آراء
تركيا
7 دقيقة قراءة
ربع قرن من حكم "العدالة والتنمية".. كيف غيّر الحزب وجه تركيا؟
تحل الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس حزب العدالة والتنمية، الذي خاض أول انتخابات عامة بعد نحو عام واحد فقط من تأسيسه، فحقق فوزاً مكّنه من تشكيل الحكومة والاستمرار في السلطة طوال ما يقرب من ربع قرن، في تجربة شكلت تحولاً بارزاً في التاريخ السياسي التركي.
ربع قرن من حكم "العدالة والتنمية".. كيف غيّر الحزب وجه تركيا؟
يدخل حزب العدالة والتنمية المرحلة التي تسبق انتخابات 2028 بوصفه القوة السياسية الأبرز في البلاد.

وتتضح أهمية هذه التجربة أكثر عند وضعها في سياق العقود التي سبقت صعود الحزب، عاشت خلالها تركيا فترات طويلة من الحكومات الائتلافية المتعاقبة الضعيفة وغير المستقرة، ترسخت خلالها الوصاية العسكرية بوصفها أحد أبرز محددات الحياة السياسية التركية.

فقد رسم الجيش خطوطاً حمراء أمام الحكومات المنتخبة، وخصوصاً في قضايا العلمانية وتوجهات السياسة الخارجية، وتدخل كلما رأى أن السلطة السياسية تجاوزت تلك الحدود؛ إما عبر الانقلابات العسكرية المباشرة، كما حدث عامي 1960 و1980، وأما من خلال الإنذارات والضغوط، كما جرى عامي 1971 و1996.

وبمرور الوقت، نشأت علاقة متبادلة بين هشاشة الحكومات وقوة المؤسسة العسكرية؛ فضعف الحكومات الائتلافية وقصر أعمارها عززا نفوذ الجيش في السياسة، بينما أسهم تدخل المؤسسة العسكرية المتكرر في إضعاف الحكومات المنتخبة وزيادة هشاشة النظام السياسي.

وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، وجد نفسه أمام هذا الإرث الثقيل، فقلّص قدرة المؤسسة العسكرية على فرض إرادتها على الحكومات المنتخبة، وسعى إلى تجاوز الخطوط الحمراء التي حكمت المجال السياسي التركي لعقود.

ولم يكن هذا المسار سهلاً، فقد دخلت النخب العسكرية سريعاً في مواجهة مع الحكومة الجديدة، وسعت إلى فرض حدود على حركتها السياسية. وبلغ الصراع إحدى أبرز محطاته عام 2007، عندما أصدر الجيش ما عُرف بـ"المذكرة الإلكترونية"، في محاولة للضغط على الحكومة والتأثير في المسار السياسي.

وهنا برز أحد الفوارق الأساسية بين تجربة حزب العدالة والتنمية وتجارب حكومات سابقة؛ إذ رفض الحزب التكيّف مع الوصاية العسكرية أو التسليم بحق البيروقراطية في رسم حدود السلطة التي تتمتع بها المؤسسات المنتخبة.

وكان رجب طيب أردوغان، منذ قيادته للحزب مروراً برئاسة الوزراء وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، واضحاً في التمسك بمبدأ أن شرعية الحكم مصدرها صناديق الاقتراع، وأن من يفز بثقة الناخبين يمتلك حق إدارة البلاد من دون الحاجة إلى إذن من المؤسسة العسكرية أو البيروقراطية.

ومن "المذكرة الإلكترونية" عام 2007 إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها تنظيم "غولن" الإرهابي عام 2016، حافظ أردوغان على هذا الموقف، ورفض الخضوع للضغوط الرامية إلى تقليص سلطة المؤسسات المنتخبة.

الحقوق

بالتوازي مع تراجع الوصاية العسكرية وترسّخ سلطة المؤسسات المنتخبة، شهد المجتمع التركي مساراً آخر من الإصلاحات، تمثل في إعادة الاعتبار إلى حقوق فئات واسعة عانت لعقود من القيود والإقصاء، وفي مقدمتها الأكراد والمحافظون المتدينون.

فعلى صعيد القضية الكردية، شهدت سنوات حكم حزب العدالة والتنمية سلسلة من الإصلاحات التي رفعت جانباً مهماً من القيود المفروضة على اللغة والثقافة الكرديتين. وفي عام 2004، افتُتحت أول معاهد خاصة لتعليم اللغة الكردية في عدد من المدن، من باتمان إلى إسطنبول، قبل أن تطلق هيئة الإذاعة والتليفزيون التركية "TRT" عام 2009 قناة ناطقة بالكردية، لا تزال تبث اليوم باسم "TRT Kurdi". وفي العام نفسه، بدأت معاهد متخصصة باللغة الكردية العمل في الجامعات التركية.

