مع إعلان التهدئة، بعد التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، عادت الحياة تدريجيّاً إلى القطاع، وذهب أصحاب المحالّ التجارية إلى محالّهم.

قطاع غزة ـــ في الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي اغتال الاحتلال القائد بسرايا القدس بهاء أبو العطاء بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، وجراء هذا الاستهداف تدحرجت الأوضاع إلى تصعيد إسرائيلي استمر لمدّة يومين. أثّر ذلك على جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المختلفة.

وبعد أيام من التصعيد الإسرائيلي عادت الحياة إلى قطاع غزة تدريجيّاً، إذ أعلن سلامة معروف مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة يوم الخميس 14 نوفمبر انتظام العمل في جميع المؤسَّسات والدوائر الحكومية والمدارس والجامعات يوم السبت 16 نوفمبر بعد تعطيل الدوام لمدة ثلاثة أيام خلال فترة التصعيد الإسرائيلي.

بعد أيام من التصعيد الإسرائيلي عادت الحياة إلى قطاعغزة تدريجيّاً
بعد أيام من التصعيد الإسرائيلي عادت الحياة إلى قطاعغزة تدريجيّاً (TRT Arabi)

ومع إعلان التهدئة عادت الحياة تدريجيّاً إلى قطاع غزة، وذهب أصحاب المحالّ التجارية إلى محالّهم.

محمود يونس، وهو من أصحاب المحلات التجارية، يقول: "منذ سماعي بالتهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل قرّرت أن أذهب صباح اليوم إلى عملي، لكن عندما توجهت لم أجد الحياة الطبيعية التي اعتدتها في الأيام العادية، فالشوارع باتت خالية نتيجة الصدمة التي تعرض لها الناس بغزة.

وأضاف يونس (25عاماً): "يحتاج المواطنون بغزة إلى وقت من الزمن لكي يعود الوضع كما كان قبل العدوان وترجع الأسواق إلى حالتها الطبيعية".

من جانبه يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم: "خلال اليومين الماضيين شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي غارات على منزل القائد بسرايا القدس بهاء أبو العطا مِمَّا أسفر عن استشهاده واستشهاد زوجته، فيما جُرح أبناؤه بجراح متفاوتة، مِمَّا أدَّى إلى تصعيد وردود فعل من فصائل المقاومة الفلسطينية، بخاصَّة سرايا القدس، وأدَّى هذا التصعيد إلى استهداف عدد كبير من منازل المواطنين واستشهاد 34 شخصاً".

يحتاج المواطنون بغزة إلى وقت من الزمن لكي يعود الوضع كما كان قبل العدوان وترجع الأسواق إلى حالتها الطبيعية
يحتاج المواطنون بغزة إلى وقت من الزمن لكي يعود الوضع كما كان قبل العدوان وترجع الأسواق إلى حالتها الطبيعية (TRT Arabi)

وتابع قائلاً: "الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي كانت خلال اليومين الماضيين هي قائمة منذ 13 عاماً نتيجة فرض إسرائيل حصاراً خانقاً على قطاع غزة، وأدَّى إلى تدهور خطير بالأوضاع وعلى حياة المواطن الفلسطيني من إغلاق المعابر ونقص الأدوية".

ويضيف إبراهيم: "الشوارع كانت خلال اليومين الماضيين شبه خالية من الناس نتيجة أنهم التزموا بيوتهم جرَّاء القصف العنيف من طائرات الاحتلال الاسرائيلي".

وبيّن إبراهيم أن كثيراً من الأطفال والأمهات تَعرَّضوا لخوف كبير نتيجة القصف المتعمَّد لمناطق سكنية، وهذا يدلّ على أن الاحتلال يستهدف المواطنين بهدف بثّ الرعب والخوف ومحاولة تغييب وعي الفلسطينيين في ما يتعلق بالمقاومة.

استهدفت إسرائيل جميع فئات المجتمع، وللتعليق على الحياة الاقتصادية التي مرت بها غزة خلال الأيام الماضية يقول المحلل الاقتصادي الدكتور معين رجب: "الوضع الطبيعي أن تكون حياة الإنسان بقدر كافٍ من الطمأنينة على مستوى المواطنين، وأن يتوافر المناخ الاقتصادي المناسب من أجل أن يعمل الناس بعيداً عن أي خطر، لكن في قطاع غزة الوضع يختلف عن باقي مناطق العالَم، نتيجة ما تشهده هذه المدينة من صراع دائم مع الاحتلال الإسرائيلي".

الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي كانت خلال اليومين الماضيين هي قائمة منذ 13 عاماً نتيجة فرض إسرائيل حصاراً خانقاً على قطاع غزة
الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي كانت خلال اليومين الماضيين هي قائمة منذ 13 عاماً نتيجة فرض إسرائيل حصاراً خانقاً على قطاع غزة (TRT Arabi)

وتابع رجب لـTRT عربي: "نحن نعيش حالة من عدم الاستقرار لأننا دائماً عرضة للخطر نتيجة الممارسات اليومية للاحتلال، بخاصَّة في ظل هذا التصعيد الإسرائيلي وإطلاق الرصاص خلال مسيرات العودة وعلى الصيادين، وهذه الأيام شهدت حالة من الرعب والهلع لدى السكان بخاصَّة الأطفال، نتيجة هدم البيوت على رؤوس أصحابها دون سابق إنذار".

