بجانب سعي إيران لتقديم نفسها كوسيط لحل الأزمة فإنها تؤكد اعترافها بسيادة أذربيجان على إقليم قره باغ، غير أن حساسية العلاقة تجاه الطرفين تضعها في موقف يحتم على قادتها التحرك في هامش ضيق نظراً لحسابات تمليها أسباب دينية تاريخية قومية أمنية واقتصادية.

وتملك أذربيجان خصوصية كبيرة في موقعها، فهي جغرافيًا بين إيران وتركيا وروسيا، وتتداخل دينيًا وسياسيًا وإثنيًا مع هذه الدول، مثل تداخلها مع إيران في سياق الدين والمذهب باعتبار أذربيجان ثاني أعلى دولة بنسبة المسلمين الشيعة (85% من السكان).

وتاريخًا تعدُّ أذربيجان مهد الديانة الزردشتية التي تعتبر من أركان القومية الفارسية قبل الإسلام، وكان إقليم أذربيجان بالغ الأهمية في تاريخ هذه الحضارة.

أسست القبائل التركية المهاجرة من أواسط آسيا إلى إيران دولاً مهمة، منها الدولة السلجوقية، وحَكم الأتراك إيران وكانوا جزءاً من التركيبة الإثنية هناك، لتكون أذربيجان مثالاً واضحاً على اندماج القوميات التركية مع السكان الأصليين.

ومع تعاقُب أنظمة الحكم والعائلات الحاكمة وتقسيمات الحدود، انقسم الأذربيجانيون إلى جزء يتبع إيران (الدولة القاجارية) وجزء آخر يتبع القوقاز. وبمرور عهد الاتحاد السوفييتي والتقسيمات حتى اليوم، أصبح اصطلاح "أتراك إيران" يطلق على الأذربيجانيين الموجودين في إيران ويشكلون اليوم نسبة 16%، يعيشون شمال غربي إيران.

وفي تصريحات خاصة لـTRT عربي، يقسم الإعلامي المغربي والخبير في الشأن الإيراني نور الدين الدغير العلاقة الإيرانية-الأذربيجانية إلى مرحلتين وفق سياقها التاريخي، فتوجد محطات مختلفة لتعاطي إيران مع أزمةقره باغ،ويختلف الموقف حسب الظروف والمعطيات السياسية والأمنية.

ويقول الدغير إن المرحلة الأولى يمكن أن نسميها مرحلة الدعم لأذربيجان وقد بدأت هذه المرحلة مباشرة بعد اندلاع النزاع 1991 فيقره باغ،وتحرُّك القوات الأرمينية مدعومة بقوات روسية باتجاه أذربيجان، وكانت إيران في هذه المرحلة حاضرة إلى جانب أذربيجان عبر إرسال مستشارين عسكريين لتدريب القوات الأذربيجانية، ومن الشخصيات العسكرية البارزة العميد منصور حقيقت بور (المسؤول الأول عن ملف أذربيجان وقتها).

ويصف الدغير هذه المرحلة بأنها تشكّل دعماً مطلقاً ميدانياً لأذربيجان، وتميزت بتكوين مجموعة عسكرية عُرفت باسم "آبون" وقاد هذه المجموعة الجنرال "روشن جوادوف".

وكان الحرس الثوري هو من يشرف على تدريب هذه المجموعة صاحبة الدور المهم في الحرب بقره باغ، واستشهد الدغير بمذكرات الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني لسنة 1993، إذ أشار إلى عدة مواقف بشأن أزمةقره باغ، منها صفقة سلاح لأذربيجان بمبلغ 30 مليون دولار.

أما ما يسميه الدغير "مرحلة الخلاف" فقد بدأت بعد تنصيب حيدر علييف رئيساً للجمهورية عام 1993، الذي طالب بخروج المستشارين العسكريين الإيرانيين. كذلك جرى تحييد مجموعة "آبون".

فبعد تثبيت حيدر علييف رئيساً لأذربيجان، جرى الهجوم على مقر "آبون" عام 1995 من قبل الجيش الأذربيجاني بأمر من علييف، فجرح روشن جوادوف وقتل في الهجوم.

بدأ الحديث في تلك المرحلة عن أذربيجان الجنوبية، ويُقصد المحافظات الأذربيجانية شمال غربي إيران، ومن هنا بدأ يتطور موقف سياسي إيراني معارض لباكو، وبدعم من اللوبي الأرميني القوي في طهران.

ويرى الدغير أن الموقف الإيراني في هذه المرحلة من الأزمة كان سياسياً باتجاه أرمينيا على حساب أذربيجان، هذا الموقف قد يساعد إيران على استثمار اللوبي الأرميني القوي سواء بأوروبا أو واشنطن، باعتبار الأرمن أصحاب حضور اقتصادي كبير في إيران وجزء من منافذ إيران للعالم بينما هي محاصرة بالعقوبات، وتحاول إيران أن تنظر إلى الطرفين باعتدال سياسي، لأن طهران لا ترغب في بؤرة حرب جديدة على حدودها تضاف إلى البؤر الأخرى المحيطة بها (العراق، أفغانستان، المياه الخليجية).

