قرار تطبيع السودان مع إسرائيل الذي أعلن عنه بالموازاة مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، أثار كثيراً من الجدل ومعارضةً شعبية واسعة.

في الوقت الذي كانت تبدو فيه الحكومة السودانية مترددة في خطوة التطبيع مع إسرائيل أسوة بدولتي الإمارات المتحدة والبحرين بعد النقاش الذي أثير داخل الأوساط السودانية والمواقف الرافضة للتطبيع.

إذ سبق أن أكد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في تصريحات عديدةأن "قضية التطبيع مع إسرائيل تحتاج إلى نقاش عميق وسط قطاعات المجتمع السوداني، وأن مثل هذه القضية لا يمكن أن يقرر فيها شخص أو جهة واحدة"، أُعلن بشكل مفاجئ عن قرار تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، إذ أفاد البيان المشترك الذي أصدرته كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والسودان باتفاق "الزعماء على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بين البلدين"، مشيراً إلى أن "الزعماء اتفقوا على بدء علاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز في البداية على الزراعة".

قرار التطبيع الذي أعلن عنه بالموازاة مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، قال عنه وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين في أول تصريح رسمي: إن "الحكومة الانتقالية في السودان وافقت على تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل، وإن المصادقة على الاتفاق تظل من اختصاص الأجسام التشريعية في البلاد"، موضحاً أن ما تم الإعلان عنه في البيان الثلاثي الذي أصدره البيت الأبيض الأمريكي هو اتفاق من الجهاز التنفيذي والسيادي على التطبيع مع دولة إسرائيل، وأن المصادقة علي الاتفاق تأتي من المجلس التشريعي والمؤسسات الديمقراطية التي تضم كل الأحزاب والحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية.

وأضاف وزير الخارجية السوداني: أن "هذا الاتفاق ينهي حالة العداء مع دولة إسرائيل، وسيتبع ذلك كثير من العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والاستثماري بعد المصادقة"، مشيراً إلى أنه "في حال المصادقة على الأمر فستكون الفوائد التي يجنيها السودان جمة"، وأضاف أن كل هذه الأنشطة وتحقيقها مرهونة بالعمل التشريعي.

وبينما تتحدث الحكومة السودانية عن أن المصادقة على قرار التطبيع تبقى من اختصاصات الجهاز التشريعي السوداني، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتبر في حديث صحفي أن "الخرطوم تقول نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف بإسرائيل، ونعم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل"، مضيفاً "هذه مرحلة جديدة، مرحلة السلام الحقيقي.. سلام مع دولة عربية جديدة هي الثالثة في غضون الأسابيع الأخيرة"، وزاد "في القريب سيلتقي ممثلون عن السودان وإسرائيل للتداول حول التعاون في مجالات عدة، منها التجارة والزراعة وغيرها من المجالات الهامة لمواطنينا".

اقرأ أيضاً:
البرهان يعترف بأن رفع السودان من قائمة الإرهاب كان مشروطاً بالتطبيع

وأثار قرار تطبيع السودان علاقاته مع إسرائيل جدلاً واسعاً بين رافض للقرار ومدافع عنه، إذ أعلن المكتب السياسي للحزب الشيوعي رفضه التطبيع مع إسرائيل، الذي قال عنه: إنه "جرى بطريقة مراوغة فضلاً عن الابتزاز الذي تم به"، في حين أعلن الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي، وهو من أكبر الأحزاب السودانية، انسحابه من المشاركة في أنشطة "المؤتمر الدولي حسب مداخلة مكتوبة حصلت عليها TRT عربي من مدير مكتبه: الإسلام والتجديد بين الأصل والعصر" احتجاجاً على مشاركة ممثلين للحكومة الانتقالية التي وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وقال الصادق المهدي في بيان أصدره صبيحة افتتاح المؤتمر: إن "انسحابه من المشاركة في المؤتمر يأتي تعبيراً عن رفضه لبيان شارك فيه ممثلون لأجهزة السلطة الانتقالية مع رئيس أمريكي منتهية ولايته في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم"، وأضاف: أنه "رئيس وممثل لحزب سياسي مساهم في تأسيس الفترة الانتقالية الحالية، وأن الموافقة على التطبيع تناقض المصلحة الوطنية العليا للسودان".

