نادي باريس سان جيرمان (AA)

الاستثمار الخليجي في الأندية الرياضية العالمية كان دائماً مصحوباً بحالة من الشد والجذب، فضلاً عن تساؤلات حول جدواه، وهل آتى أكُله وحقق الأهداف والمكاسب المرجوة على مختلف الصعد، وبخاصة فنياً ورياضياً.

ووجِهت اتهامات بالإخلال بمبدأ "اللعب المالي النظيف"، الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، إلى بعض التجارب الخليجية، وخصوصاً الإماراتية التي استحوذت على ملكية "مانشستر سيتي"، القطب الأزرق من مدينة مانشستر.

تجارب قطرية

لا يمكن الحديث حول الاستثمار الخليجي في الأندية العالمية دون التطرق إلى قطر، التي نجحت في الاستحواذ على ملكية نادي العاصمة الفرنسية باريس سان جيرمان عام 2011، من خلال ذراعها "هيئة قطر للاستثمارات الرياضية" بقيادة ناصر الخليفي.

استحواذ القطريين على النادي الباريسي شكل نقلة نوعية للعاصمة الفرنسية وفريقها الأول، وبات "يُحسب له ألف حساب" كما يقول مراقبون، بعدما فرض هيمنة كاملة على البطولات المحلية، كما أنه أضحى رقماً صعباً في مسابقة دوري أبطال أوروبا.

وكان سان جيرمان قاب قوسين أو أدنى من التتويج بلقب النسخة الماضية من "ذات الأذنين"، قبل أن يكتفي بالوصافة، فيما تمكن من الإطاحة ببرشلونة الإسباني في ثُمن نهائي النسخة الحالية من "أمجد الكؤوس الأوروبية".

ويضم العملاق الباريسي ضمن صفوفه كوكبة من أبرز نجوم الكرة العالمية، على غرار البرازيلي نيمار دا سيلفا، والفرنسي كيليان مبابي، والإيطالي ماركو فيراتي، وغيرهم.

وفي تجربة ثانية ولكن يطغى عليها الطابع الفردي؛ استحوذ عبد الله بن ناصر آل ثاني، أحد أعضاء العائلة الحاكمة في قطر، على نادي ملقة الأندلسي، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1904، وذلك بدءاً من صيف 2010.

أما على مستوى المؤسسات، فتمتلك "أسباير زون" القطرية "كولتورال ليونيسا" أحد أندية الدرجة الثانية بإسبانيا منذ 2015، كما أنها تستحوذ على ملكية نادي "أوبين" الذي ينافس حالياً في الدوري البلجيكي الممتاز.

وفي ما يتعلق برعاية القمصان، كانت مؤسسة قطر أول راعٍ رسمي في تاريخ برشلونة الإسباني، بين عامي 2011 و2013، ثم حل شعار الخطوط القطرية، وهي الناقلة الوطنية للدولة الخليجية، حتى عام 2017.

نادي باريس سان جيرمان (AA)

لم تكتفِ "القطرية" برعاية قميص برشلونة فحسب، بل أضافت ناديي العاصمة الفرنسية والإيطالية، سان جيرمان وروما، إلى القائمة، كما أنها تعتبر أحد الشركاء البلاتينيين لبايرن ميونيخ الألماني، إلى جانب رعاية بوكا جونيورز الأرجنتيني.

استثمار إماراتي

الإمارات كانت سباقة في اقتحام الاستثمار الرياضي، إذ يعود تاريخ استحواذها على مانشستر سيتي الإنجليزي إلى عام 2008، عندما اشترته مجموعة "أبو ظبي المتحدة للاستثمار والتطوير" التي يمتلكها منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الوزراء ووزير شؤون الرئاسة.

كما أن شركة "طيران الاتحاد" المملوكة بالكامل لحكومة أبو ظبي لديها اتفاقية طويلة الأمد مع النادي الإنجليزي، تشمل رعاية قميص الفريق الأول وقمصان التدريبات، وحقوق تسمية ملعب الفريق وأكاديميته للناشئين.