وقد تبدو هذه الإجراءات اليوم جزءاً طبيعياً من المشهد التركي، لكنها كانت قبل سنوات قليلة فقط موضع خلاف سياسي حاد، وواجهت معارضة قوية من قطاعات داخل البيروقراطية التقليدية وأحزاب المعارضة.

أما التحول الثاني، فتعلق بالأتراك المحافظين، وفي مقدمتهم النساء المحجبات اللواتي عانين لسنوات من قيود حالت دون دخولهن الجامعات ومؤسسات عامة بسبب ارتداء الحجاب.

وكانت هذه القيود مدعومة آنذاك من مراكز نافذة داخل الدولة، تمتد من المؤسسة العسكرية إلى الهيئات القضائية العليا. ولذلك، لم يكن رفع القيود مجرد تعديل قانوني، بل جزء من مواجهة سياسية أوسع خاضها حزب العدالة والتنمية وأردوغان مع مراكز القوى التقليدية في البيروقراطية والسياسة وقطاع الأعمال. ولم تقتصر التحولات على الأكراد والمحافظين، بل امتدت إلى جماعات أصغر عانت بدورها من القيود.

ومن أبرز الأمثلة افتتاح أول كنيسة جديدة للسريان في إسطنبول منذ نحو مئة عام، في خطوة حملت دلالة رمزية على التحولات التي طرأت على علاقة الدولة بأقلياتها الدينية. وفي ملف اللاجئين، تمسك أردوغان بسياسة فتح الأبواب أمام اللاجئين، حتى عندما تحولت القضية إلى ورقة انتخابية ضده.

وقبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2023، ومع وجود نحو أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا آنذاك، تبنت معظم أحزاب المعارضة خطاباً ضاغطاً بشأن الهجرة واللاجئين. لكن أردوغان تمسك بموقفه، قائلاً: "سنواصل إبقاء أبوابنا مفتوحة أمام المحتاجين. بالأمس جاؤوا من العراق وسوريا وأفغانستان، واليوم يأتون من أوكرانيا، وغداً لا نعرف من أين سيأتون. لكن هذا البلد سيظل دائماً ملاذاً للمظلومين".

المكاسب الاقتصادية

شكل الاقتصاد أحد أبرز ميادين التحول خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية. فقد وصل الحزب إلى السلطة في أعقاب الأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت تركيا عام 2001، ليبدأ بعدها مساراً طويلاً من النمو وتطوير البنية التحتية وتوسيع الخدمات.

وتظهر بعض المؤشرات حجم التحول؛ ففي عام 2002 كان الناتج المحلي الإجمالي لليونان يعادل نحو 60% من نظيره التركي، فيما بات الاقتصاد التركي اليوم أكبر من اقتصادات الدول الثماني المجاورة لتركيا مجتمعة.

لكن التحول الاقتصادي خلال هذه المرحلة لا يمكن اختزاله في مؤشرات الناتج المحلي وحدها. فمنذ عام 2002، شهدت تركيا موجة واسعة من مشروعات البنية التحتية الكبرى، شملت الجسور والأنفاق والسدود والمطارات والمستشفيات وشبكات النقل، إلى جانب مشروعات الإسكان الاجتماعي.

ومن أبرز هذه المشروعات مطار إسطنبول، الذي افتُتح عام 2018 وأصبح أكثر مطارات أوروبا ازدحاماً، وجسر "جناق قلعة 1915" الذي يمتلك أطول فتحة رئيسية بين برجي جسر معلق في العالم بطول 2023 متراً، فضلاً عن سد يوسف إيلي، أعلى سد خرساني مقوس في أوروبا، ونفق أوراسيا الذي يعبر أسفل قاع البحر ويربط بين جانبي إسطنبول.

وأصبحت هذه المشروعات العملاقة إحدى السمات المرتبطة بسنوات حكم أردوغان، لكن سياسة البنية التحتية لم تقتصر على المشروعات التي تحطم الأرقام القياسية، بل امتدت إلى خدمات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

ويبرز في هذا السياق قطاع الإسكان؛ فمنذ عام 2002، أنشأت إدارة الإسكان الجماعي التركية "TOKİ" وسلمت نحو 1.76 مليون وحدة سكنية في مختلف أنحاء البلاد. كما سلمت أكثر من 455 ألف وحدة في الولايات المتضررة من زلزال عام 2023، ضمن عملية إعادة إعمار واسعة أعقبت الكارثة.

الصناعات الدفاعية

تمثل الصناعات الدفاعية أحد أبرز التحولات التي شهدتها تركيا خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، ليس فقط من حيث حجم الإنتاج والتقدم التقني، وإنما أيضاً لما أحدثته من تغيير في نظرة البلاد إلى قدراتها وموقعها الإقليمي والدولي.

