تدين باكو لأنقرة بالدعم الكامل، إذ وقفت أنقرة ولا تزال مع باكو بكل حزم ولم تكن أذربيجان وحيدة تحت الضغط الروسي، فقد اعتمدت على دعم تركيا لتحقيق اتفاقية أفضل بكثير من الخطط السابقة.

تابع العالم منذ 27 سبتمبر/أيلول 2020 وعلى مدار 6 أسابيع كاملة، الحرب الدائرة بإقليم قره باغ الذي احتلته أرمينيا منذ عام 1992 ويمثل نحو 20% من الأراضي الأذربيجانية. فقد تطور الرد الأذربيجاني على الاعتداءات الأرمينية على الحدود إلى معركة تحرير تخللتها انتصارات ميدانية كبيرة للجيش الأذربيجاني، وانتهت بتحرير عدد كبير من التجمعات السكنية في الإقليم يربو عددها على 290 تجمعاً سكانياً، منها مناطق ومدن استراتيجية كان آخرها مدينة شوشة.

وما إن جاء العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني، حتى كانت أذربيجان قد كسبت بالإضافة إلى المناطق التي جرى تحريرها ميدانياً مناطق أخرى بالعمل الدبلوماسي، إذ قبلت أرمينيا وفقاً للاتفاق الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الانسحاب من أغدام وكالبجار ولاتشين. وتمثل المناطق المحررة 80% من الإقليم المحتل. 

وعلى الصعيد النفسي كان اعتراف الأرمن بالهزيمة مؤلماً على حد تعبير المسؤولين الأرمن، إذ اعتبرت الاتفاقية أنها أكثر ما يمكن فعله للحفاظ على ما تبقى من الجيش الأرميني، كما أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الاتفاق باعتباره "اتفاق انتصار واتفاقاً تاريخياً"، وفي الواقع لم تشهد الساحة الدولية منذ فترة طويلة انتصاراً واضحاً بهذا الشكل.

وقد قال علييف في خطاب متلفز: "لقد أجبرناه (رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان) على توقيع الوثيقة، إنها بالأساس وثيقة استسلام". وأضاف: "لقد قلت إننا سنطردهم (الأرمينيين) من أراضينا طرد الكلاب، وقد فعلنا". ونعت علييف رئيس الوزراء الأرميني بـ"الجبان" لأنه لم يوقّع الاتفاق أمام كاميرات وسائل الإعلام

على الرغم من الموقف الروسي والفرنسي اللذين يعتبران لاعبين أساسيين من خلال وجودهما في إطار مينسك الذي يميل إلى الجانب الأرميني، استطاعت باكو من خلال الاستناد إلى الدعم التركي المفتوح سياسياً وعسكرياً مواصلة تقدُّمها الميداني والسياسي، إذ استطاعت أنقرة أن تفرض نفسها عملياً لإيجاد إطار بديل عن إطار مينسك الذي عفا عليه الزمن وعلى حلوله القديمة. 

 وبالفعل نجحت من خلال العمل الدؤوب مع روسيا بإقناع الأخيرة بضرورة قبول تركيا كدولة راعية للترتيبات، في حال وُجدت إرادة للتوصل إلى حل، وقد كان واضحاً منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأول الذي تناول الجانب الإنساني، كيف ساعدت أنقرة باكو في الصمود حتى تحقيق إنجاز ميداني ودبلوماسي أكبر. 

تدين باكو لأنقرة بالدعم الكامل، إذ وقفت أنقرة ولا تزال مع باكو بكل حزم ولم تكن أذربيجان وحيدة تحت الضغط الروسي، فقد اعتمدت على دعم تركيا لتحقيق اتفاقية أفضل بكثير من الخطط السابقة. وقد فشلت 3 خطط لوقف إطلاق النار قبل أن تحقق باكو ما لم يكن باستطاعتها تحقيقه من دون دعم تركي.

على الجانب العسكري كان واضحاً تفوُّق الجيش الأذري خططياً وعملياً على صعيد التدريب والآليات القتالية في المواجهة مع الجيش الأرميني، وقد تفوَّق الأذربيجانيون جوياً من خلال اعتمادهم على أنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات من دون طيار تركية الصنع التي كبدت الجيش الأرميني خسائر كبيرة مقارنة بالخسائر القليلة التي تعرَّض لها الجيش الأذري. 

