آراء
العالم
8 دقيقة قراءة
المغرب ومالي.. هل يهدّد الانقلاب العسكري الصداقة بين البلدين؟
يرى البعض أن الانقلاب قد يجعل مالي ساحة حرب دولية بالوكالة بين الولايات المتحدة وفرنسا من جهة وروسيا من جهة أخرى، وأخرى إقليمية بين المغرب من جهة والجزائر من جهة أخرى.
المغرب ومالي.. هل يهدّد الانقلاب العسكري الصداقة بين البلدين؟
الانقلاب العسكري في مالي / Others
8 فبراير 2022

تربطُ المغرب بمالي علاقة تاريخية وطيدة، تمتدّ لقرون عديدة، هذه العلاقة امتدت إلى هذه الحقبة التي تشهدُ فيها مالي اليوم انقلابات وقلاقل أمنية كبيرة، لا تهدد استقرار مالي ودول غرب إفريقيا فقط، ولكن الدول المجاورة، وإحداها المغرب، الذي ينظرُ إلى تلك المنطقة باعتبارها امتداداً للمشكلات والحلول معاً.

ويمكنُ للملاحظ أن يلمس هذا الاهتمام المغربي بالشأن المالي منذ نشوب الاضطرابات الأمنية التي سبقت الانقلاب العسكري الذي حدث سنة 2020، أي حينما حاول الملك محمد السادس التوسط بين أطراف النزاع في مالي من أجل تجنيب مالي ويلات الانقلاب العسكري. ولكن الواقع جرّ مالي إلى حالة من عدم الاستقرار الأمني بسبب توالي الانقلابات والقلاقل الأمنية داخلها، وهو ما جعل وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة يحثّ على ضرورة التعاون مع المنظمات الدولية لإعادة السلام والاستقرار إلى مالي.

الاستثمار المغربي في مالي

المغرب راكم منذ سنوات مكاسب عديدة في مالي سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وزيارة الملك محمد السادس لباماكو عامَي 2013 و2014، التي وقّع فيها الطرفان 17 اتفاقية في مختلف القطاعات، مثال حيّ على قوة العلاقة بين مالي والمغرب في حقبة ما قبل الانقلاب، هذه العلاقة جعلت مالي الوجهة الثالثة للاستثمار المغربي في إفريقيا وجعلت مالي المستفيد الثاني من المنح التدريبية المغربية في القارة.

إلا أن الانقلاب الذي قاده العقيد عاصمي غوتا في أغسطس/آب 2020 ضد الرئيس إبراهيم كيتا بوبكر الذي حكم البلاد لمدة سبع سنوات، عقّد المشهد على مالي وشركائها وعلى رأسهم المغرب إفريقياً، بخاصة أنه راكم مع مالي جهوداً كبيرة لما تمثلهُ مالي للمغرب جيوسياسياً وأمنياً. أحد هذه الاستثمارات الأمنية التي سعى لها المغرب مع مالي هو الاتفاق المبرم على إنشاء منشأة مشتركة للتدريب على أمن الحدود، كان مخططاً إنشاؤها في المغرب لتضمّ مجموعة من الدول إحداها مالي، وذلك لمكافحة الإرهاب.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن التمرد في مالي ليس بالجديد، إذ شهدت مالي سيناريو مشابهاً لما يحدثُ اليوم، وذلك سنة 2012 حين شهدت اضطرابات انتهى بها المطاف إلى حدوث انقلاب، وفي هذا الصدد سرعان ما انضمّ المغرب إلى التدخل الذي قادتهُ فرنسا في مالي، وبفعل هذا التدخل الذي قام به المغرب تَقدَّم المغرب على نظيره الجزائري في عمليات التموقع الجيوسياسي إقليمياً، وبخاصة في غياب الجانب الجزائري الذي لم ينخرط في الملف المالي حينها رغم وجود حدود ممتدة بين البلدين، ورغم ما شكّلَتهُ هذه الحدود لأمنها الداخلي بخاصة في حقبة الحرب الأهلية في الجزائر، وسبب عدم التدخل الجزائري حينها كان مردهُ وجود الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على هرم السلطة الجزائرية.