فبعد عقود من الاعتماد الكبير على استيراد المعدات والمنظومات الدفاعية، نجحت تركيا في بناء قاعدة صناعية محلية باتت تنتج طيفاً واسعاً من الأسلحة والمنصات، من بنادق المشاة "MPT" وعائلة متنامية من الطائرات المسيّرة، إلى السفن الحربية والمركبات المدرعة، فضلاً عن طائرة التدريب النفاثة والقتال الخفيف «حُرجيت»، والمروحية الهجومية "T129 أتاك".

ويتواصل هذا المسار مع مشروعات أكثر تقدماً، في مقدمتها دبابة "التاي" والمقاتلة "قآن" من الجيل الخامس، فيما باتت خمس شركات دفاعية تركية مدرجة ضمن قائمة أكبر 100 شركة دفاعية في العالم.

ولا تقتصر أهمية هذه الطفرة على عائداتها الاقتصادية المتزايدة أو نمو الصادرات الدفاعية؛ إذ منحت تركيا هامشاً أوسع للاستقلال في قراراتها العسكرية، وساعدتها على تقليص أثر القيود والعقوبات التي يمكن أن تفرض على توريد الأسلحة والمعدات اللازمة لعملياتها. وفي الوقت نفسه، تحولت الصناعات الدفاعية إلى أداة في السياسة الخارجية، تستخدمها أنقرة لتعزيز علاقاتها وبناء شراكات وتحالفات جديدة.

وهذا التحول ليس منفصلاً عن الصورة الأوسع لربع قرن من حكم حزب العدالة والتنمية. فمن الطاقة والبنية التحتية إلى الصحة والنقل والصناعات الدفاعية، شهدت تركيا توسعاً واضحاً في قدرات الدولة، بالتوازي مع تحولات سياسية واجتماعية، أعادت حقوقاً إلى فئات ظلت لعقود على هامش النظام السياسي والاجتماعي.

وبعد سلسلة طويلة من الاختبارات والأزمات، رسّخ حزب العدالة والتنمية موقعه بوصفه الحزب الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ التعددية الحزبية التركية، ولا يزال يدخل المرحلة التي تسبق انتخابات 2028 بوصفه القوة السياسية الأبرز في البلاد.

لكن التحدي المقبل قد يكون مختلفاً عن تحديات السنوات الأولى. فالأجيال الجديدة لم تعش تركيا ما قبل عام 2002، ولم تختبر أزمات تلك المرحلة، من هشاشة الحكومات إلى التضخم المفرط والقيود الاجتماعية والسياسية. ولذلك، لن يكون استحضار الماضي وحده كافياً للحفاظ على تأييد هذه الأجيال.

وسيتوقف مستقبل حزب العدالة والتنمية إلى حدٍّ كبيرٍ على قدرته على تحويل إرث السنوات الخمس والعشرين الماضية إلى مشروع قادر على مخاطبة تطلعات الشباب للمستقبل؛ جيل يرى أمامه ما حققته تركيا في قطاعات عديدة، لكنه سيحكم على الحزب بقدر ما يستطيع تقديمه له في السنوات المقبلة، لا بما أنجزه للأجيال التي سبقته.

 جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.



مصدر:TRT Arabi
اكتشف
المسيرات في مرمى ترمب.. رسوم أمريكية تصل إلى 100%
الإمارات تدين "هجوما إيرانيا" على ناقلتين لأدنوك في مضيق هرمز
تركيا: نهدف إلى إنهاء اعتمادنا على الخارج في تأمين احتياجات الطاقة
الدفاع التركية: اتفاقية مكة دفاعية وتعاون إقليمي لتعزيز أمن الملاحة في باب المندب
"الحوثي" تهاجم تعز ولحج وتعلن مقتل 7 من عناصرها.. ورئيس "الرئاسي" اليمني يرفض هدنة جديدة
توقيف 30 مشتبهاً بهم في عملية أمنية متزامنة بثلاث ولايات تركية ضد تنظيم "عليهان كروش" الإجرامي
ربع قرن من حكم "العدالة والتنمية".. كيف غيّر الحزب وجه تركيا؟
بوتين يزور جزر الكوريل المتنازَع عليها مع اليابان.. وطوكيو تحتجّ بشدة
كولومبيا.. سباق مع الزمن لإنقاذ ناجين من تحت الأنقاض بعد زلزال أودى بحياة 265 شخصا
مقتل جنديين أمريكيين في تحطم مروحية أباتشي بولاية تكساس
إيران لترمب: مضيق هرمز لن يُفتح دون شروطنا
فيدان من بنغازي: تركيا تؤدي دورا بنّاء في ترسيخ الهدوء ودعم الحوار في ليبيا
حماس: سنخوض الانتخابات الفلسطينية في إطار أوسع تحالف وطني
فيدان: أجرينا مباحثات مثمرة في العاصمة الليبية طرابلس ومدينة بنغازي
العراق.. الزيدي يؤكد 30 سبتمبر موعداً نهائياً لإنهاء مهمة التحالف الدولي