بالرغم من أن أغلب المستعمرات نجحت في الحصول على استقلالها منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن مجموعة من الجزر والأقاليم المتفرقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي لا تزال إلى اليوم تخضع للنفوذ والسيطرة الفرنسية وذلك منذ عام 1853.
ولكن، مع اندلاع مواجهات دامية، خلال فترة الثمانينيات، بين القوات الفرنسية و شعب "الكاناك" وهم السكان الأصليون لكاليدونيا الجديدة، والذين يطالبون بإنهاء الاستعمار الفرنسي لهذه المنطقة الواقعة جنوب غربي المحيط الهادي، وعدت حينها الحكومة الفرنسية سكان الأرخبيل بإجراء استفتاء تقرير المصير، للاستقلال أو الانفصال عن فرنسا، وذلك بموجب اتفاق نوميا الموقع في 5مايو/أيار 1998.
وبينما تقترب اليوم كاليدونيا الجديدة من موعد إجراء الاستفتاء الثالث، المقرر في ديسمبر/كانون الأول المقبل، تضغط الأمم المتحدة من جانبها لإنهاء هذا الاستعمار.
ولكن يبدو أن باريس متخوفة اليوم من أن تكون هذه الخطوة مقدمة لإقصائها من منطقة "الإندوباسيفيك"، وبخاصة مع تغير خارطة التحالفات في المنطقة، واشتداد المنافسة بين القوى الإقليمية على هذه الجزر.
وقد صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق قائلاً: "فرنسا سوف تكون أقل جمالاً بدون كاليدونيا الجديدة."
هل تستجيب فرنسا للضغوط الأممية؟
تعليقاً على ضغوط الأمم المتحدة المستمرة على الإليزيه، لإنهاء حقبة طويلة من الاستعمار لأراضي كاليدونيا الجديدة، قال وزير أقاليم ما وراء البحار الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، في تصريح إعلامي يوم الأحد 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري: "وفق ما أشارت إليه الأمم المتحدة، فإن أرخبيل كاليدونيا الجديدة، يعتبر جزءاً من قائمة المناطق التي لا يزال يتعين إنهاء استعمارها".
وبينما تتساءل العديد من الأطراف الفرنسية اليوم، عما إذا كان للأمم المتحدة فعلاً رأي في وضعية هذه الأراضي الواقعة وراء البحار، يشدد ليكورنو على أن استمرار وجود فرنسا في هذه المنطقة، إنما هو التزام بما ورد في اتفاقية نوميا، والتي تعهد بها رؤساء الجمهورية الفرنسية المتعاقبون لجميع الأطراف.
وبالتالي فإن الاستقلال أو استمرار التبعية لفرنسا ستحدده نتائج الاستفتاء القادمة والتي تليها في عام 2023. وذكر ليكورنو في سياق متصل الرأي العام الدولي، بأن فرنسا تستمر في دعم الأرخبيل على التعافي من جائحة كورونا وقد أرسلت إليه خلال الفترة الأخيرة تعزيزات طبية للنجاح في ذلك.
ويبدو أن في تصريح الوزير الفرنسي، تلميعاً للدور الفرنسي في هذه المنطقة وذلك لإضفاء الشرعية حالياً على وجوده وتبريره في آن، في مواجهة الموقف الأممي الضاغط والمطالب بالتخطيط للانسحاب السريع وتمتيع المنطقة بالحكم الذاتي واستقلال القرار السيادي، أو للتأثير على مستقبل الشراكة مع هذه المنطقة في المستقبل في حال تحصلت على استقلالها.
ويؤكد خبراء ومحللون فرنسيون، في سياق متصل، أن القادة الفرنسيين الذين شاركوا في اتفاقية نوميا عام 1998، قد خططوا ضمنياً في ما بينهم على أن نتيجة الاستفتاء غالباً ستؤدي إلى حفاظ فرنسا على الإقليم، وذلك بفضل تراجع نسبة السكان الأصليين "كاناك" وارتفاع نسبة المستوطنين الفرنسيين المؤثرين في الاستفتاء.
