أفرجت "إسرائيل" مؤخراً عن المحتجزين لديها المواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي بعد ضغوط أردنية مورست على المستويين الشعبي والرسمي.

المواطنان الأردنيان هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي يصلان إلى بلدهعما بعد إفراج السلطات الإسرائيلية عنهما
المواطنان الأردنيان هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي يصلان إلى بلدهعما بعد إفراج السلطات الإسرائيلية عنهما (التلفزيون الأردني)

بعد مضي ربع قرن على اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل وعلى الرغم من التعاون الأمني والسياسي بين البلدين، فإن عمّان لم تستطع أن تبقى ذلك الشريك "الهادئ والدافئ" للسلام مع جارتها تل أبيب، بعد الضغط الشعبي والبرلماني الواسع، على أثر اعتقال أردنيين، هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي، اللذين أُفرِجَ عنهما في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

ولاعتبارات أمنية داخلية تتعلق بالديموغرافيا الأردنية الشعبية -وَفْقاً لسياسيين وبرلمانيين تحدثوا لـTRT عربي- وجدت عمّان نفسها مُجبَرة على اتخاذ خطوات تصعيدية لأول مرة بهذا الشكل مع إسرائيل في ملف الأسرى، على عكس كثير من القضايا السابقة التي لم تقدّم بها عمّان سوى مذكرات الاستنكار والتنديد.

على الجانب البرلماني استطاع مجلس النواب الأردني، من خلال عديد من النواب الناشطين، إجبار حكومة بلاده على أن تكشف عن "الكشرة الأردنية" وأن لا تكتفي بالمذكرات، وهو ما أسفر في نهاية المطاف عن استدعاء السفير الأردني في تل أبيب في "خطوة غير مسبوقة".

الطرف الثالث الحاضر الغائب

ملف الأسيرين كان كفيلاً بأن يزيد حدة التوتُّر أكثر مِمَّا هي بين الأردن وإسرائيل، لا سيما بعد أن كان من الملاحظ فيها غياب الطرف الأمريكيّ الثالث (الحاضر الغائب) وَفْقاً لما وصفه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب السابق بسام المناصير.

لم يُخفِ المناصير في حديثه لـTRT عربي أن العلاقات بين الأردن وإسرائيل لن تعدّلها أي تسويات ولو كانت من وزن الإفراج عن أسرى أو إجراء صفقة تبادل، مؤكّداً أن العلاقات بين البلدين أبعادها سياسية أكثر منها أمنية، وتصل إلى مخاوف الأردن من تنفيذ صفقة القرن التي من المُزمَع تنفيذها قريباً.

ورجح المناصير أن السلطات الأردنية قد أفرجت فعلاً عن المتسلل الإسرائيلي قبل الإفراج عن الأسيرين اللبدي ومرعي، منوهاً بأن المملكة لا تملك أي ضمانات أو أوراق ضغط على إسرائيل، وأن الحكومة الأردنية عاجزة عن تسجيل مواقف أمام الرأي العامّ الأردني الغاضب.

"إسرائيل" تعرف حدودها

يخالف الأكاديمي والمحلل السياسي حسن المومني رأي المناصير بملف الأسيرين "اللبدي ومرعي"، ويشير إلى أن القضية قد شابها كثير من الغموض على المستوى الرسميّ الأردني، وأن إسرائيل كانت دائماً تؤكّد أن الاعتقال جاء لأسباب أمنية لا سياسية.

وبيّن المومني في حديثه لـTRT عربي أن "المباحثات والمناقشات التي جرت على المستوى الرسميّ بين الأردن والاحتلال تختلف تماماً عما يدار في الإعلام، منوهاً بأن علاقة تربط الطرفين بحكم اتفاقية السلام، أبرزها التعاون الأمني".

المواطنة الأردنية هبة اللبدي تُظهر عند الإفراج عنها من قبل إسرائيل ، عند معبر جسر الملك حسين بالقرب من عمان ، الأردن ، 6 نوفمبر 2019.
المواطنة الأردنية هبة اللبدي تُظهر عند الإفراج عنها من قبل إسرائيل ، عند معبر جسر الملك حسين بالقرب من عمان ، الأردن ، 6 نوفمبر 2019. (Reuters)

وأكَّد أن إسرائيل "لن تغامر وتقامر بالعلاقة مع الأردن من أجل أسيرين، ناهيك بالتدخل الأمريكيّ، وهو الطرف الثالث في المعادلة".