ويضيف الدغير أن الحرب ستنعكس سلباً على أمن الحدود والداخل الإيراني، ففي إيران مكونان اجتماعيان، الأذريون وهم مكون شعبي مهم من حيث الكم والنوع، وأيضاً الأرمن وإن كان عددهم محدوداً فإنهم مهمون نوعياً.

لذلك لا تريد إيران أن ترى الصراع بين الدولتين وتنتقل تداعياته إلى داخلها.

رأيان في إيران

حاولت إيران تأكيد موقفها المحايد من الأزمة، ودعوتها للحوار ووقف إطلاق النار. ووفق رئيس الجمهورية حسن روحاني، فإن إيران مستعدة للتوسط بين الطرفين وتقديم كل ما يدعم التهدئة.

إلا أن التصريحات الرسمية كانت سريعة بصيغة الدفاع عن اتهامات حول تقديم مساعدات إلى أرمينيا، ومن جملة النفي الذي لم يتوقف، نفي محمود واعظي مدير مكتب الرئيس الإيراني، خلال اتصال هاتفي مع مساعد رئيس الوزراء الأذربيجاني، شاهين مصطفى أوف، اتهام إيران بأنها ترسل مساعدات إلى أرمينيا، وقال: "هذه الشائعات كاذبة وتهدف إلى ضرب العلاقات المتينة بين إيران وأذربيجان".

وحاولت إيران أن تبرز دورها في الدفاع عن نفسها بوصفها الطرف المتضرر، بخوفها من إطلاق أيّ قذيفة نحو أراضيها، جاء هذا على لسان نائب قائد قوى الأمن الداخلي الإيراني العميد قاسم رضائي، الذي قال: "حذّرت قوى الأمن الداخلي الإيراني، أذربيجان وأرمينيا، من سقوط أيّ قذائف هاون بالخطأ قرب الحدود الإيرانية خلال الاشتباكات الجارية بينهما"، بعد أن وقعت قذيفتا هاون قرب الحدود عن طريق الخطأ. وأكد رضائي أن "أحد مطالبنا الجادة كبلد جار للبلدين هو حل الخلاف وتسويته عبر المفاوضات".

كما أصدر نواب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، بياناً مشتركاً عن المحافظات التي يمثلون المرشد فيها، أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية وأردبيل وزنجان، قالوا فيه: "إنَّ إقليم كراباخ أرض أذربيجانية وتجب عودتها إلى أصحابها". وقال النواب الأربعة في بيانهم، سید مهدي قریشي وسید محمد علي آل ‌هاشم وسید حسن عاملي وعلي خاتمي: "إنّ أذربيجان استخدمت الطرق القانونية والشرعية لاستعادة أراضيها وفق قرارات مجلس الأمن".

وأعرب البيان عن الأسف لأن خصوم الدولتين (إيران وأذربيجان) يثيرون النعرات بين البلدين ويتهمون إيران بالخيانة لأنها -وفق زعمهم- تدعم أرمينيا ضد أذربيجان، مطالبين بقطع الطريق على هذه الاتهامات من خلال دعم أذربيجان. وترحمَّ النواب في بيانهم على قتلى الجانب الأذربيجاني بقولهم "شهداء الأمة الأذربيجانية" وأنهم مع الشهداء "في عليين".

وتزامن هذا البيان مع تصريح حسين أمير عبد اللهيان، نائب سابق لوزير الخارجية، الذي أكد أن إقليم قره باغ تحت سيادة أذربيجان، وفق قرارات الأمم المتحدة والمواثيق الدولية.

والشهر الماضي، قال رئيس أذربيجان إلهام علييف لسفير اليونان، إن أرمينيا تحصل على السلاح عن طريق إحدى جاراتها، في إشارة منه إلى إيران، ولم تَنفِ إيران هذا القول. ومع بداية الاشتباك المسلح بين أرمينيا وأذربيجان، تناقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أنباءً ومقاطع مصورة تُظهر دعم إيران لأرمينيا، وبعد هذه الأنباء والتقارير، بدأت طهران تنفي هذا الدعم، وقالت إن إسرائيل وراء هذا التضليل.

ماذا تنوي إيران؟

بجانب سعي إيران لتقديم نفسها كوسيط لحل الأزمة، ودعوتها المتكررة لوقف إطلاق النار، فإن إيران تؤكد موقفها الذي يعترف بسيادة أذربيجان على إقليم قره باغ، غير أن حساسية العلاقة تجاه الطرفين تضع إيران في موقف يحتم على قادتها التحرك في هامش ضيق نظراً إلى الحسابات الدقيقة التي تمليها الأسباب الدينية والتاريخية والقومية والأمنية والاقتصادية.

