أعلنت تركيا على لسان عدد من مسؤوليها أنها لن تضع بعد الآن عوائق أمام حركة عبور اللاجئين والمهاجرين على أراضيها نحو أوروبا، اعتباراً من منتصف ليلة الخميس الماضي.

مجموعة من اللاجئين السوريين 
مجموعة من اللاجئين السوريين  (AP)

يأتي ذلك في سياق إجراء لا يعكس تغييراً في سياسة البلاد نحو ملف الهجرة واللجوء، بقدر ما يعكس قراءة أنقرة للتطورات الأخيرة شمالي سوريا، ورغبتها في لفت نظر العالم وعواصم القرار الغربي بالتحديد إلى حجم المسؤوليات التي تضطلع بها وحيدة، وكيف يمكن أن تغدو عليه الأوضاع ما لم يوفِ المجتمع الدولي بالتزاماته.

كانت تركيا ألمحت في السنوات الماضية مراراً إلى إمكانية خروج وضع اللاجئين والمهاجرين عن السيطرة، وكررت تحذيرها للعالم مؤخراً مع تدفق موجات ضخمة من اللاجئين إلى حدودها، لا سيما في محافظة إدلب السورية، زادت على المليون نازح، نتيجة هجوم دموي تشنه قوات نظام بشار الأسد بدعم وغطاء عسكري روسي، وسط حالة من الصمت الدولي والعجز الواضح عن فعل أي شيء لوقف المذبحة، التي يبدو أن بعض الدول تعتقد أن على تركيا فقط أن تتحمل تبعاتها ونتائجها الكارثية، وهو ما ترفضه أنقرة، فمشكلة اللاجئين هي مشكلة المجتمع الدولي برمته.

ونقلت رويترز عن مسؤول تركي قوله إن أوامر صدرت للشرطة التركية وخفر السواحل ومسؤولي أمن الحدود بعدم الوقوف في وجه عبور اللاجئين عبر البر والبحر إلى أوروبا، وذلك بعدما بلغت الهجمات التي يشنها النظام السوري وروسيا ذروتها في إدلب، وآخرها تلك الغارة التي أدت إلى استشهاد 33 جندياً تركياً في جبل الزاوية، في ظل تلكؤ حلف الناتو والولايات المتحدة في إعلان فرض حظر جوي تطالب به أنقرة منذ أسابيع.

وعلى الرغم من أن تركيا تحتضن أكثر من 3.7 مليون لاجئ سوري، وما يتجاوز مليوناً من جنسيات أخرى، وتقدم لهم العديد من الخدمات المجانية، فقد عملت على مدار السنوات الماضية على ضبط حدودها بأقصى طاقتها لمنع تهريب مهاجرين غير شرعيين عبر أراضيها نحو أوروبا، وفاء منها بالتزاماتها النابعة من اتفاق إعادة اللاجئين الذي أبرمته مع بروكسل عام 2015، وكان يقضي بأن تلتزم أوروبا في المقابل بتقديم 6 مليار يورو تخصص للمؤسسات الراعية للاجئين في تركيا. وهو مع ذلك مبلغ لا يضاهي حجم المأساة.  

وأكد فاروق قايماقجي نائب وزير الخارجية التركي لشؤون الاتحاد الأوروبي أواخر العام الماضي، أن استضافة اللاجئين كلّفت أنقرة مبلغاً إجمالياً يقدر بنحو 40 مليار دولار.

لكن الاتحاد الأوروبي لم يخصص بعد أكثر من 5.6 مليار يورو من أصل 6، ولم يسلم سوى 3.5 مليار منها، في حين أن ما صُرف لا يتجاوز 2.4 مليار حتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وفي حين أكد المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أقصوي أن التطورات الأخيرة في إدلب زادت من الأعباء التي تتحملها تركيا بخصوص اللاجئين، وتفاقم الأوضاع سيزيد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا، شدد على أن تركيا لم تغير سياستها حيال هذا الملف، إلا أن نزوح مئات الآلاف في محافظة إدلب باتجاه الحدود مع تركيا زاد من الأعباء وتفاقم الأوضاع سيزيد من وتيرة حركة اللاجئين.