وهنا أيضاً ساهمت تركيا بشكل غير مباشر ميدانياً من خلال تدريب القوات الأذرية ومن خلال تنفيذ المناورات المشتركة في "تحرير المناطق الاستراتيجية من الأعداء المحتملين"، كما كان لطائرات بيرقدار التركية دور مهم واستراتيجي في حسم المعارك. كما كانت طائرة F-16 التركية الموجودة والجاهزة بالأراضي الأذرية عامل ردع آخر للجانب الأرميني، وعامل تطمين للجانب الأذربيجاني. 

وإذا ما أردنا التطرق إلى الاتفاقية الأخيرة فقد شملت 9 بنود اعتُبرت انتصاراً في باكو وهزيمة في يريفان، إذ بدأت الاتفاقية إعلان تطبيق وقف إطلاق نار في كامل الإقليم منذ مساء 10 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم ستترك أرمينيا منطقة أغدام وجزءاً من غازاخ. وسيكون تمركز بالسلاح الخفيف لقوات روسية في المناطق الفاصلة على خط الجبهة.

وستُنشر قوات حفظ سلام روسية بالتوازي مع انسحاب القوات الأرمينية. ستنسحب أرمينيا من كالبجا بموعد أقصاه 15 نوفمبر/تشرين الثاني ومن لاتشين بموعد 1 ديسمبر/كانون الأول 2020 لصالح أذربيجان، ويستثنى من ذلك ممر لاتشين بعرض 5 كيلومترات لربط قره باغ بأرمينيا. ولا ينطبق هذا الأمر على مدينة شوشة التي حررتها باكو. 

ووفقاً للاتفاق ستنتشر وحدة حفظ سلام روسية قوامها نحو 2000 عسكري، بأسلحتها النارية مع 90 ناقلة جند مدرعة و380 قطعة من المعدات الخاصة، على طول خط التماس وعلى طول ممر لاتشين. وستنتشر القوة الروسية بالتزامن مع انسحاب الجيش الأرميني. وستقتصر مدة بقائها على 5 سنوات، مع التجديد التلقائي لفترات إضافية مدتها 5 سنوات، إذا لم يقرر أي من أطراف الاتفاقية الانسحاب منها. ومن أجل مراقبة تنفيذ الاتفاقات سيجري إنشاء مركز لمراقبة وقف إطلاق النار. 

بالإضافة إلى ذلك، يخطط لضمان بناء خطوط نقل جديدة تربط الأراضي الرئيسية لأذربيجان مع ناخيتشيفان. 

ومع أن الاتفاق لا يخلو من بعض الأمور التي لم تتضح مثل موضوع الوجود الروسي والمدة وبعض الأمور الفنية المتعلقة بنقاط حفظ السلام فإن أنقرة أثبتت أهميتها وحضورها بمنطقة القوقاز. 

وكان الرئيس أردوغان أكد أن أنقرة ستشارك في "قوة حفظ السلام" لمراقبة تطبيق الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان، الأمر الذي لم يكن من ضمن الاتفاق الذي وقّع عليه رئيسا البلدين. وبحال نجحت المباحثات الحالية بين أنقرة وموسكو فسوف ينعكس ذلك على ساحات أخرى أهمها سوريا وتحديداً قبل بدء الإدارة الأمريكية الجديدة تطبيق سياساتها في الشرق الأوسط. ومع ذلك لا ينبغي الوصول إلى نتيجة أن العلاقات بين أنقرة وموسكو قد وصلت إلى تفاهم كامل فلا تزال توجد بعض الخلافات. 

سينضم نجاح تركيا باتفاق قره باغ ميدانياً ودبلوماسياً إلى نجاحها بكسر حصار حفتر لطرابلس وهزيمته ومن قبله في مساندة قطر بوجه الحصار الرباعي عليها، وستستفيد أنقرة من هذا في تعزيز صعودها كقوة في السياسة الدولية والإقليمية. ومن زاوية أخرى يعطي تحرير أرض محتلة لعقود للمحررين والداعمين لهم زخماً كبيراً كما يمنح إلهاماً لكل الشعوب التي عانت وتعاني الاحتلال. 

المصدر: TRT عربي