من مرحلة الصراعات المزمنة والعزلة الإقليمية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والتعاون الإقليمي.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب "العقد المدني" الحاكم، إلا أن الأنظار تتجه إلى ما إذا كان هذا التقدم سيمنحه أغلبية كافية لتمرير إصلاحات سياسية ودستورية قد تعيد رسم ملامح أرمينيا وعلاقاتها الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
















