في ظلّ تَسارُع الأحداث في ليبيا بات يصفها مراقبون بأنها أصبحت مركزاً لاستقبال وإرسال الرسائل بين الدول التي تدعم مليشيا خليفة حفتر ومنها دول أوروبية، والأطراف الداعمة لحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترَف بها دوليّاً والتي يرأسها فايز السراج.

تُعتبر سياسة التناقض وازدواجية المعايير هي السمة الأبرز لبعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، والتي رأى فيها مراقبون أنها تغذِّي الحرب الأهلية في ليبيا لكونها تدعم طرفاً على حساب آخَر إن كان في السر أو في العلن.

وفي شهر أغسطس/آب 2019 لفت وزير الخارجية الألماني السابق زيغمار غابرييل، إلى أن سياسة الاتحاد الأوروبي إزاء ما يجري في ليبيا من شأنها أن تؤجِّج الحرب الأهلية فيها، واصفا أوروبا بأنها "متواطئة" في الحرب التي لا نهاية لها هناك، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن فرنسا على سبيل المثال تدّعي أنها تدعم حكومة السراج، في حين أنها على أرض الواقع تدعم مليشيا حفتر، في سياسة متناقضة وواضحة.

وفي هذا الصدد تُوَجَّه أصابع الاتهام، وفق تقارير إعلامية غربية، إلى فرنسا بأنها "ضالعة منذ عام 2015، في مساعدة حفتر على بناء قواته، على أمل أن يتمكن من فرض النظام في تلك الدولة المنتجة للنفط"، كما يعتقد أن الهدف من وراء ذلك هو الاستحواذ على الصفقات التجارية في حال تَقرَّر إعادة إعمار ليبيا التي دمّرتها الأعمال العسكرية.

توَجَّه أصابع الاتهام إلى فرنسا بأنها ضالعة منذ عام 2015 في مساعدة حفتر على بناء قواته على أمل أن يتمكن من فرض النظام في تلك الدولة المنتجة للنفط.

ويبقى العنوان العريض لسياسة الاتحاد الأوروبي في الملف الليبي هو اصطدام أو ربما تعارض المصالح، الأمر الذي بدأ يطغى على اجتماعات صناع القرار بخصوص هذا الملف، بما يجعله يراوح مكانه دون أن يكون الحل من بوابة أوروبا.

ووسط كل ذلك تتعالى الأصوات محذِّرة من خطورة غياب أي دور أممي وأوروبي عن حل الصراع الدائر في ليبيا، الأمر الذي سيؤدي إلى تدفق موجات المهاجرين باتجاه أوروبا عبر البحر هرباً من الحرب الدائرة هناك.

وفي السياق ذاته تُعتبر ألمانيا من الدول الهامة في الاتحاد الأوروبي، إلا أن أصابع الاتهام تُوجَّه إليها حتى من محللين سياسيين ألمان بأنها غير مهتمَّة بما يجري من أحداث في ليبيا، في الوقت الذي تهاجم فيه قوات حفتر المدعومة من عدة أطراف ومن بينها فرنسا، الحكومة المعترف بها دوليّاً، واصفين سياسة ألمانيا تجاه ما يجري في ليبيا بـ"السلبية"، مما جعل الصراع يتجه نحو الأسوأ في ليبيا.

وحول ذلك قال الصحفي والباحث في الشؤون الإقليمية محمد صادق أمين، إن "الدول الأوروبية لا تزال تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط بنفس السياسة الاستعمارية القديمة، رغم أن تلك الدول تَغيَّرَت نظمها وسياستها في التعامل مع قضاياها الداخلية، إلا أنها تتعامل مع منطقتنا وفق السياسة الاستعمارية القائمة على السيطرة والاستحواذ على الخامات والثروات، خصوصاً الطاقة".

وأضاف أمين لـTRT عربي، أنه "لتحقيق هذا الهدف لا يسع هذه الدول إلا دعم الانقلابات العسكرية والأنظمة الدكتاتورية، لأنها السبيل الوحيد للحصول على ثورات المنطقة، ففي ظلّ نظم ديمقراطية تقرِّر فيها الشعوب مصالحها، سيكون الخيار هو الاستغلال الأمثل وفق المصالح الوطنية، لذلك فوجود انقلابي مثل حفتر هو السبيل الأوحد للوصول إلى الثروات النفطية ولو على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان".

