آراء
الحرب على غزة
4 دقيقة قراءة
بين طهران وغزة.. كيف أعادت الحرب ترتيب أولويات المنطقة؟
لم تقتصر تداعيات الحرب الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على إيران على ميادين القتال المباشرة، بل امتدت لتطال بنية الإقليم وموازين القوى فيه، وصولاً إلى التأثير في أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة، خصوصاً مع إغلاق مضيق هرمز.
بين طهران وغزة.. كيف أعادت الحرب ترتيب أولويات المنطقة؟
تفرض الحرب مع إيران واقعاً جديداً على القضية الفلسطينية، يجمع بين المخاطر والفرص / Reuters

وفي ظل هذا التصعيد المفتوح، لم تعُد أي قضية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بمنأى عن هذه التحولات، بل أصبحت جزءاً من مشهد إقليمي متداخل يعاد تشكيله على نحو متسارع.

تندرج الحرب على إيران ضمن سياق أوسع من التحولات التي يشهدها الإقليم منذ عقود، لكنها اكتسبت زخماً جديداً بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما أعقبها من حرب مدمرة على قطاع غزة، أعادت رسم موازين القوى وكشفت عن توجهات إسرائيلية تسعى إلى فرض وقائع استراتيجية طويلة الأمد. وفي هذا الإطار، تبدو الحرب الحالية امتداداً لمسار تصاعدي، تسعى من خلاله تل أبيب إلى توسيع هامش حركتها الإقليمية، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والعسكرية.

انعكست هذه التطورات سريعاً على الوضع الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة والقدس، فقد استغلّت إسرائيل حالة الحرب لتشديد إجراءاتها الميدانية، وفرض مزيد من القيود تحت غطاء الظروف الأمنية. وفي حال تحولت الحرب إلى صراع استنزاف طويل، فمن المرجح أن تمضي إسرائيل قدماً في سياسات الضم والاستيطان والتهويد، مستفيدة من انشغال الأطراف الدولية والإقليمية.

في قطاع غزة، أعادت إسرائيل إغلاق معبر رفح إلى جانب بقية المعابر، رغم أنه لم يُفتح إلا لفترة محدودة في مطلع فبراير/شباط 2026 بعد إغلاق دام أكثر من عامين. وقد استغلّت تل أبيب التوتر الإقليمي لتشديد الحصار، فلم تكتفِ بمنع حركة الأفراد، بل منعت أيضاً دخول المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية والوقود، رغم تفاقم الأزمة الإنسانية خلال شهر رمضان، حيث يعاني نحو 77% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ويعكس هذا السلوك عدم التزام إسرائيل بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، كما يشير إلى رغبتها في تجميد الانتقال إلى المراحل التالية، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بالحرب مع إيران.

في القدس، اتخذت الإجراءات الإسرائيلية منحى أكثر حدة، إذ أغلقت المسجد الأقصى أمام المصلين بذريعة حالة الطوارئ، ومنعت المسلمين من إحياء ليلة القدر للمرة الأولى منذ عام 1967، إلى جانب فرض قيود مشددة على الوصول إلى المسجد. وفي المقابل، وسّعت عمليات اقتحام المستوطنين، في خطوة تعكس محاولة استغلال الظرف الإقليمي لفرض وقائع جديدة على الأرض، تعزز السيطرة الإسرائيلية على المدينة المقدسة.

على المستوى الإعلامي، تراجعت القضية الفلسطينية إلى مرتبة متأخرة في التغطية الدولية، إذ تحوّل التركيز إلى تطورات الحرب مع إيران، بما في ذلك تداعياتها على الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة. وأدى هذا التحول إلى تراجع الاهتمام بملفات أساسية، مثل إعادة إعمار غزة وتفعيل آليات إدارتها، ما خفف الضغط السياسي والإعلامي عن إسرائيل. كما أن انشغال القوى الإقليمية، خصوصاً دول الخليج، بتداعيات الحرب، إلى جانب تركيز الدول الأوروبية على احتواء آثارها الاقتصادية، قلّص فرص ممارسة ضغوط فاعلة على تل أبيب.