هذا التدخل هو ما مهّد في ما بعد لتوطيد المغرب علاقاته مع القوات المدنية في مالي لاحقاً. قام المغرب بتوسيع حجم مبادراته نحو مالي، حيث قدم منحاً دراسية للدراسات الإسلامية بالجامعات المغربية للطلاب الماليين، والغاية من هذه المنح هي تجفيف منابع التطرف الديني الذي يمكنُ أن يظهر في مناطق الساحل، وكمحاولة منه لنقل نموذجه التديني وقّع المغرب ومالي في سبتمبر/أيلول 2013، اتفاقية لجلب 500 إمام من مالي إلى المغرب للتدرُّب الديني.

بالإضافة إلى الاتفاقيات الأمنية والدينية مع مالي، سعى المغرب إلى تعزيز علاقاته الاقتصادية مع جيرانه الجنوبيين، وأنشأ فروعاً لمصارفه في مالي والسنغال، كما استحوذ التجاري وفا بنك (وهو مصرف مغربي) على أكثر من 50 في المئة من أسهم بنك مالي الدولي.

كما اشترت اتصالات المغرب شركات اتصالات في مالي والنيجر، كما كثّف مكتب "الشريف للفوسفات"، وهي شركة مغربية، استثماراتها لاستكشاف الفوسفات في شرق مالي، وكذا مشاريعها من أجل تعزيز الأمن الغذائي في مالي، كما تمتلك مالي موارد طبيعية مثل الذهب واليورانيوم وخام الحديد وربما الألماس، كان المغرب يسعى للاستثمار من أجل استخراجها.

هكذا كان الوضع بين المغرب ومالي قبل الأحداث الأخيرة التي شهدتها مالي من انقلابات متعاقبة، هذه الانقلابات التي أدانتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) وفرضت بموجبها عقوبات على مالي، وبخاصة بعدما قام غوتا بانقلاب ثانٍ في مايو/أيار 2021 للإطاحة بالحكومة المدنية المؤقتة، وإعلان نفسه رئيساً مؤقتاً واقتراحه إجراء انتخابات في عام 2025، فرضت بموجب هذا المستجد منظمة الإيكواس عقوبات على مالي، شملت إغلاق الحدود، والحظر التجاري، وتجميد الأصول في الضفة المركزية لدول غرب إفريقيا، وهي عقوبات دعمها كل من فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تستهدف اقتصاد مالي الضعيف.

إلا أن هذه العقوبات التي فرضتها الإيكواس كانت محدودة الأثر، إذ عجزت هذه المنظمة التي سعى في ما سبق المغرب للانضمام إليها عن كبح تمدُّد قوة الانقلاب العسكري في مالي. ولكن ما المستجدّ في مالي حالياً على المستوى الدولي، الذي جعل كل ما راكمه المغرب مع مالي مهدَّداً بالزوال؟

الروس على خط المواجهة

الحقيقة أن ما جعل الوضع معقَّداً على المغرب وشركائه الغربيين في مالي مؤخراً، هو استعانة الانقلابيين بالروس؛ يشيرُ بعض التقرير إلى وجود أكثر من 600 مسلح روسي في مالي حالياً، ينتمون إلى مجموعة فاغنر. المجلس العسكري في مالي الناتج عن الانقلاب لا يؤكدُ سوى وجود "مدربين روس"، في مالي ولكن حسب الجانب الغربي فإن روسيا حاضرة بما يقارب 600 مقاتل مسلح، هذه القوات شبه العسكرية تعمل جنباً إلى جنب مع القوات العسكرية المالية، وهي مستقرة في قاعدة مجاورة لمطار باماكو، ويعمل هؤلاء المقاتلون الروس بشكل رئيسي في وسط البلاد.

وإذا كنا قد أشرنا في المقال إلى مساعي المغرب للتنقيب عن المعادن، فيجدر الإشارة كذلك هنا إلى تطوُّر عمليات التنقيب عن المعادن التي تقودها روسيا، إذ خضع موقعان على الأقلّ في جنوب مالي في سيكاسو وكاي، وآخَر في الشمال في بلدة دوغون، لعمليات التنقيب على المعادن.

