تتفق تركيا والجزائر على ضرورة دعم حكومة الوفاق الوطني الليبية الشرعية المعترف بها دولياً، وتمهيد الطريق أمام فرقاء النزاع الليبي للعودة إلى طاولة الحوار وتمكين الحل السياسي.

تصاعد التعاون والتنسيق بين تركيا والجزائر في الآونة الأخيرة، لا سيما في الملف الليبي، وبلغ التقارب بين الجانبين ذروته بعد دعوة الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون الثلاثاء الماضي، نظيره التركي رجب طيب أردوغان لزيارة الجزائر، ووافقت أنقرة على الدعوة، على إثر محادثات مكثفة أجراها الطرفان حول ليبيا.

وعلى الرغم من أن موقف الجزائر ليس جديداً في الشأن الليبي، فإنه اكتسب زخماً وطابعاً أكثر صراحة وعلانية في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد تسلُّم الرئيس تبون السلطة في البلاد، بالتوازي مع تفاقم خطر سيطرة مليشيات الضابط المتقاعد خليفة حفتر المدعوم من بعض الدول العربية على العاصمة طرابلس.

فمع وقوع مجزرة الكلية العسكرية التي ارتكبتها طائرات حفتر في طرابلس وراح ضحيتها العشرات من طلاب الكلية في الرابع من الشهر الجاري، سارعت كل من تركيا والجزائر إلى إدانة القصف. واستقبلت الجزائر بعد يومين رئيس حكومة الوفاق فائز السراج الذي طلب المساعدة، كما استقبلت في اليوم نفسه وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، وسط تأكيد الرئيس تبون دعم الحكومة الليبية الشرعية وتشديده على أن "طرابلس خط أحمر".

عزم تركيا التعاون مع الجزائر جاء على أساس مصالحنا المشتركة بشأن القضايا الإقليمية وبخاصة الأزمة الليبية.

مولود جاوش أوغلو، وزير الخارجية التركي

من جهته، أعلن الوزير جاوش أوغلو عزم بلاده التعاون مع الجزائر "على أساس مصالحنا المشتركة بشأن القضايا الإقليمية، وبخاصة الأزمة الليبية"، كما تحدث عن "رفع مستوى التعاون بين البلدين إلى مستوى المجلس الاستراتيجي"، وهي خطوة ستنقل العلاقات الثنائية إلى مستوى غير مسبوق.

التقارب قائم بالفعل

التعاون بين تركيا والجزائر في الملف الليبي بدأ بالفعل، فقد عبّر الجانبان خلال زيارة جاوش أوغلو إلى الجزائر ولقائه الرئيس عبد المجيد تبون، عن "أملهما في أن تكون الندوة (مؤتمر برلين) الدولية المزمع تنظيمها حول ليبيا بداية للحل السياسي الشامل الذي يضمن وحدة ليبيا شعباً وتراباً ويحمي سيادتها الوطنية". وجاء هذا بعد ضغوط مارستها أنقرة على منظمي مؤتمر برلين لضم الجزائر إلى الدول المشاركة، وهو ما تكلَّل بالفعل باتصال ميركل بكل من رؤساء تركيا والجزائر وتونس، وإعلان برلين مشاركة الجزائر في المؤتمر المرتقب.

تبع ذلك دعوة الرئيس تبون نظيره التركي لزيارة الجزائر، وهي دعوة سارع الجانب التركي إلى إعلان الموافقة عليها، فمن المتوقع أن يبحث الرئيس أردوغان خلال الزيارة العلاقات الثنائية على عدة صعد، والإعلان عن تأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي بين البلدين.

وكان التقارب التركي الجزائري حول الملف الليبي قائماً من قبل، لكن "وجود السلطة الجزائرية الجديدة زاد من دعم هذا التقارب أكثر"، حسب الدكتور إسماعيل خلف الله الكاتب والمحلل السياسي الجزائري.

التقارب التركي الجزائري حول الملف الليبي قائماً من قبل لكن وجود السلطة الجزائرية الجديدة زاد من دعم هذا التقارب أكثر.

إسماعيل خلف الله، محلل سياسي جزائري

وحول أسباب هذا التقارب، يرى خلف الله في حديث مع TRT عربي، وجود أسباب عديدة، موضحاً بالقول: "من أهمها التقارب الحاصل بين الجزائر وحكومة فائز السراج المعترف بها دولياً، الذي يقابله في الجهة الأخرى التنافر الحاصل من السلطة الجزائرية مع حفتر".

