نظمت الرئاسة التركية معارض فنية في عواصم العالم من لندن إلى كيوتو ومن باريس إلى نيويورك، تعرض أعمال المصور التركي الراحل أرا غولير تكريماً لمسيرته الفنية.

متاحف العالم من لندن إلى باريس ومن الولايات المتحدة إلى اليابان تستعد لاستقبال "عين إسطنبول" في المحافل الفنية، ليزورها محبو الفن من كل أنحاء العالم لرؤية أعمال واحد من أقدم المصورين الأتراك، الذي رفض دوماً الاعتراف بكونه مصوراً، وفضّل أن ُيلقبه الناس بـ"المؤرخ البصري"، إنه المصور التركي أرا غولير.

نظمت الرئاسة التركية معارض فنية في عواصم العالم، تعرض أعمال المصور التركي الراحل أرا غولير تكريماً لمسيرته الفنية، وذلك بالتنسيق مع مراكز الفن في البلاد المختلفة، أولها يبدأ من صالة عرض ساتشي، أحد مراكز الفن في لندن، في المملكة المتحدة، تزامناً مع يوم السيادة الوطنية التركي في الـ23 من أبريل/نيسان 2019.

ستعرض هذه المتاحف أعمال غولير، المؤلفة من حوالي 8000 صورة بالأبيض والأسود، والتي تكون غالبيتها من مدينة إسطنبول خلال 70 عاماً من تاريخها، تُخلد وتوثق مشاهد من المدينة ربما لم تعد موجودة في أيامنا الحالية، وصفها غولير نفسه قبل رحيله بأنها "صور توثق الذاكرة البصرية لإسطنبول"، وكان هذا الدافع وراء شهرة الأخير بلقب "عين إسطنبول".

ماذا يعني التصوير بالنسبة لـ "عين إسطنبول"؟

صورة لأطفال في حي توبخانة في إسطنبول عام 1986 - تصوير أرا غولير
صورة لأطفال في حي توبخانة في إسطنبول عام 1986 - تصوير أرا غولير ()

"حين تسألني هل أنت كبير المهنة، سأقول لك لا يوجد من يُسمى بكبير المهنة، ولكن هناك من يعرف كيف يكون كبيراً في مهنته"، كان ذلك جزءاً من حديث سابق للمصور التركي أرا غولير في مقابلة له يشرح فيها ماذا يعني التصوير له، إذ تابع قائلاً "الصورة ليست عديمة القيمة مثلما يعتقد الكثيرون، على العكس، إننا نكتب تاريخ حياتنا بالصور" ولهذا عُرف غولير بأن التصوير بالنسبة إليه هو التاريخ.

في حديثه عن التصوير يصفه غولير بأنه طريقة تعبير المصور عن علاقته بما يراه، أي هو تطبيق لما يتصوره عن البشر، ويضيف على ذلك بأن التصوير هو انعكاس لما يتوقعه الناس من المصوّر أيضاً، وهذا شيء معقد جداً، حسب ما قاله أرا غولير.

على الرغم من عدم استخدام غولير لقب المصوّر ليُعرف به نفسه، ولم يعترف أيضاً بما يقوله الناس عنه بأنه "كبير المهنة" أو "كبير المصورين"، فإن المجتمع الدولي والرئاسة التركية كرّمت غولير حين وفاته وأرسلت التعازي واصفة إياه بـ"الكبير" تكريماً لإرث غولير ومساهمته في حفظ تاريخ إسطنبول.

كذلك تعمل الرئاسة التركية الآن على إحياء ذكراه بالتنسيق مع المعارض الدولية لعرض صوره حول العالم بعد مرور أكثر من 6 أشهر على وفاته عن عُمر يناهز 90 عاماً.

أرا غولير .. ذاكرة إسطنبول البصرية

صورة لأحد مقاهي الشاي في إسطنبول - تصوير أرا غولير
صورة لأحد مقاهي الشاي في إسطنبول - تصوير أرا غولير ()

"حينما وُلدت كان عُمر الجمهورية التركية خمس سنوات"، يروي غولير عن حياته في مقابلة له متابعاً "مدينتي هي إسطنبول، ولدت فيها عام 1928 لعائلة أرمنية، ولأم عاشت عائلتها وعاش أجدادها في هذه المدينة لأربعة قرون وأكثر".

بدأ غولير عمله في التصوير منذ الخمسينيات، ولمع اسمه مع بداية الستينيات في مجال التصوير الصحفي عالمياً، فعمل في عدة محطات إعلامية ومجلات صحفية أمريكية وأوروبية، من بينها مجلة تايم لايف الأمريكية التي عمل لها مراسلاً صحفياً في البداية.

عمله في المجلات والصحف الدولية أهّله ليكون عضواً في أكثر نوادي التصوير الخاصة بالنخبة، كذلك ساعده في أن يجوب العالم من جنوب آسيا إلى الأمريكتين، إلا أنه حين يتحدث غولير عن أعماله، دائماً ما يشير إلى أن سر شهرته هو صوره لمدينة إسطنبول منذ الأربعينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، وهي الصور التي ركز فيها غولير على الطبقة العاملة، وعلى مشاهد تعكس ثقافة الأتراك خلال تلك السنوات.