في سياق متصل، يواجه مشروع نشر قوات دولية في غزة تحديات متزايدة. فقبل اندلاع الحرب، كانت الدول المرشحة للمشاركة مترددة في إرسال قوات، خشية التورط في مواجهة مع الفصائل الفلسطينية أو الظهور كبديل عن الدور الإسرائيلي. أما بعد الحرب، فقد ازدادت هذه التحفظات، في ظل هشاشة الوضع الأمني الإقليمي، خصوصاً أن دولاً مثل مصر والأردن وباكستان تقع ضمن نطاق التأثر المباشر بالتوتر مع إيران. وبذلك لم يعُد النقاش مقتصراً على آليات نشر هذه القوات، بل امتد ليشمل جدوى الفكرة نفسها في ظل اتساع رقعة الصراع.

أما الولايات المتحدة، بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في ملف القضية الفلسطينية، فقد أدى انخراطها في الحرب إلى تراجع أولوية هذا الملف ضمن أجندتها، إذ باتت جهود الإدارة الأمريكية مركزة على إدارة الصراع مع إيران وتداعياته العالمية، ما انعكس سلباً على ملفات مثل إدخال المساعدات إلى غزة أو الدفع نحو انسحاب إسرائيلي. ومع ذلك، قد يفضي هذا الانشغال إلى تجميد بعض الخطط المثيرة للجدل، مثل ترتيبات "مجلس السلام" أو مشاريع نزع سلاح المقاومة.

ومع استمرار الحرب وارتفاع كلفتها، خصوصاً في حال تكبدت الولايات المتحدة خسائر أكبر، قد تتصاعد داخل النخبة الأمريكية نقاشات حول جدوى هذا الانخراط، وحول طبيعة العلاقة مع إسرائيل. وقد تعزز هذه النقاشات أي خلافات تكتيكية بين الطرفين، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاعتبارات الانتخابية، ما قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن تسويات تشمل إيران، وقد تمتد لتشمل ترتيبات إقليمية في غزة ولبنان.

في المحصلة، تفرض الحرب مع إيران واقعاً جديداً على القضية الفلسطينية، يجمع بين المخاطر والفرص. فمن جهة، توفر هذه الحرب غطاءً لإسرائيل لتكريس سياساتها على الأرض، ومن جهة أخرى قد تفتح نافذة لإعادة ترتيب المواقف الدولية والإقليمية، خصوصاً إذا تصاعدت كلفة الصراع. وفي هذا السياق تبدو الحاجة ملحة أمام الفاعلين الفلسطينيين لتجاوز موقع المتلقي، والعمل على استثمار التحولات الجارية لتعزيز حضور القضية على الأجندة الدولية، وتأكيد أن استقرار المنطقة يظل رهيناً بإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
قتلى وجرحى بغارة للاحتلال على منزل في بنت جبيل جنوبي لبنان
وزير الدفاع الإسرائيلي يزعم تأكد مقتل أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني
وسط تحذير دولي من صراع طويل.. الاحتلال يعلن انضمام الفرقة 36 لتوسيع توغله البري بلبنان
هل تعمّق مطالبات ترمب العسكرية لتأمين هرمز الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها؟
مقتل شخصين بينهما مسعف بغارات للاحتلال جنوبي لبنان والنازحون يتجاوزون المليون
استشهاد 8 فلسطينيين بنيران جيش الاحتلال في غزة خلال 24 ساعة.. ووفاة 3 بانهيار جدار
ترمب: دول سبق أن ساعدناها ليست متحمسة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز
بعد دعوة ترمب لحلف بحري لتأمين مضيق هرمز.. ألمانيا ترفض وبريطانيا تشاور ودول أخرى تدعو للدبلوماسية
إيران تشن هجمات جديدة وتعلن إسقاط مسيّرتين بأجوائها.. وإسرائيل ترصد 3 دفعات خلال ساعتين
الخارجية القطرية: اتصالات لإعادة فتح مضيق هرمز ويجب وقف اعتداءات إيران
جيش الاحتلال يعلن بدء "عملية برية" جنوبي لبنان.. وألمانيا تعرب عن قلقها
ستارمر: نعمل مع الحلفاء لوضع خطة لإعادة فتح مضيق هرمز.. والناتو لن يقود المهمة
تحذيرات من تعطل تدفق الأدوية بسبب استمرار حرب إيران والاتحاد الأوروبي يبحث أزمة ارتفاع أسعار الطاقة
ترمب: نجري محادثات مع إيران وأعتقد أنهم غير مستعدين.. وسفينة ”لينكولن” لم تتعرض لأي هجوم
أوروبا تبحث تعزيز بعثتها البحرية بالشرق الأوسط.. واليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى هرمز