بالرغم من أنّ مصر تتربع على عرش حقل "ظُهر" للغاز، وهو أكبر اكتشاف إلى الآن في شرق البحر المتوسط، باحتياطي للغاز يصل إلى 30 تريليون قدم مكعّب، إلّا أنّها مصرّةٌ على استيرادِ كمّيات من الغاز من إسرائيل.

نال التعاون المصري-الإسرائيلي دفعةً كبيرة هذا الشهر، عندما بدأت الدولة الإسرائيلية في تصدير الغاز الطبيعي إلى جاراتها العربية، في انقلاب كبير للأدوار.

وقبل عقدٍ من الزمن، كانت إسرائيل معتمدة على الغاز المصري لتغطية 40 % من احتياجاتها. لكن بعد اكتشاف تل أبيب احتياطات كبيرة في حقليها البحريين ليفياثان وتمار، أصبحت إسرائيل لاعباً دولياً في المجال.

تأتي اتفاقية الطاقة بين القاهرة وتل أبيب بعد مفاوضات مُطوّلة، تضمنت اعتبارات سياسية ومالية وحلولاً لقضايا مثل قضية تحكيم دولية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.

وتتضمن الاتفاقية أيضاً استضافة شركات سرية مسجلة في ملاذات ضريبية مرتبطة بالمخابرات المصرية المثيرة للريبة.

تواجه الاتفاقية في مصر وفي دول عربية أخرى انتقاداتٍ واسعة. فمصر نفسها تتربع على عرش حقل "ظُهر" للغاز، وهو أكبر اكتشاف إلى الآن في شرق البحر المتوسط تصل احتياطاته إلى 30 تريليون قدم مكعب.

في هذا السياق، تقول منى سكرية، مؤسِّسة شركة "رؤى استراتيجية للشرق الأوسط" للاستشارات لـTRT: "ربطت مصر موافقتها النهائية على الاتفاقية مع إسرائيل بإيجاد حل لتعويض بقيمة ملياري دولار هي مطالبة بدفعها لشركات إسرائيلية، وذلك في أعقاب تعليق الإمدادات سنة 2012".

وكانت مصر قد توقّفت عن توفير كمية الغاز المتعاقَد عليها مع تل أبيب، في أعقاب عدة هجمات من متمردين استهدفت البنية التحتية لخط الأنابيب في عام 2011.

مصر.. من مصدّر إلى مستورد

دخلت مصر، وهي أحد أكبر منتجي الغاز في أفريقيا سوق التصدير في أوائل العقد الأول من القرن العشرين بعد سلسلة من الاكتشافات الهيدروكربونية البحرية. واستثمرت مصر حينها في ظل عهد الرئيس السابق حسني مبارك بكثافة في خطوط أنابيب عابرة للحدود ومحطات للغاز الطبيعي المسال.

في عام 2003، بدأت مصر تصدير الغاز إلى الأردن عبر أنابيب "خط الغاز العربي" الممتد على طول 1200 كيلومتر. ولاحقاً، جرى مد خط الأنابيب تلك إلى إسرائيل. وهذا الامتداد على طول الخط الذي يصل إلى 100 كيلومتر تحت سطح البحر يصل بين مدينة عسقلان (أشكلون) في إسرائيل ومدينة العريش في مصر.

بين عامي 2008 و2011، صدّرت مصر كميات ثابتة إلى إسرائيل لكن في غضون الفوضى التي أعقبت الإطاحة بنظام مبارك، فجّر متمردون البنية التحتية بشكل مكثف ما تسبب في تعليق الإمدادات.

ودفع ذلك التعليق شركات طاقة إسرائيلية ومشغلي خط أنابيب عسقلان (أشكلون)-العريش إلى الذهاب إلى محاكم التحكيم الدولية لمقاضاة مصر لإخلالها بالعقد.

ولتسوية تلك النزاعات جزئياً ولتخفيض عقوبات التحكيم، دفعت مصر بالخطة المُقترحة لاستيراد الغاز من إسرائيل، التي كانت بدورها تبحث عن طريقة ملائمة لبيع الغاز الفائض لديها.