وإلى جانب مانشستر سيتي تضم مجموعة سيتي لكرة القدم تحت لوائها 9 أندية أخرى، هي: نيويورك سيتي الأمريكي، وملبورن سيتي الأسترالي، ويوكوهاما إف مارينوس الياباني، ومنتيفيديو سيتي الأوروغوياني، وجيرونا الإسباني، وشوانج الصيني، ومومباي سيتي الهندي، ولوميل البلجيكي، وتروا الفرنسي.

بدورها تستحوذ مجموعة "الإمارات الملكية"، التي يملكها بطي بن سهيل آل مكتوم، على خيتافي أحد أندية العاصمة الإسبانية منذ عام 2011، في حين تحضر "طيران الإمارات"، المملوكة لحكومة دبي، بقوة من خلال رعاية أندية أوروبية في كرة القدم، علاوة على رياضات أخرى كسباقات السرعة منذ عام 2013، والتنس والغولف والرغبي وسباقات الخيل وغيرها.

وترتبط "طيران الإمارات" بشراكة مع أرسنال الإنجليزي منذ عام 2006 حتى 2024، تتضمن إطلاق اسم "الإمارات" على ملعب الفريق اللندني حتى عام 2028، كما رعت قميص سان جيرمان بين عامي 2005 و2019، فيما تستمر رعايتها لقميص كبير العاصمة الإسبانية ريال مدريد منذ 2011 حتى الآن، إضافة إلى رعاية أندية ميلان الإيطالي، وبنفيكا البرتغالي، وأولمبياكوس اليوناني.

دخول سعودي متأخر

كان السباق ينحصر بين قطر والإمارات عند الحديث عن الاستثمار العربي في مجال الرياضة، وسط محاولات مؤشرات متزايدة إلى إصرار سعودي على اللحاق بالجارتين الخليجيتين، كان آخرها اهتمام صندوق الاستثمارات العامة السعودي بالحصول على حصة في ملكية نادي إنتر ميلان الإيطالي.

هذه الخطوة تأتي بعد محاولة لم تتكلل بالنجاح قام بها الصندوق السعودي لشراء نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، قبل أن يعلن صيف العام الماضي انسحابه، في ضوء انتقادات دولية وحقوقية وجِّهت إلى الرياض بشأن القرصنة الرياضية وملف حقوق الإنسان.

ومع هذا يمتلك أمراء وشخصيات مقربة من النظام السعودي الحاكم أندية رياضية، في إشارة إلى عبد الله بن مساعد آل سعود الذي أكمل استحواذه على شيفيلد يونايتد أحد أندية الدوري الإنجليزي في عام 2019، بعد أن كان يمتلك نسبة في النادي العريق منذ سبتمبر/أيلول 2013.

وشيفيلد يونايتد ينضوي تحت مجموعة "يونايتد وورلد"، التي تضم أيضاً أندية شاتورو الفرنسي، وبيرشكوت البلجيكي، وكيرالا يونايتد الهندي، والهلال يونايتد الإماراتي.

كما أن تركي آل الشيخ، الذي يرأس حالياً هيئة الترفيه بالسعودية، وترأس سابقاً هيئة الرياضة، أصبح المالك الوحيد لنادي ألميريا الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية الإسباني باستحواذه على 99.8% من الأسهم، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

نعم ولكن!

يعتقد المختص في عالم التسويق الرياضي عادل الشتيوي أن الاستثمار العربي في الرياضة "آتى أُكله، ولكن لم يصل بعد إلى مرحلة حصد النتائج والألقاب، وإن كان قد نجح في الوصول إلى مرحلة المنافسة الحقيقية على الألقاب".

ويرى "الشتيوي" في حديثه لـ"TRT عربي"، أن قوانين الاتحاد الأوروبي للعبة الخاصة باللعب المالي النظيف، دفعت المستثمرين الخليجيين إلى انتهاج سياسة "الإنفاق المادي الذكي، وإبرام صفقات بأسعار معقولة، والنهوض بمستوى النادي كمنظومة جماعية، مع عدم الاستعجال في الوصول إلى مرحلة الحصاد، والتركيز على بناء الفرق تدريجياً".

