قال فلاديمير لينين ذات مرة "تمر عقود دون حدوث شيء، وتمر أسابيع تحدث بها عقود". وفي تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، هناك أسابيع شهدت تحوُّلاً كاملاً في مسار التاريخ.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدا بيد في ختام مؤتمر صحفي مشترك لإعلان الولايات المتحدة عن خطة سلام الشرق الأوسط في البيت الأبيض.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدا بيد في ختام مؤتمر صحفي مشترك لإعلان الولايات المتحدة عن خطة سلام الشرق الأوسط في البيت الأبيض. (DPA)

منها على سبيل المثال صيف 1948 حين أسفرت النكبة عن خسارة الفلسطينيين 78% من أراضيهم وصيف 1967 حين احتلت إسرائيل ما بقي من الأراضي الفلسطينية عسكريّاً واستعمرتها.

وبعد عقود من المقاومة والكفاح، وقَّعت الحركة الوطنية الفلسطينية اتفاقية مرحلية مع إسرائيل في سبتمبر/أيلول 1993، تسمى اتفاقية أوسلو، التي نصّت على انسحاب إسرائيل إلى حدود يوليو/تموز 1967، في مقابل اعتراف فلسطيني بقيام دولة إسرائيل على الأراضي التي احتلتها في 1948.

ودعت اتفاقية أوسلو لفترة انتقالية مدتها 5 سنوات للتفاوض حول ما يُسمى قضايا الوضع النهائي بين الطرفين بوساطة أمريكية.

لكن ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هو تبنّي مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والجماعات الإسرائيلية المتطرفة في كل ما يتعلق بمشكلات الوضع النهائي، وبالتالي قتل آفاق حل الدولتين. 

إذاً ما قضايا الوضع النهائي التي سارع ترمب بتدميرها في خطته؟

أولاً: القدس 

تقرَّر وضع القدس بالفعل في خطوة أمريكية أحادية الجانب، حين أعلن ترمب في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 الاعتراف بضم إسرائيل للقدس الشرقية، ثم نَقَل السفارة الأمريكية في العام التالي من تل أبيب إليها. أضف إلى ذلك أنَّ خطته المُعلَنة مؤخراً عزَّزت هذا الوضع بتجريد الفلسطينيين من أي حقوق في أماكنهم المقدسة المسيحية والمسلمة ومن أحيائهم هناك.

ولإضافة الإهانة إلى الجرح الفلسطيني، حدد ترمب بعض القرى الفلسطينية الواقعة شرق القدس ودعا الفلسطينيين جميعاً لإطلاق اسم "القدس" عليها. وكأن تغيير اسم المكان سيجعله بديلاً عن أقدس الأمكنة على الأرض لدى المسلمين والمسيحيين. 

ثانيا: اللاجئون وحق العودة

يُقدَّر عدد الفلسطينيين المشردين من وطنهم الأم منذ عام 1948 بسبعة ملايين شخص اليوم، وفقاً للإحصائيات الإسرائيلية. ونصّت اتفاقيات جنيف وكذلك القرارات التالية الصادرة عن الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 194 على حق هؤلاء اللاجئين في العودة لوطنهم.  

غير أنَّ خطة ترمب أنكرت عليهم هذا الحق ودعت اللاجئين الفلسطينيين إلى الاستقرار في أماكن أخرى. بل وفي الواقع، تنص خطة ترمب على أنه بعد تسوية جميع القضايا، يمكن لإسرائيل أن تشرع في تنفيذ آلية منفصلة للمطالبة بتعويض اليهود الذين تركوا الأراضي العربية إلى فلسطين بعد تأسيس إسرائيل في عام 1948.

ثالثا: المستوطنات والحدود 

تمنح صفقة ترمب كذلك إسرائيل الحق في ضم جميع المستعمرات التي بُنِيَت في قلب الضفة الغربية منذ عام 1967، وذلك بمنع إجلاء أي مستوطن إسرائيلي.

ومثل هذا الموقف المتطرف يجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية توجد جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيلية من دون اللجوء إلى الحيل والأفكار الوهمية لبناء الطرق الجانبية والأنفاق والجسور، التي ستكون تحت السيطرة الكاملة لإسرائيل من أجل استيعاب المستعمرين الإسرائيليين غير الشرعيين. إلى جانب ذلك، لا تكتفي الصفقة بالسماح لإسرائيل بضم جميع الكتل الاستيطانية، بل أيضاً غور الأردن؛ مما يحرم الفلسطينيين من أي كيان ذي معنى أو حدود مع الأردن.

رابعا: الدولة والسيادة

علاوة على ذلك، تمنح الصفقة إسرائيل سيطرة كاملة على المجال الجوي لجميع الأراضي الفلسطينية، والمياه الإقليمية لغزة، والسيطرة على الحدود مع مصر والأردن، وحتى سياسة الهجرة الفلسطينية، وكل ذلك باسم الأمن.

بمعنى آخر، تحرم الخطة هذه "الدولة" المستقبلية المبتورة من جميع أركان التعريف السياسي المطلوب لتكون دولة حقيقية. وهو في الواقع ليس أقل من نظام فصل عنصري مشابه لما كان عليه الوضع في جنوب إفريقيا، إن لم يكن أسوأ.

وبينما تكتنز إسرائيل في جعبتها جميع الأشياء الجيدة التي منحها ترمب إياها، فإنه يفرض شروطاً قاسية على الفلسطينيين لإثبات أنهم يستحقون هذه الدولة السياسية غير مكتملة الأركان، بما في ذلك: أن يكون فريق التفاوض الفلسطيني مقبولاً لدى إسرائيل، وأن تنتقل السيطرة الكاملة على غزة إلى السلطة الفلسطينية، ونزع سلاح حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالكامل، وأن تكون غزة منزوعة السلاح تماماً. 

لكن حتى بعد كل ذلك سيُفرَض شرط آخر يتعين على السلطة الفلسطينية تنفيذه لإرضاء إسرائيل والمتمثل في التعامل بفعالية مع "الأيديولوجيات التي ترفض إسرائيل"، وهي مهمة مستحيلة كونها تتطلب الاضطرار إلى مراقبة أفكار الناس أو معتقداتهم الدينية والسياسية.

التطبيع

تدعو الوثيقة الدول العربية والعالم الإسلامي إلى الاعتراف الكامل الفوري بإسرائيل دولةً يهودية، بل واحتضانها ودمجها دمجاً كلياً في هيكلٍ أمني جديد يستهدف إيران. وتُطالِب كذلك بالتطبيع الكامل بين الدول العربية وإسرائيل حتى قبل تنفيذ مطلبي الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية أو إقامة دولة فلسطينية اللذَين دعت إليهما مبادرة السلام العربية في عام 2002.

وتتضمَّن الوثيقة كذلك دعوةً إلى دول منظمة التعاون الإسلامي من أجل توطين جميع اللاجئين الفلسطينيين في جميع أنحاء العالم توطيناً دائماً في أراضيها لإعفاء إسرائيل من أية مسؤولية تجاه حقهم في العودة.

إذن فما الذي يحصل عليه الفلسطينيون في المقابل؟

ذكر ترمب في مؤتمر إعلان الخطة أنَّها ستُقدِّم للفلسطينيين مساعداتٍ اقتصادية تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار على مدار عشر سنوات. لكنَّ الجزء الأكبر من التمويل ستدفعه دول الخليج العربي، في حين أنَّ مساهمة الولايات المتحدة ستبلغ 6 مليارات دولار على مدار 10 سنوات.

غير أنَّ المبلغ الإجمالي الذي سيحصل عليه الفلسطينيون سيكون 27 مليار دولار بينما سيوزَّع الجزء الباقي على مصر والأردن ولبنان. وفي الواقع، سيكون المبلغ الذي ستتحمَّله الولايات المتحدة مُخفَّضاً مُقارنةً بحجم الأموال التي تتصدَّق بها منذ عام 1993 لدعم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية من أجل حماية الدولة الصهيونية.

وتدعو الخطة كذلك إلى حلِّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي منظمة تقدم الإغاثة منذ عام 1951 لملايين اللاجئين الفلسطينيين بمساعداتٍ تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار سنوياً.

ومن ثَمَّ، يُمكن القول إنَّ خطة ترمب ليست سوى محاولةٍ لتصفية القضية الفلسطينية لمصلحة الجماعات الإسرائيلية المتطرفة من أجل مساعدة نتنياهو، المتهم بالفساد، للفوز بالانتخابات المقبلة.

إحباط الصفقة

وهناك العديد من السُّبُل لإحباط هذه الخطة الخطرة. لكنَّ أحد أكثر هذه السُّبُل فعاليةً هو أن يُشعل الفلسطينيون في الضفة الغربية انتفاضةً جديدة ضد الاحتلال العسكري، الذي سيتكبَّد تكلفة باهظة ويجد أنَّ الضفة الغربية غير قابلة للحكم ومسبِّبة لأضرارٍ بالغة.

أمَّا على المدى البعيد، فقد نبَّهت خطة ترمب -التي أقرَّت سياسةً إسرائيلية تُطبَّق على أرض الواقع منذ أكثر من عشرين عاماً- العالم إلى حقيقة الوضع. أي أنَّ وهم حل الدولتين قد انتهى.

ونظراً إلى أنَّ العالم تيقَّظ للواقع القاسي المتمثل في الهيمنة والممارسات التفرُّدية الإسرائيلية، أصبحت الخيارات واضحة للغاية: إمَّا العيش مع دولة تمييز عنصري وحلِّ جميع المعضلات الأخلاقية التي تُنذِر بوقوعها، أو إنهاء هذا النظام العنصري الذي يُجبَر الفلسطينيون على العيش تحته منذ عقود.

وبدلاً من ذلك النظام، يجب أن يكون هناك نظامٌ جديد تُستعاد فيه حقوق الفلسطينيين، وتكون أولويته هي تحقيق العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية. 

المصدر: TRT عربي