هي أشياءُ بسيطة لكنْ جميلة وممتعة وأخاذة. أشياءُ لا يعرِفها مواليد الألفية الثالثة، وربما لن يعرف الاستمتاع بها، في عالمٍ أصبح الجميعُ فيه متسمّراً أمام شاشة هاتفه الذكيّ. تعرّف بعضاً من أجمل ما احتفظت به ذاكرةُ جيل الثمانينات والتسعينات.

"الأطفال اليوم يملكون هواتف من نوع آيفون، وآخر ماركات الآيباد، ومع ذلك يشتكون ويتذمّرون. في أواخر التسعينات اشترى لي والدي مِسطرةً مدرسية بداخلها ماءٌ مزيّن بنجماتٍ صغيرة، وأذكر أنني لم أنَم يومين كاملين من شدّة الفرح".

هكذا تكلّم شخصٌ من مواليد بداية التسعينات. بعينين تلتمعان من وطأة الحنين يضيف: "أشياء صغيرة كانت كافيةً لإسعادِنا. لكنّ العالم تغيّر كثيراً، ولم يعُد للأشياء الآن أيّ قيمة".

العالمُ تغيّر بالفعل. واستُبدِلت هواتف الـNokia الصغيرة بهواتف ذات شاشاتٍ كبيرة تحوي في داخلها تطبيقاتِ الاتصال والشات والألعاب والموسيقى ومواقع التواصل... عُوِّضَت كاسيتات الأغاني وجهاز التسجيل باليوتيوب، و"لُعبة الدودة" التي كان يقضي معظم الأطفال في البلدان العربية وقتهم معها بلا ملل، بألعابِ البلايستيشن. لم يعُد هناك تلفازٌ بالأبيضِ والأسود ولا جلساتٌ عائلية دافئة أمام فيلمٍ مصريٍّ رومانسي قديم بطلاه فاتن حمامة وعُمر الشريف، ولا ألعابُ "الحبل" و"الغميضة" التي كان يقضي الأطفال أيام الآحادِ في اللهو بها حتى غروب الشمس، فيدخلون إلى بيوتهم متعبين، وينامون عند التاسعة مساء.

اليوم تغيّر كلّ شيء. لكنّ جيل الثمانينات والتسعينات لا يزال يتذكر بحنين هذه الأيام الدافئة، حين كان العالمُ لا يزال "إنسانياً" جداً وواقعياً جداً.

المسلسل الكرتوني مغامرات حنين (Wikipedia)

هي أشياءُ بسيطة لكنْ جميلة وممتعة وأخاذة. أشياءُ لا يعرِفها جيل الألفية الثالثة، وربما لن يعرف الاستمتاع بها، في عالمٍ أصبح الجميعُ فيه متسمّراً أمام شاشة هاتفه الذكيّ. تعرّف بعضاً من أجمل ما احتفظت به ذاكرةُ جيل الثمانينات والتسعينات في العالم العربيّ.

حكاياتٌ لا تُنسى.. فنّ الانبهار أمام المسلسلات الكرتونية

مَن مِن مواليد الثمانينات والتسعينات لم يعُد من المدرسةِ ركضاً لمتابعةِ حلقاتِ رسومه المفضّلة؟

"حكاياتٌ لا تُنسى"، "ماوكلي"، "مغامرات حنين"، "بيل وسيباستيان"، "عهد الأصدقاء"، وغيرها... كلّها رسومٌ متحرّكة كان يتسمّر أمامها الأطفال خلال التسعينات مستمتعين بعوالمها العجيبة ومغامرات أبطالها، متأثرين بالقيم التي كانت تحملها قصصُها، ومردّدين أغانيها الجميلة باللغة العربية الفصحى.

المكتبة الخضراء للأطفال.. القيم الإنسانية النبيلة

"دنانير لبلبة"، "عقلة الأصبع"، "البجعات المتوحشات"، "القداحة العجيبة"... قصصٌ وأخرى من سلسلة المكتبة الخضراء للأطفال، اقتناها وقرأها جيل الثمانينات والتسعينات.

"هي قصصٌ علّمتني الحياة، والشجاعة، والمغامرة وقيم الخير والمحبة والجمال"، يقول محمد، مغربي من مواليد 1993، مضيفاً: "بالإضافة إلى أنها أكسبتني خيالاً واسعاً وأنمت قدراتي اللغوية".

هاتف نوكيا Nokia 3310 الذي لا ينكسر أبداً

"إنه أقوى جهاز في العالم، بحيث يمكن أن يسقط من الطابق الخامس دون أن ينكسر أو يتعطّل. كما كان ممنوعاً وصوله إلى أيدي الأطفال، أما شحنة بطاريته، فلا تنتهي أبداً"، هكذا تصف ندى، سورية من مواليد 1989، هاتف نوكيا 3310 الذي خرج إلى الأسواق عام 2000.

وفي الوقت الذي يمتلك فيه الجميع هاتفاً ذكياً خاصاً به في أيامنا، حتى الأطفال منهم، كانت كلّ أسرة في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تمتلك هاتفاً محمولاً واحداً في البيت. هاتفٌ صغير دون كاميرا ولا تطبيقات ولا إنترنت. هاتفٌ خاصيته الوحيدة هي الاتصالُ عبر رقمٍ هاتفيّ لا غير.