وأضاف رجب: "هذه الأحداث تنعكس على جميع فئات المجتمع الفلسطيني وعلى جميع مناحي الحياة، فنحن دائما نعيش حالة من القلق لكون الجميع مستهدفاً من الطائرات الإسرائيلية"، مبيّناً أن "وضع الأطفال خلال الأيام الماضية كان مخيفاً نتيجة سماع أصوات الانفجارات والقنابل التي تكون مفاجئة".

وفي نهاية حديثه أوضح أنه منذ إعلان التهدئة عادت الحياة إلى طبيعتها تدريجياً، وهذا مرتبط بالهدوء.

صدمات نفسية

المشرف التربوي الدكتور ناصر اليافاوي، يقول لـTRT عربي: "مِمَّا لا شك فيه أن القصف العنيف الذي يرافق أي تصعيد إسرائيلي له تداعيات سلبية طويلة المدى على نفسية أطفال ونساء وجميع السكان في قطاع غزة، ولا بد من الإشارة إلى أن الناس يعيشون في قطاع غزة منذ عام 2006 على وقع الحروب، سواء عبر الغارات الجوية أو الهجوم البري، منذ ذلك التاريخ يعيش كل المواطنين بغزة تحت القصف والحصار، فالوضع الحالي له تداعيات كبيرة على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ما ساهم في ظهور اضطرابات نفسية لدى الناس بقطاع غزة".

الشوارع كانت خلال اليومين الماضيين شبه خالية من الناس نتيجة أنهم التزموا بيوتهم جرَّاء القصف العنيف
الشوارع كانت خلال اليومين الماضيين شبه خالية من الناس نتيجة أنهم التزموا بيوتهم جرَّاء القصف العنيف (TRT Arabi)

وتابع: "في غزة الكل يبيت ويصحو على سماع دوي القنابل والصواريخ، وفي الوقت نفسه ينظرون إلى أعيُن أطفالهم وهم يطرحون أسئلة لا تستطيع الأمهات الإجابة عنها، والآباء عاجزون عن أن يشرحوا لهم ما يدور من حولهم؛ كيف يمكن أن تشرح لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره وهو يسمع صراخاً وعويلاً في الشارع؟".

وبيّن اليافاوي أن مؤشّراتٍ تفيد بأنه ليس الأطفال وحدهم من يعاني التبعات، ومعروف أن عدد الأشخاص الذين يتعرضون للصدمات النفسية جَرَّاء الحروب، مقترن بمساحة المنطقة التي تتعرض للقصف، ومساحة قطاع غزة لا تتجاوز 160-170 كليومتراً مربعاً"، مبينا أن الأعراض التي تظهر على الأطفال تكون بالدرجة الأولى جسدية ونفسية معاً، فكثير منهم يشكو من وجع في البطن أو في القدمين أو من أوجاع أخرى.

ويشير اليافاوي إلى أنه خلال أي تصعيد يُظهِر الأطفال سلوكاً بالالتصاق والبقاء بالقرب من والديهم، وعند خروج الوالدَين لقضاء أمر ما يصابون بالذعر الشديد.

جرائم خطيرة

أما المختص الحقوقي الدكتور محمد سليمان شبير فيقول لـTRTعربي:" تشهد الأراضي الفلسطينية في هذه الأوقات تغوُّلاً واضحاً من ترسانة القتل الإسرائيلية في حق المدنيين الفلسطينيين والبيوت الآمنة المكفولة بحماية قانون جنيف، فمن الواضح أن إسرائيل تكرّس كل طاقاتها للنيل من الحماية والرعاية الدولية المقررة للمواطنين بمن فيهم الأطفال، وتقف بذلك ضد إرادة المجتمع الدولي، ضاربة ب الاتفاقيات والإعلانات والمواثيق المعنية بحماية الأطفال عرض الحائط، لا سيما اتفاقية الأمم المتَّحدة لحماية الأطفال لسنة ١٩٩٠م، والإعلان العالَمي لحقوق الإنسان ١٩٤٨م.

وأضاف شبير: "كل هذه الجرائم الخطيرة تأتي في سياق الرواية الإسرائيلية الكاذبة والمضللة للرأي العامّ العالَمي، فالضرورة العسكرية التي تدعيها إسرائيل ليست موجودة إطلاقاً، بل إن الحاجة الضرورية والملحَّة حقّاً تكمن في إنهاء الاحتلال بأسرع وقت تحقيقاً لاستقرار المنطقة، وحتى يسود الأمن والسلم الدوليان".

34 قتيلا بينهم 6 أطفال و3 سيدات

حسب وزارة الصحة الفلسطينية فإن حصيلة التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة وصلت إلى 34 قتيلاً بينهم 6 أطفال و3 سيدات، وأصيب أكثر من 113، في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

وأوضحت وزارة الصحة الفلسطينية عبر موقعها أن 8 أشخاص ارتقوا فجر الرابع عشر من نوفمبر وأصيب 13 آخرون، بعد أن استهدفت طائرة حربية إسرائيلية منزلاً لعائلة أبو ملحوس غرب مدينة دير البلح وسط القطاع قبل إعلان التهدئة.

المصدر: TRT عربي