ولكن رهانات هذا الاحتمال قد انخفضت مؤخراً مع التغير الديمغرافي الذي شهد ارتفاعا في أعداد "الكاناك"، وعبر عنه انخفاض أصوات الناخبين الرافضين للاستقلال من 56,7% في الاستفتاء الأول إلى 53% في الاستفتاء الثاني.
وبينما يتمسك صناع الرأي الفرنسيون بكاليدونيا الجديدة بسبب ما تزخر به من النيكل الضرورة للصناعات والتكنلوجيا، والقواعد البحرية والجوية الفرنسية المتمركزة في نوميا، تتخوف الجهات الرسمية في الوقت ذاته من فقدان عناصر وجودها الديبلوماسي والعسكري والاقتصادي في منطقة المحيطين الهندي والهادي، إذا ما حصلت كاليدونيا الجديدة وبولينزيا على استقلالها الشرعي وبنائها تحالفات وشراكات جديدة مع القوى المتنافسة.
أهمية جيوستراتيجية لفرنسا
عندما أعلنت كانبيرا انسحابها من صفقة الغواصات المبرمة مع فرنسا في سبتمبر/أيلول الماضي، لصالح التحالف الأنجلوسكسوني الجديد في المنطقة، تلقف صناع القرار الفرنسي ذلك بمثابة الإشارة على بداية التدهور والانكفاء للدور الإقليمي الذي تلعبه فرنسا في هذه منطقة المحيطين الهندي والهادي، والذي يهدد نفوذها الجيوسياسية.
وتعتبر هذه المنطقة من بين مناطق النفوذ العسكري والاقتصادي لفرنسا والتي تساهم في ربط أوروبا بآسيا وذلك على الرغم من بعدها الجغرافي عن الأراضي القومية الفرنسية، وتجعل من فرنسا دولة مشاطئة لدول آسيا. وهو ما فتح طيلة سنوات باب التحالفات والشراكات الثنائية الاقتصادية والدفاعية والعسكرية مع أهم هذه الدول.
وتمثل منطقة الميحطين الهندي والهادي بالنسبة لفرنسا، مجموعة مقاطعات وأقاليم ما وراء البحار الفرنسية، مثل جزر مايوت وريونيون، والأراضي الفرنسية الجنوبية والقطبية الجنوبية، وكاليدونيا الجديدة، واليس وفوتونا، وبولينيزيا الفرنسية وكليبرتون.
ويسكنها اليوم حوالي 1.65 مليون فرنسي من المستوطنين والمعمرين، ومن جرى إنفاؤهم في السابق لقضاء العقوبات المختلفة.
ويتركز في هذه المنطقة حوالي 93%من المنطقة الاقتصادية الفرنسية، وأكثر من 7 آلاف شركة، إضافة إلى تركز حوالي 8300 جندي في مهمة عسكرية. وتستنزف السلطات الفرنسية طيلة عقود الثروات المتعددة التي تزخر بها هذه الجزر التي ارتكبت فيها عدة جرائم وفظائع إنسانية، إضافة إلى الجرائم النووية على غرار جرائم بولينزيا التي ذهب ضحيَّتها إلى اليوم أكثر من 110 آلاف مصاب بسرطانات مختلفة، في ما يصفه نشطاء وصحافيون بـ"الوباء السرطاني".
ولكن بينما، استمرت منطقة آسيا المحيط الهادي في اعتبارها امتداداً وعمقاً اقتصادياً وجيوستراتيجياً لفرنسا، يبدو أن اليوم هناك سعي واضح لإعادة صياغة التوازنات الجيوستراتيجية في هذه المنطقة التي تحولت إلى ساحة صراع بين قويتين رئيسيتين في العالم وهما بيكين وواشنطن.
ولذلك، فإن باريس تعتبر أي ضغط أممي للانسحاب من هذه المنطقة أو أي اقصاء لها من أي تحالف نسج هناك، هو مؤشر لتراجع دورها الاستراتيجي.



