هاتف نوكيا 3310 (Wikipedia)

لكنّ كثيرين من مواليد الثمانينات والتسعينات يتذكّرون هذا الهاتف بحنين وبسعادةٍ كبيرة. تقول ندى لـTRT عربي: "كان حينها لكلّ شيءٍ مَهْما كان صغيراً قيمةٌ كبيرة".

المسلسلات المكسيكية المدبلجة بالعربية الفصحى

ذكَر موقع فاريتي الأمريكي المتخصص في عالم السينما والتلفزيون عام 2018 أن قطاع الدراما التركية نما بشكلٍ ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة. وابتداءً من عام 2008 بدأت الشاشات العربية تنقلُ المسلسلات التركية مدبلَجةً إلى اللهجة السورية.

لكنّ جيل الثمانينات والتسعينات عاشَ فترةً مختلفة من حيثُ الإنتاج الدرامي الأجنبي الذي كان يُعرَض على الشاشات العربية، ويتعلّق الأمر بالمسلسلات المكسيكية المدبلجة إلى العربية الفصحى.

مسلسل إزميرالدا المكسيكي (IMDb)

يتذكر كثيرون مسلسل كوادالوبي وماريا مرسيدس وإزميرالدا... وهي مسلسلاتٌ تحكي القصّة النمطية نفسَها للفتاة الفقيرة والجميلة التي يقَع في حبّها شابّ وسيم وغنيّ. ومع ذلك، كان الجميع يُتابِعها بشغف!

أفلامٌ بالأبيض والأسود.. دفء العائلة

من الأشياء التي لم يعِش حلاوتها الجيل الجديد: جلسةٌ عائلية دافئة، فيلمٌ مصريّ بالأبيض والأسود يُعرَض على تلك الشاشةِ الصغيرة لجهاز التلفزيون الوحيد في البيت، قصصٌ بسيطة من المجتمع المصريّ بطلتُها فاتن حمامة أو سعاد حسني أو نجلاء فتحي...

في المساء، وسط ضوء خافت، يجلس الجميعُ قبالة الشاشة وهم يلتهمون بذور عباد الشمس، متابعين أحداث فيلم "نهر الحبّ" الذي شاهدوه أكثر من مرّة، بنفس مُتعة ودهشة المرّة الأولى، بينما تداعب الأمهات خصلاتِ شعورِ أطفالهنّ الذين يغالبهم النوم. هؤلاء الأطفال هم مواليد الثمانينات والتسعينات!

من فيلم "نهر الحبّ" الذي لعبت دور بطولته الفنانة المصرية فاتن حمامة (IMDb)

طفولة بلا إنترنت.. دفء العلاقات الإنسانية

"ترفض طفلتي البالغة من العمر خمس سنوات اللعب مع أقرانها، وتفضّل اللعب على جهاز الآيباد بدلاً عن ذلك. في عمرها، كنا نخرج ونلعب جماعةً ألعاباً مختلفة ومتنوعة، نركض ونغنّي وننطّ الحبل ونلعب الغميضة"، تقول منى، مصرية من مواليد 1990، وتضيف: "كنا نشيطين كثيري الحركة، نخرج كثيراً، نلتقي أطفالاً آخرين، نكوّن صداقات. باختصار كانت العلاقات الإنسانية وقتها أكثر دفئاً وحميمية".

"معاً لاسترجاع الزمن الجميل"

"بدنا نرجع أيام بنطلون الكونز، وأيام مرتديلا التهريب، والتلفون بلا كاشف، ونعيش بلا ديجيتال ولا ساتلايت". هكذا تعبّر صفحة "بدي أرجع تسعيناتي (أريد أن أعود إلى التسعينات)" على فيسبوك عن حنينها إلى فترة التسعينات. وهي صفحة متخصصة في جمع ونشرِ صور أبرز ما ميّز جيل التسعينات في البلدان العربية.

"بدي أرجع تسعيناتي" ليست الوحيدة، فهناك صفحات أخرى على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك تقدّم الذاكرة الجماعية لهذا الجيل، مثل صفحة "أيام التسعينات" و"تسجيلات من عمر فات" و"تسعيناتي My Nineties"...

تقدّم هذه الصفحات صوراً ومقاطع فيديو لأبرز ما ميّز هذه الفترة، ابتداءً من الملابس وقصّات الشعر، مروراً بماركات المنتوجات الغذائية، حتى الإعلانات والمسلسلات والأغاني والرسوم المتحرّكة التي كانت منتشرة خلال هذه الفترة.

بالطبع لا يمكن التحيّز لأبناء جيلٍ ما، فلكلّ جيلٍ مميزاته ومعيشه وتجربته الخاصّة، لكنّ جيل الثمانينات والتسعينات فريدٌ من نوعه، لأنه عاصر فترتين مختلفتين من التاريخ: جيل "الأبيض والأسود" و"جيل التكنولوجيا". إنه جيلٌ مخضرَم بامتياز!


TRT عربي
الأكثر تداولاً