العراق بين الداخل والخارج.. طريق صعب للحكومة المقبلة

تشهد الساحة السياسية العراقية، حالة من الترقّب والتجاذب، في وقت عاد فيه ملف تشكيل الحكومة إلى واجهة النقاش، على وقع تباين المواقف بين القوى الداخلية والمواقف الدولية.

By طه العاني
وكان الإطار التنسيقي، قد أعلن في 24 يناير/كانون الثاني، ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء / Reuters

فبينما يطرح "الإطار التنسيقي" خيار إعادة ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لرئاسة الحكومة، تبرز مواقف أمريكية متحفظة إزاء هذا التوجّه، ما يفتح باب التساؤلات حول انعكاسات هذا الجدل على المسار السياسي والاقتصادي في العراق.

رفض أمريكي

وتتجه العلاقة بين بغداد وواشنطن نحو مزيد من التصعيد، عقب التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته "تروث سوشال" في 27 يناير/كانون الثاني 2026، ووصف فيها ترشيح نوري المالكي بـ"الخيار السيئ للغاية".

هذا الموقف لم يتوقف عند حدود النقد السياسي، بل لوّح بوقف المساعدات وفرض إجراءات عقابية، ما أعاد إلى الأذهان سياسة "الضغوط القصوى".

وفي رد فعل اتّسم بالتحدي، أكد المالكي في تدوينة نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع) في 28 يناير/كانون الثاني 2026، رفضه لغة "الإملاءات"، معتبراً التدخل الأمريكي انتهاكاً للسيادة.

وكان الإطار التنسيقي، قد أعلن في 24 يناير/كانون الثاني، ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، بينما دعا مجلس النواب إلى عقد جلسته المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية وفقاً للتوقيتات الدستورية.

وحذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في 26 يناير/كانون الثاني 2026، من تشكيل حكومة عراقية "موالية لإيران"، في إشارة مباشرة إلى القلق المتصاعد في واشنطن حيال احتمال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة.

وخلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، شدّد روبيو على أنّ أي حكومة "تخضع لنفوذ طهران" لن تكون قادرة على وضع مصالح العراق أولاً أو إبقائه بعيداً عن صراعات الإقليم.

وفي قراءة ميدانية لهذا التصعيد، نقلت تقارير عن مصادر مطلعة، بأنّ حالة من الاختلاف تسود أروقة "الإطار التنسيقي"؛ فبينما يتمسك الجناح الصقوري بالمالكي كمرشح "ضرورة"، يحذّر تيار آخر من مغبة التصادم مع إدارة ترمب.

وتكمن الخطورة -كما يشير المحلّلون- في أنّ واشنطن لا تفصل في مقاربتها الحالية بين بغداد وطهران، ما قد يحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية عبر "العقوبات المالية".

وفي تطوّر لافت مساء 31 يناير/كانون الثاني 2026، رفع "الإطار التنسيقي" سقف المواجهة مع واشنطن، مجدداً تمسّكه بترشيح المالكي رغم تهديدات ترمب بوقف دعم بغداد.

وأكد الإطار في بيان رسمي أنّ "اختيار رئيس مجلس الوزراء شأن دستوري عراقي خالص بعيداً عن الإملاءات الخارجية"، مع التشديد في الوقت ذاته على "الحرص على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي".

ويعكس هذا البيان -وفق مراقبين- انتقال "الإطار" من موقع الدفاع إلى تبنّي خطاب تحدٍّ مباشر، ما يضيّق هامش المناورة الدبلوماسية ويزيد من احتمالات التصعيد المالي والسياسي مع واشنطن. 

كلفة المواجهة

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاستراتيجي العراقي فاضل أبو رغيف أن المشهد السياسي العراقي بات يشهد ارتدادات أمريكية واضحة، بدأت تتجلى من خلال الانقسامات والاختلافات داخل الكتل السياسية، ولا سيما داخل "الإطار التنسيقي".

ويؤكد أبو رغيف في حديثه لموقع "TRTعربي"، أنّ واشنطن تمتلك أدوات ضغط مؤثرة، في مقدمتها السيطرة والرقابة المالية، إذ تُودَع عائدات النفط العراقي –باعتباره دولة ريعية– في الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب امتلاك الولايات المتحدة نفوذاً على سندات استثمارية عراقية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار.