كان غولير أول من استخدم تقنية المونوكروم في التصوير، أو المعروفة بالتصوير بالأبيض والأسود، وهو ما جعل البعض يصفه بأنه راوٍ للقصص، يروي حكايات الناس من خلال مشاعر حاول توثيقها في وجوه الناس الموجودة في صوره.

لقد فضّل غولير تصوير الناس في أعماله دون أن يشعروا بذلك، بالنسبة إليه، الكاميرا هي أداة لتوقيف الزمن للحظة واحدة، ولهذا أراد في صوره أن يوقف الزمن عند لحظة تصوّر مشهداً طبيعياً من الحياة اليومية لأهل إسطنبول، أو كما قال "حينما ألتقط صورة لآيا صوفيا، المتحف التركي، فأنا ألتقط صورة للمرء الذي يمر أمام مبنى قد خلده التاريخ".

يرى غولير وجود ما هو أهم من الفن، وذلك هو التاريخ، فالتاريخ هو ما يوثقه المصورون الصحفيون، "نحن عيون العالم"، هكذا وصف المصورون الصحفيون متابعاً "نحن نرى العالم بالنيابة عن الناس، ونُجمّع لهم ذاكرة الأرض البصرية".

إسطنبول و"مجنونة شايو"

"إسطنبول تبدو كـ"مجنونة شايو"، عجوز ولكنها لم تفقد اهتمامها بنفسها، إذا لمستها، ستظهر لك جوهرة".

أرا غولير

وصف غولير مدينة إسطنبول ذات مرة بأنها "مجنونة شايو"، استناداً إلى المسرحية الفرنسية للكاتب الروائي جان جيرودو، الذي اشتهر بموقفه المتشكك من قضية قابلية العالم للتغيير، لذلك جعل جيرودو من الشعر والأحلام أو حتى السخرية المغلفة بالحزن عزاءً له على فقْد الجنة، واستناداً إلى مسرحيته "مجنونة شايو" يصف غولير إسطنبول كالآتي:

"إسطنبول تبدو كـ"مجنونة شايو"، عجوز ولكنها لم تفقد اهتمامها بنفسها، إذا لمستها، ستظهر لك جوهرة". وذلك استناداً إلى المسرحية الفرنسية التي تتحدث عن رجال أعمال فرنسيين يحاولون الاحتيال بالحفر في شوارع باريس لإيجاد البترول خلال ثنائية الحرب بين الطيب والشرير.

غولير الذي أنقذ القرية

صورة من قرية أفروديسياس التي دخلت على قائمة اليونسكو للتراث - تصوير أرا غولير
صورة من قرية أفروديسياس التي دخلت على قائمة اليونسكو للتراث - تصوير أرا غولير ()

تصوير أرا غولير لقرية أفروديسياس، التي تقع غرب منطقة الأناضول في تركيا، جعلها تدخل قائمة اليونسكو للآثار. أعمال غولير في تصوير القرية وما تبقى فيها من آثار رومانية وُجدت في الكتب التاريخية التي تحدثت عن قرية أفروديسياس.

كذلك اعتمد المتحف الخاص بالآثار الموجودة في القرية بشكل كبير على صور غولير المأخوذة من حياة الناس اليومية في القرية، تلك الصور التي توثق مشهدهم وهم يجلسون على بقايا خلّدها التاريخ منذ أيام الإمبراطورية الرومانية.

غولير مع بيكاسو وتشرشل ودالي

الفنان الإسباني سلفادور دالي - تصوير أرا غولير
الفنان الإسباني سلفادور دالي - تصوير أرا غولير ()

خلال مسيرة حافلة من تصوير حياة إسطنبول خلال عشرات السنين، كان لغولير نصيب من تصوير الكثير من الشخصيات السياسية وكثير من الفنانين، من بينهم الرسام السريالي الإسباني سلفادور دالي، والفنان بابلو بيكاسو، ووينستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية.

كان من آخر مشاريع غولير في تصوير الشخصيات العامة والسياسية تصويره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في بيته مع زوجته وأحفاده.

يقول غولير في مقابلة صحفية له عام 2005 "لقد هرب مني ثلاث شخصيات فقط"، شارلي شابلن، الذي رفض تصوير غولير له بسبب كونه مقعداً على كرسي متحرك حينها، والفيلسوف الإسباني جان بول سارتر، الذي كان يعيش بالقرب من مكان عمل غولير في باريس حينها إلا أنه استعصى على الأخير تصويره، وألبرت أينشتاين، الذي مات مبكراً للغاية بحسب حديث غولير.

على الرغم من مكانته لدى محبي الفن ومحترفيه، وخلود صوره في الكتب وموسوعات التاريخ حول العالم، فإن أرا غولير رفض أن يدخل تحت عباءة وصف "الفنان"، إذ علّق على ذلك في مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز عام 1997، قائلاً "أنا أكره أن أكون فناناً، مهمتي أن أُسافر، وأوثق ما أراه، فإن كان فناً كان فناً، وإن لم يكن فهو كذلك، على كل حال سيحدد الناس ذلك بعد 100 عام من الآن".

المصدر: TRT عربي