الوجود الروسي في مالي له تداعيات على 13000 من الخوذات الزرقاء العسكرية التابعة لبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما). ووجود روسيا في مجلس الأمن وانخراطها في مالي القوي مؤخراً، سيحدّ قوة هذه القوات المنتشرة في مالي باسم الأمم المتحدة.

هذا التمدد الروسي في مالي، الذي أعقبهُ تَقلُّص النفوذ الفرنسي والغربي ، قد يعيدُ الجزائر للعب دور أكبر، وذلك بحكم العلاقة القوية التي تجمعُ الجزائر بروسيا، هذه العلاقة التي يعزّزها حجم التبادلات العسكرية بين البلدين، إذ إن 67% من مشتريات الأسلحة الأجنبية الجزائرية، وفقاً للمعهد الدولي لأبحاث السلام (Sipri) تأتي من روسيا بالأساس، ناهيك بوجود ما يعرفُ بـ"الروسوفيليا" (أي الولاء لروسيا) داخل قيادة الجيش الجزائري، وهو ما يمكنُ لمسهُ في السير الذاتية لمجموعة من القادة أمثال رئيس الأركان الحالي سعيد شنقريحة الذي تَدرَّب في سبعينيات القرن الماضي في أكاديمية فوروشيلوف العسكرية الروسية، هذا الأمر يمكنُ أن يوظَّف في مالي خصوصاً لما يربط الجزائر من علاقة قوية بالنظام العسكري بداخله، وهو ما قد يجعلنا في المستقبل القريب نشهدُ تحوُّل مالي إلى ساحة حرب بالوكالة دولية بين الولايات المتحدة وفرنسا من جهة وروسيا من جهة أخرى، وأخرى إقليمية بين المغرب من جهة والجزائر من جهة أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT عربي
اكتشف
الخارجية القطرية: اتصالات لإعادة فتح مضيق هرمز ويجب وقف اعتداءات إيران
ترمب: نجري محادثات مع إيران وأعتقد أنهم غير مستعدين.. وسفينة ”لينكولن” لم تتعرض لأي هجوم
أوروبا تبحث تعزيز بعثتها البحرية بالشرق الأوسط.. واليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى هرمز
لبنان.. جيش الاحتلال يبدأ توغلاً برياً و29 قتيلاً بغارات مكثفة وحزب الله يعلن تنفيذ عشرات العمليات
تعليق مؤقت للرحلات في مطار دبي.. واعتراض مسيّرات وصواريخ بالسعودية وقطر والأردن
ترمب يكشف عن "تحالف دولي" لتأمين مضيق هرمز ويوجه تحذيراً شديد اللهجة إلى حلف الناتو
"ترمب يستمتع بقتل الناس".. إيران: الولايات المتحدة والدول الأجنبية لن توفر الأمن للخليج
فصائل عراقية تنفذ 24 عملية ضد قواعد أمريكية.. و5 مصابين إثر هجوم على مطار بغداد
جامعة الدول العربية: الإغلاق الإسرائيلي للأقصى خلال رمضان انتهاكٌ صارخ للقانون الدولي
قتلى في غارات إسرائيلية على لبنان.. واستعدادات إسرائيلية لاستدعاء 450 ألف عسكري احتياط
وزير الصناعة التركي: نمتلك 65% من سوق المسيّرات العسكرية في العالم
"الصحة العالمية" تخصص أموالاً لدعم الاستجابة بالمنطقة بسبب التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي
صواريخ إيرانية تخلّف أضراراً بدول خليجية.. وإيطاليا تعلن تدمير مسيّرة لها في قاعدة بالكويت
بينهم 8 من الشرطة.. استشهاد 12 فلسطينياً بقصف الاحتلال مركبة ومنزلاً بقطاع غزة
أول مذيع ظهر على "الجزيرة".. وفاة الإعلامي جمال ريان عن عمر ناهز 73 عاماً