لكن طريقة إدارة ذلك المشروع أثارت تساؤلات كثيرة، بسبب سيطرة جهاز المخابرات العامّة المصرية على حصة كبيرة في الشركة المُشغلة لخط الأنابيب "شركة غاز شرق المتوسط".

فلدى شركة "EMED" المُسجلة في هولندا حصة 39% في أسهم "شركة غاز شرق المتوسط".

"هناك العديد من الشركات التي تعمل في هذا المجال، من بينها شركة Sphinx التي تمتلك حصة 50% في شركة EMED. ونعلم أن Sphinx هي تابعة لشركة غاز شرق، التي يديرها جهاز المخابرات العامة المصري". يقول الدكتور سوجاتا أشواريا مؤلف كتاب "غاز إسرائيل في البحر الأبيض المتوسط: التدبير المحلّي، الآثار الاقتصادية والأبعاد الاستراتيجية".

أما النصف المتبقي في أسهم الشركة فهو مُقسم بين شركة "ديليك للحفر" الإسرائيلية وشركة "نوبل إنرجي" ومقرها في ولاية تكساس، وهي ضمن المساهمين الرئيسيين في حقلي ليفياثان وتمار.

في عام 2018، كشف موقع "مدى مصر" وهو مؤسسة إخبارية مصرية، العلاقات بين مختلف الشركات في تحقيق صحفي مفصل نشره الموقع.

ما الفوائد التي ستعود على مصر؟

تُصرّ مصر على أن الاتفاقية، التي تصل قيمتها إلى 19.5 مليار دولار المتضمنة استيراد 85 مليار متر مكعب من الغاز من إسرائيل على مدى 15 عاماً، مُبرمةٌ بين شركات خاصة تتضمن شركة "دولفينوس هولدينجز" ومقرها في جزر العذراء بالبحر الكاريبي.

قال جون في. باولوس رئيس تحرير موقع "إنرجي ريبورترز": "أغلب الغاز سيُعاد تصديره من مصر في صورة غاز طبيعي مُسال لأنه مطواع للغاية. يُمكنك إرسال ناقلة محملة بالغاز الطبيعي المُسال إلى أي مكان. هي حركة ذكية من كل الأطراف".

لا تمتلك إسرائيل، وهي لاعب جديد في سوق الغاز، محطات لإسالة الغاز الطبيعي. والآن تهدف إسرائيل إلى استخدام محطات الغاز الطبيعي المُسال المصرية الموجودة في مدينتي إدكو ودمياط.

لكن موقع "مدى مصر" أشار إلى أن سعر الغاز الإسرائيلي قد يكون أعلى من الغاز المُنتج محلياً في مصر.

وكانت القاهرة تبيع الغاز لإسرائيل بسعر زهيد، مما أدى إلى فتح تحقيق بعد سقوط نظام مبارك حول الاتفاقية، واتُّهم على إثره مسؤولون بالفساد؛ إذ كانت إسرائيل تدفع 4 دولارات لكل مليار وحدة حرارية بريطانية، في الوقت الذي كانت تركيا واليونان وإيطاليا تشتري الكمية نفسها بسعر يتراوح بين 7 إلى 10 دولارات.

على الرغم من القضايا المُرتبطة بالاتفاقية مع إسرائيل، تهدف مصر إلى أن تصبح مركزاً مهماً لنقل الطاقة، ولن تُمانع دفع تكلفة أعلى من سعر السوق لتأمين الإمدادات.

وبحسب منى من شركة "رؤى استراتيجية للشرق الأوسط"، فإن مصر ترى نفسها مركزاً محورياً للغاز في شرق البحر المتوسط، وأنّ بنيتها التحتية التي تشمل منشأتين لإسالة الغاز، تسمحُ لها بأن تضع نفسها في خانة المركز الإقليمي لتصدير الغاز والخيار الأول لنقل غاز شرق المتوسط خارج المنطقة".

المصدر: TRT عربي