ويحذّر أبو رغيف من أن عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة من دون تفاهمات ومفاوضات معمّقة مع واشنطن من شأنها تعميق هوة الخلاف بين الجانبين، وخاصة أن العلاقات العراقية-الأمريكية علاقات تاريخية شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الماضية.

ويشير إلى أنّ تجاهل هذه المعادلة قد يضع العراق، المثقل بالأزمات السياسية والاقتصاد القلق، أمام تداعيات لا تُحمد عقباها، في ظل استمرار اعتماده شبه الكامل على عائدات النفط منذ أكثر من عقدين.

ووفق أبو رغيف، تمتلك واشنطن خيارات تصعيدية متعددة، من بينها تجميد الأموال العراقية، أو فرض قيود على صادرات النفط، أو حتى خفض سقف إنتاج العراق ضمن منظمة "أوبك"، فضلاً عن تقليص التعاون العسكري في مجالات التدريب والتسليح.

ويخلص إلى أن العراق مطالب بالتروّي في قراراته السياسية، تفادياً للوقوع في دوامة عقوبات قد تعيد البلاد إلى أجواء الحصار والعزلة التي شهدتها في تسعينيات القرن الماضي.

 تحالفات هشّة

وعلى الصعيد الداخلي، يبدو أنّ طريق المالكي نحو "القصر الحكومي" يواجه الكثير من العقبات الدستورية والسياسية.

وكشفت تقارير صحفية مؤخراً أنّ الترشيح الذي ناله المالكي داخل الإطار التنسيقي لم يكن "إجماعياً"، وهو ما يعكس شرخاً قد يظهر بوضوح عند عملية التصويت داخل البرلمان.

ويواجه المشهد البرلماني تعقيدات كثيرة، إذ يربط مسعود بارزاني دعمه للمالكي بضمان تمرير مرشّحه لرئاسة الجمهورية (وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين)، في صفقة تبادليّة تهدف لتجاوز عقبات حزب (PUK).

كما يصطدم ترشيح المالكي برفض قاطع من بعض قوى "المجلس السياسي الوطني" (أكبر كتلة سنيّة)، مقابل دعم من تحالفي "العزم" و"الحسم"، ما يجعل المكون السني منقسماً حيال العودة لحقبة "المالكي".

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور أسعد كاظم شبيب، أن ترشيح المالكي في هذا التوقيت الحساس لا يمكن فصله عن مسعى لـ"ردّ اعتبار سياسي" لولاية ثالثة كان يسعى إليها عام 2014، قبل أن تحول دونها الظروف الأمنية والسياسية آنذاك.

ويشير شبيب في حديثه لموقع "TRTعربي"، إلى أن الإصرار الحالي على عودة المالكي يأتي في سياق انقسام واضح، إذ تبدي قوى فاعلة تحفظات صريحة خشية تداعيات سياسية وأمنية محتملة، ولا سيما في ظل تعقيدات المشهد وتطورات الوضعين السوري والإقليمي.

ويضيف أن الفيتو الأمريكي على عودة المالكي فاقم هذه التحفظات، إذ أعاد إلى الواجهة المخاوف من إعادة إنتاج أزمات سابقة، سواء على المستوى الأمني أم فيما يتعلق بتوازنات الشراكة الوطنية.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرجّح شبيب أنّه في حال استمرار الرفض الأمريكي وتوازيه مع اعتراضات داخلية شيعية وسنية وكردية، فإن خيار "مرشح التسوية" سيبقى مطروحاً بقوة، سواء عبر تقديم شخصية بديلة من داخل تحالف المالكي أم الدفع باسم جديد يحظى بقبول أوسع.

ويرتبط هذا المسار، بحسب شبيب، بحسم ملف انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يشكّل بدوره عقدة دستورية، قد تُضعف فرص المالكي، وتفتح الباب أمام حلول سياسية أقل صدامية.

ويتطلب انتخاب رئيس الجمهورية حضور 220 نائباً، وهي العقدة التي قد يستخدمها المعارضون لفرض "الثلث المعطل"، ما يؤدي بالضرورة إلى إجهاض تكليف المالكي قبل أنْ يبدأ.