في السياق ذاته عبر حزب الأمة القومي في بيان له عن رفضه التطبيع، إذ أكد أن "الرفض القاطع للتطبيع يأتي من منطلقات مبدئية ضد ربطه بشروط أو تركيع تدفع إليه مصالح أجنبية، كدعم انتخاب رئيس أمريكا المعادي للمسلمين وللسود، ودعم انتخاب رئيس وزراء إسرائيل الذي تنتظره المساءلة الجنائية. إضافة لأن التطبيع يفتح باب مخاطر لوضعنا الانتقالي الهش، والفتن التي تؤججها قوى الردة والجماعات المتطرفة وكل المتربصين بالثورة".

ويرى المكتب السياسي لحزب الأمة أن "هذا القرار الخطير يشكل علامة فارقة في بيان انفرادية التصرفات المرتكبة خارج تفويض حكومة الفترة الانتقالية بمجلسيها السيادي والوزراء، وتتطلب مواجهته موقفاً قوياً يردع هذا التردي ويعيد التوازن للفترة الانتقالية، ويمنعها من الانفلات بسبب قرارات غير مسؤولة ولا مدروسة ولا متشاور عليها، تخرق الوثيقة الدستورية، وتخلخل التوازن الهش القائم، ممَّا يمهد الأوضاع لكافة سيناريوهات الانهيار".

رفض شعبي للتطبيع

التصريحات والتلميحات المتتالية لبعض المسؤولين عن مصالح السودان في إقامة علاقات مع إسرائيل قبل الإعلان عنها، دفعت عدداً من الأحزاب السياسية السودانية منها حزب الأمة القومي، والحزب الشيوعي، وحزبا البعث، والمؤتمر الشعبي، والحزب الناصري، إلى إعلان مواقف رافضة للتطبيع.

الزعيم السياسي السوداني الأكثر شهرة الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي وآخر رئيس وزراء منتخب في السودان، عبر عن موقفه الرافض بقوة للتطبيع في ندوة عُقدت بجامعة الأحفاد، أواخر شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، تحت عنوان "مخاطر التطبيع مع العدو الصهيوني"، وقد افتتح حديثه بالقول: "إسرائيل ليست دولة طبيعية بل دولة شاذة، فمنذ تأسيسها غرست حالة حرب مستمرة، ومشروع التطبيع الحالي لا دخل له بالسلام بل يمهد لحرب قادمة مع إيران، ويخدم الحظوظ الانتخابية للرئيس الأمريكي ولرئيس الوزراء الإسرائيلي".

وأضاف الصادق المهدي في مداخلته التي بعثها مكتبه لـTRT عربي: أن "الموقف الرافض للتطبيع تحدده عوامل التضامن العربي، والتضامن الإسلامي، ومبادئ العدالة التي تمنع قيام دولة عنصرية، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تحرم ضم الأرض المحتلة بالقوة"، مشدداً على أن "التطبيع ما هو إلا اسم "دلع" للاستسلام، ولا صلة له بالسلام، إذ إن إسرائيل لا تعترف بالحدود الجغرافية ما يجعلها في حالة تطلع مستمر للتوسع".

وفي رده على بعض الأصوات السودانية المؤيدة للتطبيع بحجة الموقف من العروبة والإسلام يقول الصادق المهدي: "بعض المواطنين يعتقدون أن الموقف من إسرائيل هو موقف عربي وإسلامي ولا يعنيهم ما داموا ليسوا عرباً وليسوا مسلمين، نعم إنه موقف عربي وإسلامي، ولكنه أيضاً موقف حقاني دولي بموجب قرارات دولية، ولا يقف عند حد الانتماء العربي والإسلامي بل يشمل الالتزام بالشرعية الدولية ورفض أي دولة مؤسسة على نظام الفصل العنصري"، ويضيف: "إسرائيل دولة عنصرية وتحتل أراضي الغير وترفض تنفيذ القرارات الدولية".