ويضيف في أسباب التقارب أيضاً: "التأكيد التركي لعدم تهميش الجزائر في أي عملية تتعلق بالمشهد الليبي، بخاصة ما يتعلق بمؤتمر برلين الذي سينعقد لاحقاً، على عكس الدول الداعمة لحفتر التي تلعب دائماً على استبعاد الجزائر من المشهد الليبي وتقزيم دورها فيه".

من جهته، يؤكد الدكتور عمر روابحي الباحث والأكاديمي الجزائري، أن "الجزائر تتعامل بحساسية مفرطة مع اقتراب النفوذ الإماراتي المصري من الحدود الشرقية الممتدة مع ليبيا"، مضيفاً: "الجزائر تدعم حكومة السراج ولديها تحفظات شديدة من حفتر، خصوصاً بعد إساءته إلى الجزائر العام الماضي وتهديده لها على الرغم من أنه عاد واعتذر فيما بعد".

ويقول روابحي في حديث مع TRT عربي، بأن الدبلوماسية الجزائرية "نشطت بشكل لافت وسريع مؤخراً، وهي تسعى لجمع الفرقاء على طاولة الحوار. وقامت ببرمجة ذلك أيضاً في إطار الاتحاد الإفريقي بدلاً من حصر الأمر عند برلين".

وتوقع روابحي دعماً سياسياً قويا لحكومة السراج ومن يدعمها من أطراف بما فيهم تركيا، مشيراً إلى احتمال "تقديم دعم عسكري غير معلن للحكومة الليبية، على اعتبار أن الدستور الجزائري يمنع الجيش من القتال خارج الحدود".

تعاون استراتيجي

ويبدي المراقبون تفاؤلاً إزاء تطور التعاون القائم الذي يشهد زخماً كبيراً بين تركيا والجزائر بشأن الملف الليبي، لينتقل إلى ملفات ومجالات أخرى في العلاقات الثنائية، مثل الاقتصاد والطاقة والتعاون العسكري.

الجزائر تتعامل بحساسية مفرطة مع اقتراب النفوذ الإماراتي المصري من الحدود الشرقية الممتدة مع ليبيا.

عمر روابحي، باحث وأكاديمي جزائري

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي الجزائري إسماعيل خلف الله ذلك بالقول: "بكل تأكيد التقارب التركي الجزائري لا يقتصر على الملف الليبي، بل توجد إرادة ثنائية للذهاب إلى تأسيس مجلس للتعاون الاستراتيجي يمس أهم الجوانب الحساسة، بخاصة ما يتعلق بالجانب السياسي والجانب الدبلوماسي والجانب الاقتصادي استثمارياً ومالياً، والجانب العلمي والتكنولوجي من دون أن ننسى الجانب الأمني والجانب الطاقوي، وكذلك الجوانب الأخرى الفلاحية والسياحية والقضائية".

ورجح خلف الله أن يولد مجلس التعاون الاستراتيجي بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الجزائر، تلبية لدعوة الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون المنتخب مؤخراً في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

أما عمر الروابحي الباحث والأكاديمي الجزائري، فدلل على أهمية تطور العلاقات الثنائية بين تركيا والجزائر بالعودة إلى تاريخ العلاقات بين البلدين.

ورأى أن "مسألة العلاقات التركية الجزائرية حساسة جداً في الدوائر الغربية، فآخر مرة كان التحالف قائماً بينهما في عهد الدولة العثمانية أغلقوا البحر الأبيض المتوسط وكانوا سادته، وهزمواً كثيراً من الحملات الأوروبية وهزموا الأسطول الأمريكي".

وأضاف: "حتى أثناء حكم رئيس الوزراء التركي الأسبق عدنان مندريس (1950-1958) حيث دعم الثورة الجزائرية بالسلاح عن طريق ليبيا كوسيط كما ورد في مذكرات رئيس الوزراء الليبي في عهد السنوسي مصطفى بن حليم".

لكن الروابحي يرى في الوقت نفسه أنه لا يزال أمام البلدين شوط ينبغي أن يقطع ليتحقق التقارب والتعاون المنشود في شتى الأصعدة، مشيراً في هذا الصدد إلى أن تركيا لا تزال تحتل المرتبة السادسة في قائمة التبادلات التجارية مع الجزائر، في حين تتربع فرنسا على المرتبة الثانية.

واعتبر أن "تطوير آفاق التعاون بين البلدين مرتبط بشكل أساسي بنجاح التحول الديمقراطي في الجزائر، وبإضعاف النفوذ الفرنسي في هذا البلد، وسنرى مؤشرات على ذلك في نتيجة الانتخابات التشريعية القادمة، وقبلها الاستفتاء على دستور جديد للجزائر قريباً".

المصدر: TRT عربي