وفي ردّ منه على سؤال حول السبب الذي يدفع الدول الأوروبية أو بعضها إلى اتِّباع تلك السياسة في ليبيا، أجاب أمين بأن "أوروبا تدعم اليوم انقلاب السيسي في مصر، والثمرة هي تنازل هذا النظام عن مصالح مصر في البحر المتوسط وثروات الغاز لصالح اليونان وإسرائيل.

ورأى أمين أن "الشعب الليبي أمام هجمة كونية يقودها تيار الردة على ثورات الربيع العربي، بخاصة أن عديداً من المصادر الأممية، والتقارير الدولية، والتحقيقات الصحفية الاستقصائية، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن داعمي حفتر الأساسيين هم مصر والإمارات وفرنسا وإيطاليا، ومعهم داعمون في الصف الثاني هم السعوديون والروس والأردنيون".

سياسة الدول الأوروبية في الملف الليبي تجعل حفتر يستغل هذا الأمر بإعطاء وعود بأنه سيكون تحت كلمتهم وتحت توجيهاتهم.

أحمد أبو شويرب، مختص في الشأن الليبي

وعلى الرغم من الخلافات الحادَّة التي يشهدها الاتحاد الأوروبي حول ليبيا، وفق مصادر إعلامية غربية، فإنه في الثالث عشر من ديسمبر/كانون الأول 2019، أعلنت فرنسا وإيطاليا عن دعمها جهود ألمانيا بخصوص عملية السلام في ليبيا، التي حملت اسم "عملية برلين"، والتي تهدف إلى عقد مؤتمر دولي لوضع الأطر اللازمة لعملية سياسية ليبية داخلية بوساطة من الأمم المتحدة، لكن رغم ذلك تعتبر تلك الخطوات متأخرة في ظلّ "ازدواجية المعايير" واقتصار الأمر على مجرد الكلام في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي.

من جهته بيّن الصحفي الليبي أحمد أبوشويرب، أن سياسة الدول الأوروبية في الملف الليبي "تجعل حفتر يستغل هذا الأمر بإعطاء وعود بأنه سيكون تحت كلمتهم وتحت توجيهاتهم"، مؤكّداً أن لهذا الأمر تبعات سلبية أهمُّها أنه "يسيء إلى الصورة التى رُسمت في أذهان الناس من دول تصف نفسها بأنها ديمقراطية وداعمة لحريات الشعوب وديمقراطيتها".

وعن دوافع تلك السياسة الأوروبية غير الواضحة، قال أبوشويرب لـTRT عربي، إنه "في نظرهم أن المصالح الأوربية غير محمية في غياب حاكم ديكتاتوري، ووجهة نظري أن الغرب عموماً يثقون بأن يكون الحاكم في دول العالَم الثالث من أولئك الذين جاؤوا بالقوة لا بالصندوق".

واستنكر أبو شويرب استمرار دعم الدول الأوروبية مليشيات حفتر، مضيفاً أن "مصادر الدعم واضحة جدّاً من خلال ما قُدّم لحفتر من تسهيلات عسكرية ومالية ولوجستية وحتى أفراد، والتي قدمتها دول أوروبية وعربية بشكل غير محدود ومستمر حتى الآن".

وفي وقت اعتبر فيه محللون أن المواقف الأوروبية سواء من إيطاليا التي تُعتبر داعماً رئيسيّاً لحكومة السراج، أو غيرها من الدول، لم تتعدَّ تصريحات هدفها جَسّ النبض ليس أكثر، بخاصة في ظل عجز مجلس الأمن عن إصدار أي قرار من شأنه أن يوقف الصراع الدائر في ليبيا، رأى آخرون أن الموقف التركي جاء مغايراً ليخلط الأوراق في المنطقة بعكس دول الاتحاد الأوروبي التي ما زالت تقف موقف المتفرج، والتي لم تعُد تعوِل عليها حكومة الوفاق ولا حتى الشعب الليبي الذي ينتظر أن يعمّ الأمن والأمان في بلاده.

المصدر: TRT عربي