وفي بيان مشترك لحزبي البعث السوداني والمؤتمر الشعبي عبرا عن رفض الحزبين بشدة "أية محاولات للتقارب أو التطبيع مع الكيان الصهيوني المغتصب"، واعتبرا أن إسرائيل "دولة محتلة لأرض فلسطين العزيزة، لا يمكن ولا يحق تطبيع العلاقات معها".

نصرة شعب مظلوم

بعدما أعلنت الحكومة السودانية عن قرارها تطبيع العلاقات مع إسرائيل، اعتبر صديق يوسف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ومسؤول العلاقات والاتصال السياسي بالحزب، في تصريحه لـTRT عربي أنهم كحزب "ضد التطبيع مع إسرائيل"، موضحاً "موقفنا واضح جداً، يعتمد على أننا لا نعترف بإسرائيل كدولة، هي بالنسبة إلينا دولة مصطنعة، إذ لم تكن هناك دولة اسمها إسرائيل، كانت أرضاً فلسطينية استوطن فيها اليهود بعد وعد بلفور".

صديق يوسف في نفس التصريح قال إنهم يعتبرون إسرائيل "قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة العربية، تنفذ السياسة والمصالح الأمريكية"، وزاد "نحن نعارض أي تطبيع معها، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يستعيد أرضه، ولا نمانع في الوقت ذاته من أن يعيش اليهود والمسيحيون والمسلمون في أرض واحدة تحت لواء الدولة الفلسطينية".

وفي السياق ذاته يرى آدم أحمد يوسف، نائب الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، أن "إسرائيل دولة تقوم على العنصرية ودولة محتلة لأرض الشعب الفلسطيني، ونحن كسودانيين نقف مع المظلومين ضد الاحتلال"، مشيراً إلى أن "إسرائيل تتبنى مبدأ الإقصاء إذ إنها تقوم على الأصل الديني، أي إنها دولة خاصة باليهود".

وبخصوص النقاش الذي أثير حول المصالح التي سيحققها السودان من التطبيع، يقول آدم أحمد يوسف في معرض حديثه لـTRT عربي: إن "مصلحة السودان فوق كل شيء، لكنها لن تتحقق بالتغاضي عن نصرة شعب مظلوم"، مسترسلاً: "في تقديري مهما كانت مصلحة الشعب السوداني ينبغي ألّا تكون هذه المصلحة ضد مصلحة شعب مضطهد يعيش تحت الاحتلال.. هذا لا يجوز" يردف أحمد يوسف.

قضية الأمة الأولى

على الرغم ممّا يُثار من نقاشات عديدة حول التطبيع في جميع دول المنطقة العربية، فإن طيفاً واسعاً من النخب والجماهير في السودان ما يزال يرى أن قضية فلسطين هي قضية الأمة الأولى، وفي هذا الشأن قال نائب الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار لـTRT عربي: إن "قضية فلسطين هي قضية الأمة العربية الأولى، وينبغي على الشعوب أن تدعمها لأنها قضية إنسانية في المقام الأول وقضية احتلال"، مردفاً: "الاحتلال يعتبر جريمة في كل العالم"، مشدداً على أنه "ينبغي على الشعوب أن يناصر بعضها بعضاً".

من جانبه قال صديق يوسف، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني لـTRT عربي: إن "قضية فلسطين نعتبرها كسودانيين قضيتنا، وقد شارك السودانيون في حرب 1948 للدفاع عن الأراضي الفلسطينية"، مردفاً: أن "قرار التطبيع مع إسرائيل قرار كبير جداً، يجب أن يخوض فيه الشعب السوداني بأكمله عن طريق حكومة منتخبة، حيث إن الحكومة الحالية ليست منتخبة، وهي تدير المرحلة الانتقالية فقط بعد إسقاط نظام عمر البشير".

المصدر: TRT عربي