أحدثت العملية العسكرية التركية "نبع السلام" في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري هزةً كبيرة في التوازنات الميدانية في شرق الفرات، فيما لا تزال ارتداداتها السياسية مستمرة.

فعلى الرغم من مضي أقل من أسبوعين على إطلاق تركيا للعملية، فإنها نجحت في إعادة ترتيب الأوراق في منطقة شرق الفرات من خلال توجيه ضربة حاسمة إلى مشروع مليشيا YPG الانفصالي، الذي استمرت في بنائه خلال السنوات الخمس الماضية.

نتائج هذه العملية وارتداداتها لم تقف عند تعزيز مكانة تركيا كلاعبٍ إقليمي وإنهاء حلم الاستقلال الذاتي لمليشيات YPG على طول الحدود التركية فحسب، بل تعدت ذلك لتعيد ترتيب التوازنات السياسية وتموضعات اللاعبين الدوليين في المنطقة.

فالعملية والتفاهمات الأمريكية-التركية التي تلتها قد رسخت بشكلٍ فعلي الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات. كذلك فإن التفاهمات الروسية-التركية الأخيرة في سوتشي سمحت للجانب الروسي بملأ الفراغ السياسي والاستراتيجي الناجم عن الانسحاب الأمريكي.

لقد دفع الإصرار التركي على العملية العسكرية الجانب الأمريكي لتسريع قراره في الانسحاب من شمالي سوريا، الذي وعد به الرئيس ترمب لمرات عديدة منذ نهاية العام الماضي. فبعد إبلاغ الرئيس أردوغان نظيره الأمريكي بنية تركيا تنفيذ العملية في الشمال السوري خلال المحادثة الهاتفية في 7 أكتوبر/تشرين الأول بدأت القوات الأمريكية عملية الانسحاب.

وعلى الرغم من أن الضغوط الداخلية دفعت إدارة ترمب للتلويح بعصا العقوبات الاقتصادية بدايةً، فإن الطرفين عادا وتوافقا على خارطة طريق لانسحاب عناصر YPG من حدود المنطقة الآمنة التي طالبت بها تركيا في 17 أكتوبر/تشرين الأول، مثبتين بذلك الانسحاب الأمريكي من شمالي سوريا.

الاتفاق التركي-الأمريكي مثّل نقطة تحوّل مهمة في السياسة الأمريكية في سوريا، إذ قطع الطريق على التكهنات حول نيّة الولايات المتحدة الأمريكية البقاء في شمالي سوريا، وسعيها لتأسيس "كيان كردي" في المنطقة.

القرار الأمريكي بالانسحاب يعتبر بداية نهاية التواجد العسكري الأمريكي في شمالي سوريا، الذي سيقتصر في المستقبل القريب على عدد محدود من الجنود في جنوبي محافظة دير الزور ومنطقة التنف على الحدود السورية-العراقية. هذا الأمر سينعكس بدوره على التوازنات السياسية للملف السوري لصالح القوى الإقليمية من جهة وروسيا من جهة أخرى، بخاصة في ظل محدودية الدور الأوروبي.

من المؤكد أن القرار الأمريكي لا يمكن تفسيره فقط بالعملية العسكرية التركية، بل يرجع بشكلٍ كبير إلى موقف الرئيس الأمريكي ترمب الذي تبنى موقفاً واضحاً بضرورة سحب القوات الأمريكية من سوريا التي يراها ميراث خلَفه خصمه اللدود الرئيس أوباما.

لكن على الجانب الآخر، من المؤكد أيضاً أن العملية العسكرية التركية حفزت الاستعداد الأمريكي للانسحاب ورسّمته بشكلٍ رسمي. فيما لا يبدو أن الرئيس ترمب يكترث لاحتمالية استغلال روسيا للفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات. إذ كان علّق على التطورات بُعيد انطلاق العملية العسكرية التركية قائلاً بأنه من الممكن لسوريا أن تطلب المساعدة من روسيا، مضيفاً أنهم "سيحصلون على الكثير من الرمال هناك [قاصداً شرق الفرات]".

الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات شكّل فراغاً ميدانياً واستراتيجياً تلقفته روسيا. فمع بدء القوات الأمريكية الانسحاب قامت قوات النظام السوري المدعومة روسياً بالتحرك لملأ الفراغ الميداني. هذا في الوقت الذي رعت فيه روسيا عبر قاعدتها العسكرية في قاعدة حميميم التواصل بين قوات النظام السوري وعناصر YPG وصولاً إلى توقيع اتفاق بين الجانبين.

وأمام هذا التوسع الروسي وجدت تركيا نفسها أمام خيارين: إما تحدي ومواجهة هذا التوسع، وهو الخيار الذي لا يتسق مع سياسة تركيا في التعاون مع روسيا في إدارة الملف السوري، أو خيار التفاهم مع موسكو على كيفية إدارة منطقة شرق الفرات ما بعد أمريكا.

الخيار التركي بدا جلياً في الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجانبين الروسي والتركي في 22 شهر أكتوبر/تشرين الأول بعد اللقاء الذي استمر قرابة ست ساعات من المحادثات الثنائية بين الرئيسين بوتين وأردوغان. ووفق الاتفاق المعلن فإن تركيا ستكتفي مع مقاتلي الجيش الوطني السوري بالبقاء في المناطق التي جرت السيطرة عليها قبيل الاتفاق مع الولايات المتحدة والممتدة على طول الخط بين تل أبيض ورأس العين.

في حين سيملأ الفراغ الميداني والسياسي الناجم عن الانسحاب الأمريكي من بقية المناطق من قبل روسيا وقوات حرس الحدود التابعة للنظام السوري.

النقطة الأهم في الاتفاق التركي-الروسي هي القبول التركي رسمياً باتفاقية أضنة كإطار لترتيب الأوضاع في شرق الفرات. الاتفاقية التي لوحت بها روسيا منذ الأيام الأولى لحديث ترمب عن الانسحاب من سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2018.

وتسعى روسيا من خلال الدفع لإحياء اتفاقية أضنة التي وقعت بداية في عام 1998، إلى تمهيد الطريق لعودة العلاقات بين دمشق وأنقرة على المدى المتوسط على أقل تقدير.

وعليه، فقد مثلت عملية "نبع السلام" نقطة تحولٍ مهمة في مسيرة الصراع الدائر في سوريا. العملية العسكرية عززت موقف تركيا كلاعب إقليمي وساعدتها على تحقيق هدفها المتعلق بالقضاء على سيطرة مليشيا YPG على طول حدودها الجنوبية.

لكن الارتدادات الميدانية والسياسية للعملية المتمثلة بترسيخ الانسحاب الأمريكي من شرقي الفرات فتحت المجال لزيادة النفوذ الروسي على الصعيد السياسي والاستراتيجي، وكذلك على الصعيد الميداني من خلال إعادة انتشار قوات النظام على طول الحدود التركية-السورية. هذا التوجه جرى تثبيته من خلال التفاهمات الروسية-التركية في سوتشي.

كما ستعزز الوقائع على الأرض من نفوذ تركيا باكتسابها مزيداً من أوراق القوة، وتحييد الخطر المتمثل في تشكيل إقليم انفصالي في شمال شرق سوريا تحت سيطرة مليشيات YPG الانفصالية ذات الارتباط الوثيق بتنظيم PKK. كما أن نتائج عملية نبع السلام ربما تضخ مزيداً من الدماء الجديد في العملية السياسية في سوريا عبر تعميق التعاون والتنسيق بين القوى الكبرى الثلاثة التي باتت تقريباً تسيطر على مجمل المشهد السياسي والميداني في سوريا وهي تركيا وروسيا وإيران.

المصدر: TRT عربي