مع اقتراب موعد العودة المدرسية في المغرب يثار الجدل من جديد عن ضرورة اعتماد اللغة الانجليزية لغة أجنبية أولى بدلاً من اللغة الفرنسية، وذلك لعدة اعتبارات علمية واقتصادية.

منذ حصولها على الاستقلال استمرت غالبية بلدان المغرب العربي في اعتماد اللغة الفرنسية لغة أجنبية أولى استطاعت أن تفرض هيمنتها على المستوى الثقافي والتعليمي، وذلك انطلاقاً من دافع سياسي.

وبينما بدأ اليوم يتراجع النفوذ الفرنسي تدريجياً في هذه البلدان تزامناً مع تشكل وعي شعبي قوي مناهض لسياسات التبعية، بدأت تتأكد الحاجة لدى الأوساط التعليمية والنخب الثقافية والمزاج العام، إلى ضرورة تعلم اللغة الإنجليزية واعتمادها بدلاً من اللغة الفرنسية، فقد أصبحت لغة البحث العلمي وسوق العمل والتكنولوجيا.

وانطلاقاً من هذا المبدأ انطلقت حملة رقمية واسعة في المغرب تدعو لاعتماد اللغة الإنجليزية لغة ثانية بدلاً من الفرنسية.

"نعم للإنجليزية لا للفرنسية"

تحت وسم "نعم للإنجليزية لا للفرنسية" أطلق عدد كبير من المغاربة حملة إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، يطالبون فيها باستبدال اللغة الفرنسية التي على حد تعبيرهم عفا عليها الزمن، وإحلال اللغة الإنجليزية لغة العصر والرقمنة.

ويعتبر ناشطون أن تعلم اللغة الإنجليزية واعتمادها لغة أجنبية أولى قد تفتح لهم أفاق المستقبل بأسواق الشغل العالمي، وتتيح لهم فرص الانفتاح على الثقافات الأخرى العالمية، على عكس الفرنسية.

فيما يعزو آخرون دوافع مطالبتهم بإدراج اللغة الإنجليزية، إلى أن المحتوى التعليمي المتعلق بآخر المستجدات التقنية أو العلمية متاح وبحجم ضخم باللغة الإنجليزية

وبينما تحتل الفرنسية اليوم المرتبة التاسعة في قائمة اللغات الأكثر انتشاراً في العالم وتأتي اللغة الإنجليزية أولاً في الترتيب، يصبح من المنطقي حسب رأي ناشطين أن يدعو المغاربة إلى إزالة اللغة الفرنسية من كونها اللغة الأجنبية الأولى من المناهج الأكاديمية واستبدال الإنجليزية بها.

واتساقاً مع ذات المنطق أكد في وقت سابق إدوارد فيليب رئيس الوزراء الفرنسي السابق في تغريدة له على حسابه الرسمي على تويتر على أن ”تعلم الإنجليزية هو الطريق الصحيح لضمان مستقبل أفضل”.

وأجرى المركز الثقافي البريطاني مؤخراً دراسة استقصائية مستقلة في المغرب تحت عنوان Shift to English in Morocco تسلط الضوء عن إمكانية الانتقال إلى اعتماد اللغة الانجليزية في المغرب ودوافع الشباب المغاربة في الدعوة إلى ذلك، وتبين وفق ما جاء في الدراسة لاحقاً وأشار إليه بلاغ المجلس الثقافي البريطاني أن أزيد من نحو ثلثَي الشباب المغاربة ممن جرى سؤالهم، على اقتناع تام بأن اللغة الإنجليزية ستنجح خلال السنوات الخمس القادمة في أخذ مكان اللغة الفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى في المغرب. ويعتبر مراقبون ومحللون أن تعلم هذه اللغة والانتقال إليها لن يكون من الصعب، فالمجتمع المغربي يتمتع بثقافة وتاريخ غني ومتنوع ومتعدد اللغات وهي ميزة هامة.

تباين في مواقف النخب المثقفة

يبدو للكثيرين أن هذه الحملة الرقمية النوعية التي انطلقت في المغرب وتدعو لاعتماد اللغة الإنجليزية بدلاً من الفرنسية تعكس في الحقيقة توجهاً عاماً يدعو للانفتاح على اللغات الأكثر تداولاً في العالم، والتي ستفتح الآفاق أمام الشباب المغربي.

ويرى محللون وناشطون أن تراجع الفرانكفونية في بعض البلدان على غرار المغرب قد يؤدي إلى تراجع دورها وتأثيرها الثقافي بالضرورة.

ولم تكن الحملة التي شارك فيها عدد كبير من الشباب المغاربة هي الأولى، فالنقاش حول هذه المسألة أثير من قبل في الأوساط السياسية والثقافية وطرح في شكل مبادرات لإصلاح منظومة التعليم، وقد دعا في السياق ذاته وزير التعليم العالي السابق لحسن الداودي في أكثر من مناسبة إلى الاهتمام بالإنجليزية وجعلها إلزامية في مجموعة من التخصّصات الجامعية.

ولكن هذا النقاش لا يزال يثير انقساماً واضحاً في الأوساط الثقافية والسياسية المغربية، فتوجد فئة هامة ترى أن قطع علاقة المغرب باللغة الفرنسية لن يكون سهلاً أو سلساً.

وفي السياق ذاته قال عبد الإله الخضري، أحد مؤسسي المركز المغربي لحقوق الإنسان في تصريح إعلامي سابق لإحدى الصحف المحلية المغربية إن “هذا النقاش يوازي مرور المغرب في الآونة الأخيرة من مرحلة دقيقة في علاقاته السياسية مع فرنسا، وإن تصريحات الفاعلين السياسيين المغاربة ليست عبثية، بل تشير إلى عبء الدولة من هذا الاستناد الدائم إلى الثقافة الفرنسية، وتندرج في إطار إرادة سياسية للتخلّص من هذه الهيمنة الفرنكفونية على المغرب”.

TRT عربي
الأكثر تداولاً