ويشدّد الأكاديمي الأردني على أن الأردن لديه الأوراق الكافية لـ"تطويع إسرائيل" وإبعاد سيطرتها عن أراضي بلاده، بخاصَّة ما يتعلق بضم غور الأردن وشمال منطقة البحر الميت، أو ملف صفقة القرن.

صفعة على وجه إسرائيل

فرحة واسعة يشعر بها الشارع الأردني بعد الإفراج عن الأسيرين اللبدي ومرعي، اللذين مثلا صمود الأردن بوجه إسرائيل وردّاً على كل الانتهاكات التي قامت بها، وَفْقاً للنائب الأردني وعضو كتلة الإصلاح النيابية المحامي صالح العرموطي.

العرموطي في حديثه مع TRT عربي بيّن أن الأردن وجّه "صفعة قوية" إلى إسرائيل، بعد الجهود الوطنية الأردنية المتكاملة التي نتج عنها الإفراج عن الأسيرين، وهي الفرحة التي اكتملت في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي بعد أن تسلم الأردن رسميّاً أراضي الباقورة والغمر وإعلان وقف العمل بالملحقين الخاصين بهما.

و"على غير المعتاد" يثمّن العرموطي سحب حكومة بلاده سفيرها من تل أبيب -خلال أزمة الأسيرين- في خطوة اعتبرها النائب غير مسبوقة ولم يشهدها الأردن عند حادثة اغتيال القاضي رائد زعيتر، منوهاً بأن الضغط الشعبي والإعلامي كان لهما دور بارز في إجبار الحكومة على هذا الإجراء.

وبرّر العرموطي هذا الكلام بأن عدة هيئات أردنية -غير رسميَّة- نشطت بشكل لافت بمقاومة التطبيع، بعد حادثة الأسيرين، وقت أن وجدت تجاوُباً واسعاً من كل أطياف الشارع الأردني.

ويكمل العرموطي كلامة لـTRT عربي منوهاً بأنه مصمّم على دعوته الأخيرة بعقد اجتماع مجلس النواب المقبل في أرض الباقورة والغمر المستعادة من إسرائيل، بوجود جميع وسائل الإعلام والأحزاب ومؤسَّسات الشعب الأردني.

تحرك برلماني فاعل

أما البرلماني خليل عطية الذي تَبنَّى قضية الأسيرين اللبدي ومرعي فقد قال لـTRT عربي إنه سارع من خلال البرلمان العربي في القاهرة لمطالبة حكومة بلاده بعدم تسليم أو إعادة المتسلل الإسرائيلي إلا في حال مبادلته بجميع الأسرى الأردنيين في سجون إسرائيل بما في ذلك المحكومون والموقوفون.

وقال عطية إن "الإفراج عن جميع الأردنيين هو أولوية الآن، والحكومة الأردنية تستطيع أن تبادل المتسلل بأكثر من 20 أسيراً أردنيّاً لدى إسرائيل".

تخفيض العلاقات مطلب شعبي

شعبيّاً أظهرت نتائج استطلاع أجراه مركز نماء للاستشارات الاستراتيجية في أغسطس الماضي، مطالبة 70% من الأردنيين بتخفيض العلاقات السياسية والدبلوماسية مع إسرائيل، في حين طالب 75% بالحَدّ من العلاقات العسكرية والأمنية.

ترى أغلب الأوساط الشعبية السياسية والحزبية والبرلمانية الأردنية أن وعود "السمن والعسل" بتوقيع معاهدة وادي عربة لم تتحقق للأردنيين على مدى 25 عاماً أي شيء، بل إنها على العكس من ذلك زادت المشكلات التي تعاني منها المملكة، بخاصَّة ملف المياه الذي تحاول إسرائيل تهديد الأردن به بين حين وآخر. وما زال الأردن يعاني الأمرَّين اقتصادياًّ ومعيشياًّ، ومشكلات داخلية وخارجية، دون مكاسب من معاهدة السلام المرفوضة شعبيّاً. وموقف الأردن الأخير من قضية الأسيرَين وقضية الباقورة والغمر يؤكّد أن سياسة الأردن تجاه إسرائيل وعملية السلام تمرّ بمراجعة حقيقية.

المصدر: TRT عربي