وأبرز العراقيل التي يتعرض لها المُلاك الجدد للأندية الرياضية يلخصها "الشتيوي" في "عدم وجود خبرات كافية في مجال كرة القدم"، موضحاً أن الحديث يدور هنا حول اختلاف الخبرات ما بين دولة وبطولة وحجم المنافسة وطبيعة الفريق وكيفية بنائه، إضافة إلى طبيعة أنظمة الدولة في إدارة كرة القدم، وبخاصة ما يتعلق بالضرائب.

ويستدل في حديثه هنا بأن عائلة غلايزر الأمريكية "لم توفَّق في أول 5 أعوام من استحواذها على مانشستر يونايتد، بسبب اعتزال المدرب الأسكتلندي أليكس فيرغسون"، مؤكداً أنه "لا يمكن حل العراقيل وتخطيها منذ اليوم الأول بدون اكتساب الخبرات من التجارب التي تحصل بمرور الوقت".

ويبين أن "القفزات التي تحصل في الأندية المملوكة لمستثمرين أجانب لا تحصل في ليلة وضحاها، بقدر التصرف بذكاء وهدوء في صناعة هذا الاستثمار بالشكل الصحيح لوضعه على بوصلة الكرة العالمية في قادم السنوات".

ويلفت إلى أن "أغلب الأندية الأوروبية لها نشأة وتأسيس يقارب 100 عام"، مستدركاً بسؤال مفاده "ولكن كم منها لديه تاريخ حافل بالأمجاد والنجاح؟"، قبل أن يجيب قائلاً: إنها "قلة".

نيمار مع ناصر الخليفي، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لباريس سان جيرمان (Wikipedia)

وحول سر الإصرار الخليجي على التوجه إلى قطاع الرياضة، يوضح المختص في هذا الشأن أن ذلك مبني على سلامة هذا القطاع، وحجم الأموال المنفقة، في ضوء وجود اتحادات منظمة وقوانين واضحة، تحدد مسار نجاح هذا العمل من فشله، مقارنة بعملية التوجه إلى قطاعات الأسهم أو العمل الإلكترونية أو مجال التسويق الإلكتروني.

ويضيف مبيناً أن كل هذا يضاف إلى "حجم الشهرة والإعجاب والجذب الذي يلقاه مجال الرياضة بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص"، ويرى أن "الاستمرار في الرياضة هو استثمار حقيقي بأقل نسبة خطورة ممكنة، مبني على نتائج وإحصائيات وبيانات واضحة".

تجارب ناجحة

المحلل الرياضي يرى أن تجربتَي باريس سان جيرمان الفرنسي ومانشستر سيتي الإنجليزي هما الأكثر نجاحاً حتى الآن، إذ تخطى الأول مرحلة الاستثمار ليصبح شريكاً رسمياً في صناعة كرة القدم، بعدما بات متصدر المشهد في الدوري الفرنسي منذ استحواذ القطريين عليه قبل 10 أعوام.

ويضيف أن "العملاق الباريسي أضحى بطلاً شبه دائم سنوياً على منصات البطولات المحلية وصولاً إلى نهائي دوري الأبطال 2020"، واصفاً "PSG" بأنه بات "قوة تمثل الكرة الفرنسية"، و"جزءاً من منظومة الـ14 الكبار في أوروبا على الرغم من حداثة تاريخه".

كما يعتقد أن مانشستر سيتي، على الرغم من فشله على الصعيد القاري، يعد من ضمن التجارب الاستثمارية الناجحة، في ظل النقلة النوعية التي طرأت على "السيتزن" أداءً وتطوراً ومنافسة، ترجمها بحصد الألقاب وبخاصة تحقيق الرباعية التاريخية في إنجلترا قبل عامين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً