دائماً ما يتردد اسم القائد السياسي والعسكري الأفغاني قلب الدين حكمتيار كأحد الفاعلين الأساسيين في المشهد الأفغاني، الذي يحظى برمزية مهمة لدى الكثيرين منذ أيام حربه ضد قوات الاتحاد السوفييتي.

وسط الغموض الذي يكتنف المشهد السياسي في أفغانستان، وحالة الترقب التي يعيشها الجميع، منذ أن أعلنت حركة طالبان استعادتها الحكم من جديد في 15 أغسطس/آب الماضي، وبدء المشاورات والمفاوضات بين القادة السياسيين والعسكريين حول خارطة الطريق المرتقبة وآلية تشكيل الحكومة والأطراف التي ستشارك في تركيبتها، أعلن القائد السياسي البارز قلب الدين حكمتيار عن دعمه لحكومة طالبان دون شروط مسبقة.

وبينما سلطت الأضواء على عدة قادة وزعماء أفغان ترددت أسماؤهم في الصحف المحلية والأجنبية كمرشحين لتقلد مناصب بارزة في المرحلة القادمة، وجهت الأنظار إلى حكمتيار، صاحب التجربة السياسية والعسكرية الطويلة التي امتدت منذ أيام حربه ضد السوفييت إلى أيام الغزو الأمريكي، واستمرت إلى لعب أدوار مهمة بعد ذلك، إلا أن الأخير عبر في الوقت ذاته عن عدم نيته في الترشح لأي منصب في الوقت الحالي، واكتفى بتقديم الدعم لطالبان التي يرى فيها تقاطعاً معه. ويبدو أن الحركة بدورها ترى في دعم حكمتيار و مساندته، رمزية مهمة.

حكمتيار.. من الحرب إلى معترك السياسة

ولد القائد البشتوني قلب الدين حكمتيار عام 1947 في منطقة إمام صاحب التابعة لولاية قندز الواقعة شمال شرقي البلاد، ودرس في كلية الهندسة بكابول. إلا أنه لم يُتم تعليمه ولم يتحصل على شهادة التخرج. ثم انضم لاحقاً عام 1972 إلى جماعة الشبان المسلمين التي يترأسها أحمد شاه مسعود والتي اشتهرت بمحاربتها للسوفييت ومعارضتها للحكومة التي تتلقى الدعم منهم.

وبسبب الاختلاف الشديد في الأفكار والرؤى، انسحب حكمتيار من جماعة أحمد شاه مسعود وأسس الحزب الإسلامي الأفغاني عام 1977، الذي اجتذب إليه عدداً كبيراً من الشباب والمقاتلين لدقة تنظيمه. وحاربوا بلا هوادة القوات السوفييتية حتى سنة انسحابها في 1989، فسطع نجم القائد العسكري الأفغاني وذاع صيته، ليلقى ترحيباً واحتفاء شديدين بتعيينه عقب ذلك رئيساً للوزراء.

ومع اندلاع حرب أهلية بأفغانستان في بداية تسعينيات القرن الماضي بين الجماعات المسلحة، راح ضحيتها أكثر من 50 ألف مدني بمدينة كابول فقط، وجهت أصابع الاتهام لحكمتيار بتورطه في ارتكاب جرائم ضد المدنيين. ولم يمنعه ذلك من الترشح لعدة مناصب أخرى، فشغل منصب رئيس الحكومة بين عامي 1993 و1994، ثم لمرة ثانية في عام 1996. إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فمع وصول حركة طالبان إلى سدة الحكم عام 1996، هرب القائد السياسي الأشتوني خارج البلاد متجهاً إلى العاصمة الإيرانية طهران، حيث واصل ترأسه للحزب الإسلامي.

بعد معارضتها.. حكمتيار يدعم طالبان

بعد أن اجتاجت القوات العسكرية الأمريكية البلاد عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وسقوط حكومة طالبان، عارض حكمتيار مجدداً وبشدة الحرب الأمريكية، وانتقد الدور الذي لعبته باكستان حينها في ذلك، وقال القائد العسكري تعليقاً على ذلك في شريط نشر له في كانون الأول/ديسمبر 2006، قال فيه إن "المصير الذي آل إليه الاتحاد السوفييتي ينتظر أمريكا أيضاً".

واستجابة للضغط الدولي والأمريكي، أغلقت الحكومة الإيرانية مكاتب الحزب الإسلامي وطردت حكمتيار من البلاد ولم يحدد منذ ذلك الحين مكان إقامته، حتى أن الولايات المتحدة رصدت مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بأي معلومة عنه.

ولكن مع مرور السنوات، ومع حدوث الكثير من التغييرات الإقليمية والدولية، أصدرت الحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غني يوم 22 سبتمبر/أيلول عام 2016 عفواً عن حكمتيار، وذلك في إطار اتفاق للسلام أبرمته مع الحزب الإسلامي. ونص الاتفاق حينها على إطلاق سراح المعتقلين من الحزب وعودة حكمتيار إلى الحياة السياسية. ولقي القرار في ذلك الوقت ترحيباً من الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية، التي كانت تعتبر أن عودة حكمتيار إلى الحياة السياسية من جديد قد يمهد في المستقبل لمصالحة مع حركة طالبان كذلك. لكن حكمتيار لم يكن راضياً عن ذلك كثيراً، وشكك في الاتفاقية التي أبرمت حينها وشدد على أنه لا ينوي لعب دور ثانوي في السياسة.

واليوم، وبعد أن أطاحت طالبان بحكومة أشرف غني وانسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان، وتقلدت الحركة زمام الأمور، عبر قلب الدين حكمتيار عن دعمه اللا مشروط لحكومة طالبان وأفصح عن عدم رغبته في المشاركة في التركيبة المرتقبة للإتلاف الحكومي وأضاف قائلاً: "نحن أشقاء مع طالبان ويوجد بيننا توافق في الآراء".

وبذلك وحسب ما يعتقد مراقبون ومحللون، يبدو أن حركة طالبان ليست الوحيدة اليوم التي عرفت تغييرات ومراجعات كبيرة، في المشهد السياسي الأفغاني الحالي.

TRT عربي