وتنطلق تركيا من مقاربتها لملف اللجوء وبخاصة عدم اعتراض طريق من يرغب في العبور إلى أوروبا من أسس سياسية وكذلك إنسانية. فمن حيث السياسة، ترى أنقرة أنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في هذا الملف، والقيام بكل ما يمكنه لمنع المآسي المسبِّبة لحركة النزوح بالأصل وهو وقف نظام الأسد وداعميه في موسكو وطهران من التسبب بهذه المآسي الإنسانية عبر استهداف كل ما هو مدني في المدن والقرى السورية.

ومن الناحية الإنسانية، فإن تركيا تدرك أن إفراغ إدلب بسياسة الأرض المحروقة التي يمارسها نظام الأسد ومن ورائه روسيا لا تلقى رفضاً حقيقياً من قبل المجتمع الدولي، وبالتالي من حق المُهجّر السوري المشرد والمطارد على أرضه أن يبحث عن مكان يؤويه ويتمتع فيه بالأمان الذي يفتقده في بلاده.

الطريق إلى فرنسا 
الطريق إلى فرنسا  (TRT عربي)

في هذا الصدد، أكد رئيس دائرة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية فخر الدين ألطون أن بلاده لا يمكن أن تسكت على تكرار الإبادة الجماعية التي وقعت في السابق في رواندا والبوسنة والهرسك، في إدلب اليوم، داعياًالمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لحماية المدنيين وإقامة منطقة حظر جوي في منطقة إدلب.

ويرى المحلل السياسي التركي يوسف كاتب أوغلو أن "قرار تركيا فتح الأبواب أمام اللاجئين ليس وسيلة لتحقيق مكاسب أو استثمارهم بقدر ما هو تحميل المسؤولية لكل المعنيين بها. فقضية اللاجئين وما يحدث في سوريا مشكلة أممية عالمية".

ويوصف كاتب أوغلو في حديث مع TRT عربي، طبيعة المشكلة بقوله: "يوجد نظام قاتل لا يؤمن إلا بسياسة الإبادة والأرض المحروقة ويستخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة، وبالتالي هؤلاء إلى أين سيذهبون؟ تركيا استضافت أكبر عدد منهم ولا تستطيع استقبال المزيد".

واعتبر أن "القضية لا تتعلق بمرور هؤلاء من هنا أو هناك أو ترحيلهم إلى هنا أو هناك، فالأصل من الذي دفعهم ليرحلوا؟ الذي دفعهم هو النظام القاتل، فإما أن يوجد ضغط على النظام لكي يوقف القتل والتدمير أو تُدعم تركيا لإنشاء منطقة آمنة رغماً عن النظام، هذا ما تريده تركيا".

من جهته، يرى الصحفي والباحث السياسي التركي راغب صويلو أن تركيا تحاول أن تقنع أوروبا بأنه يجب عليها أن تنخرط في إدلب، وإلا "فإن الكارثة الإنسانية ستطالهم في نهاية المطاف".

ولفت صويلو في حديث معTRT عربي، إلى أن أنقرة كانت تطالب أوروبا باتخاذ إجراءات ملموسة منذ أكثر من عام، إلا أن "دعواتها لاقت آذاناً صماء".

وحول إمكانية اقتناع العواصم الغربية والأوروبية بضرورة تقديم الدعم الذي تطلبه تركيا والمتمثل في حظر جوي، رأى صويلو أن أوروبا لا يمكن أن تتفق على رأي موحد في هذا الشأن، مشيراً إلى أن بعضها يدين بالولاء لموسكو.

وأكد أن الحظر الجوي "صفقة صعبة المنال"، وأضاف: "لا يمكن أن تؤسس هذه المنطقة إلا من خلال الولايات المتحدة، والأخيرة لا تكترث كثيراً بأي موجة لجوء إلى أوروبا".

ومع تلكؤ الغرب والمجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته تجاه مأساة اللاجئين السوريين التي تعتبر واحدة من أبشع مآسي اللجوء في القرن الواحد والعشرين، تحاول تركيا بكل الطرق تخفيف حدة هذه المأساة، وتبقى الأيام القادمة حبلى بالكثير من الأحداث التي ربما تدفع زعماء العالم إلى تغيير سياستهم نحو ما يجري في إدلب.

المصدر: TRT عربي