فالأرمن يشكلون في إيران ذراعاً اقتصادية مهمةً تحرص الدولة على دعمها وعدم التصادم معها، نظراً إلى رؤوس أموال كبيرة يملكونها، كذلك يوجد تعاون اقتصادي مع أرمينيا، وعلى قلّة عددهم في إيران فإنهم أصحاب حظوة، والعلاقة بين أرمينيا وإيران لا تنبثق من إطار ديني أو حلف سياسي بحت بل لاعتبارات اقتصادية بالدرجة الأولى.

وتكمن الخلفيات العرقية في الأسباب التي تعوق إيران عن تقديم دعم كامل لأذربيجان في حربها مع أرمينيا لتحرير أراضيها المحتلة، فالقادة الإيرانيون طالما أرَّقهم هاجس الانفصال على أسس قومية، سواء للعرقية الأذرية التركية أو للعرقية الكردية.

وقد نظم الأذريون الإيرانيون وقفات تضامنية أيدوا فيها وقوفهم مع أبناء قوميتهم وجيرانهم في أذربيجان، وأكدوا فيها حق أذربيجان بإقليم قره باغ، مطالبين إيران بالوقوف معها، في مدن كبيرة مثل تبريز وأربيل وزنجان، وردد أكثر من 500 متضامن سلمي في تبريز (ميدان نماز) شعارات قومية تدعم أذربيجان، الأمر الذي أدى إلى تدخل الأمن وفض الوقفة بالقوة واعتقال مشاركين بالوقفة.

وفي السياق ذاته، قال الباحث والمحلل السياسي حميد عظيمي، مدير مركز مرصاد للدراسات الاستراتيجية في تصريحات لـTRT عربي، إنَّ إيران جربت تجربة سيئة في الاستثمار الاستراتيجي مع باكو. ووصف عظيمي قضية قره باغ بأنها قضية "قومية" أكثر من أنها أرض إسلامية يجب استعادتها.

وحول دعم إيران لأذربيجان قال عظيمي: "إن إيران أخطأت سابقاً في دعم أسرة علييف للوصول إلى الحكم، ولا نريد تكرار الشراكة في مشروع ليس له ثمار إلا تعميق النعرات العرقية في المنطقة.

وأكد عظيمي أن "إيران لن تتخلى عن حق أذربيجان في قره باغ، باعتبارها تؤيد حقها الشرعي بهذا الإقليم، لكن دعم أذربيجان سيبقى هامشاً في السياسة الإيرانية، ولن يكون أولوية إلا بعد أن تصبح قضية قره باغ نابعة من منطلق إسلامي، حينها يمكن لإيران أن تضع ثقلها".

وحول السيناريو المحتمل لحل الصراع، يتوقع عظيمي أن تجري استعادة المناطق الشرقية المحيطة بجمهورية "آرتساخ" من دون دخول القوى الأذربيجانية في المناطق المرتفعة. كما توقَّع عظيمي سقوط نظام الرئيس الأرميني أرمين سركيسيا بسبب هذه الهزيمة الجزئية. وحول الحل الذي يلزم الطرفين بوقف إطلاق النار، رجّح عظيمي أن موسكو ستصيغ معادلة جديدة تلزم الطرفين (إیرفان وباکو) على تطبيقها.

وحول حيّاد إيران المعلن، قال المحلِّل الإيراني المتخصص في العلاقات الدولية علي أكبر داريني في تصريحات لـTRTعربي، إن إيران لن تدعم طرفاً على حساب آخر، وتحاول بجدية أن تنقل الاشتباك المسلح إلى طاولة الحوار بعد أن أعلنت استعدادها للتوسط حتى الوصول إلى حل سلمي يقوم على الحوار لا الحرب.

وقال داريني إن "إيران لن تستطيع أن تقدِّم دعمها المطلق لطرف واحد كما فعلت تركيا التي أعلنت موقفها بوضوح، ففي إيران عدد كبير من الأذريين أصحاب القومية واللغة المشتركة مع سكان أذربيجان، كذلك يعيش معنا في إيران أرمن كثر، لهذا تنظر إيران بعين واحدة إلى الجارتين المتنازعتين".

ويضيف داريني أنه "لا يوجد تصوّر إيراني معلن واضح تجاه دعم طرف من دون آخر أسوةً بقرار تركيا المعلن، لتكون إيران ضمن الداعمين للحوار فقط".

ويضيف داريني أن الوجدان الإيراني يدعم أذربيجان، من منطلق ديني إسلامي، كذلك لاشتراكهم بالمذهب الشيعي وفق ما يقوله خطباء المساجد في إيران منذ بداية الصراع، إلا أن القرار السياسي في إيران سيكون على الحياد ويدعم الحوار فقط.

المصدر: TRT عربي